في الأكشاك هذا الأسبوع
%d9%87%d9%8a%d8%b1%d9%81%d9%8a-%d9%84%d8%a7%d8%af%d8%b3%d9%88

ملف الأسبوع | أخطر كواليس زيارة “هيرفي لادسو” إلى الصحراء في تقرير لمجلس الأمن

يتقدمها اقتراح فرنسي: تسليم طائرات بدون طيار لـ”المينورسو” أو عودة طاقمها كاملا في 100 يوم

بقلم: عبدالحميد العوني

   قالت مصادر خاصة، إن استقبال الشرقي الضريس، الوزير المنتدب في الداخلية المغربية للأمين العام المساعد، المكلف ببعثات حفظ السلام في الأمم المتحدة، هيرفي لادسو، تأكيد من العاصمة الرباط بأن “مسألة الكركرات” تتعلق بالأمن الداخلي للمملكة في محاربتها للجريمة والتهريب، في مقابل “النظرة العسكرية” لاستقباله في المخيمات من طرف ما يسمى بوزير دفاع جبهة البوليساريو ورئيس مخابراتها، أحمد محمود بغية تثبيت “خرق وقف إطلاق النار”.

   وألغت الرباط لقاء بين لادسو والوزيرة مباركة بوعيدة، لفقدها الصفة قانونا، إثر حصولها على عضوية البرلمان في الانتخابات البرلمانية الأخيرة عن منطقة كلميم، وسفر مزوار وبوريطة مع الملك في جولته إلى شرق إفريقيا.

   ويأتي استقبال وزير الداخلية للمسؤول الأممي تشكيكا في مصير محمد حصاد فيما يخص التشكيلة الحكومية الجديدة، كما يأتي إلغاء لقائه مع بوعيدة اجتهادا “قانونيا” لإدريس الضحاك، الأمين العام للحكومة، كي تدافع المملكة عن نفسها ولا تثير فرنسا، حليفة المغرب في مجلس الأمن، لأن هنري لادسو فرنسي الجنسية، ولم تستقبل المملكة في هذه الظروف، الأمريكي كريستوفر روس.

   وفي واقع الأمر، لم يرغب المسؤولون المغاربة في أي تصعيد مع الولايات المتحدة، بعد سماحهم للادسو بزيارة الإقليم، لكنهم خفضوا من درجات استقباله، وأرجأوا أي تحريك للملف إلى حين وصول الأمين العام الجديد للأمم المتحدة، ولو جاء الوضع في غير صالح حسابات باريس.

هيرفي لادسو، قد يكون آخر فرنسي يقود قوات حفظ السلام الأممية، لانتهاء ولايته في فبراير 2017، وتدير واشنطن معركتها لقيادة “جيش العالم” مما يسمى “أخطاء” باريس في ملف الصحراء، وانتقد المسؤول الأممي لقوات حفظ السلام المغرب في الجلسات المغلقة لمجلس الأمن، ودعا إلى تزويد “المينورسو” بطائرات من دون طيار لتجاوز عجزها، بعد طرد المملكة لطاقمها المدني، وتريد باريس الضغط على المغرب من خلال هذه الورقة لإرجاع كل عناصر البعثة الأممية إلى الصحراء، وتكون قد حققت نصرا يحسب لها للحفاظ على موقعها في قيادة قوات حفظ السلام

   حولت الرباط “المفاوضات” مع الوكيل الأممي عن قوات حفظ السلام بشأن عودة باقي طاقم “المينورسو” إلى محادثات حول “أزمة الكركرات”، وسكتت باريس عن اقتراح تزويد البعثة الأممية بطائرات بدون طيار لسد عجزها، لأن المغرب تأخر في عودة باقي طاقم البعثة الأممية إلى عملها، ويريد الفرنسيون أن يحققوا بهذه العودة الكاملة، انتصارا لدبلوماسيتهم في مجلس الأمن بغية الحفاظ على قيادتهم لقوات حفظ السلام بعد فبراير 2017.

   ومنذ 1997، تاريخ تجميد حل نزاع الصحراء، وفرنسا تدير هذه القوات المتوفرة اليوم على 26 طائرة بدون طيار، ومنطادين فضائيين، وتريد واشنطن أن تحترق فرنسا في موضوع الصحراء، ولا تريد باريس من جهتها أن تقدم أي تنازل في الملف أو الضغط على المغرب دون بقاء المنصب “فرنسيا”.

   وأعلنت الولايات المتحدة رغبتها في “التغيير”، ويظهر ذلك واضحا في تفاصيل الحرب الجارية في مواقع إفريقيا، التي تحتكر 80 في المائة من حركة قوات حفظ السلام.

   في غشت 2015، ولادسو في زيارة لدولة مالي، واستدعى الأمريكيون الجنرال، بوبكر غاي، من خلال مكالمة لبان كيمون، وكشف عن جرائم الاغتصاب في إفريقيا الوسطى لإثبات فشل الصيغة الفرنسية مع الأمم المتحدة بصبغ عساكرها بوسم الأمم المتحدة، وتدعو واشنطن بعد فبراير 2017، إلى مبدأي “الالتزام الدولي” و”السلام المسؤول”، ويشجع الأمريكيون في مرحلة أولى أن يكون المنصب “أوروبيا”، ويدفعون بالألمان لسحب البساط من تحت فرنسا في مالي، فيما يقول تقرير للإليزيه، أن فرنسا خسرت منصب قيادة “قوات حفظ السلام”، وستتسلم رئاسة منظمة الصحة العالمية من خلال لورنس توبيان، أو فليب بلازي لتعويض خسارتها لمنصب هيرفي لادسو(1).

   وتدير باريس ضغوطها على المغرب من خلال العودة الكاملة لوفد “المينورسو”، أو سد عجز البعثة بطائرات بدون طيار التي تعززت بها بعثات الأمم المتحدة في إفريقيا، “مينوسكو” في الكونغو، و”مينوسما” في مالي، وتشمل في مخطط لادسو باقي النزاعات، لتعويض الطاقم البشري بالتكنولوجيا المتطورة، من خلال طائرات من دون طيار غير مسلحة وتختص بالمراقبة.

   وتفتقد “المينورسو” حضورها الليلي بين الطرفين في الكركرات، التي تقلصت إلى سيارة دركيين غير مسلحين في مقابل 17 سيارة مزنجرة للبوليساريو وفي الـ 1136 مترا غير المعبدة في الكركرات.

   يقول لادسو: “إن كنا عميانا لا يمكن أن ننجز مهامنا”، وهو من دعاة تعزيز طواقم قواته لحفظ السلام بالهليوكوبتر الهجومي وطائرات من دون طيار، ودخلت حوامات “الأباتشي” الألمانية و”دينيل رويفالك” الجنوب إفريقية إلى خدمة هذه القوات.

   ووصلت فعلا “الأباتشي” إلى مالي، وتطرح جنوب إفريقيا تزويد “المينورسو” بحوامات هجومية، كما تطرح السويد نفس الاقتراح، لكن فرنسا توجه مجهود البلد الأوروبي إلى مالي، وتباشر وحدة المخابرات السويدية المكونة من 250 عنصرا مهام إقامة نظام “أأ إنيكسترون سيستامز شاداو 200” في قاعدة “نوبل” في مدينة تامبوكتو.

   وتعطي طائرات بدون طيار “هيرون 1″ و”هيرميس 900″ العاملة في البعثات الأممية بإفريقيا صورا كاملة في الليل والنهار، و”هيرون” من الصناعة الإسرائيلية ستعمل بمالي في هذا الشهر طيلة 24 ساعة من طرف الألمان وتحت سقف الأمم المتحدة.

   ويطرح هيرفي لادسو، تسليم طائرات بدون طيار لـ”المينورسو” أو عودة طاقمها الكامل في 100 يوم في إطار خطة أممية بالقارة السمراء يغطيها نفوذ فرنسا.

   واحتفت الخارجية الفرنسية عقب زيارة لادسو إلى المغرب ومخيمات تندوف، بإعادة نشر مجلة “اليسونسيال” بعض المقتطفات في حوارها معه(2).

   وتضمنت كلماته تغطية على اقتراح “تسليم طائرات من دون طيار للمينورسو في حال عدم عودة طاقمها كاملا للاشتغال”، ومؤكدا أن “الحلول الإقليمية” رئيسية في مواجهة النزاعات إلى جانب الاتحاد الإفريقي الذي يريد المغرب العودة إليه،

   وواصفا الدول التي لديها مشكل بـ”الدول التي لم تنجح في حل مشاكلها في العمق” ويذهب لادسو بعيدا في قبول اقتراح المخابرات السويدية لتسليم طائرات بدون طيار لمراقبة الأوضاع في الصحراء، والتهييء لوقوع الجدار الرملي تحت تصوير “طائرات بدون طيار طيلة 24 ساعة” مسألة وقت فقط، بعد استعمال هذه الطائرات في مالي وإفريقيا الوسطى، ومهدت زيارة لادسو إلى الصحراء لرفع الفيتو الفرنسي عن وصول هذه الطائرات إلى “المينورسو”.

   ويعتقد الفرنسيون أن عدم عودة 68 عنصرا من البعثة الأممية في  الصحراء لإكمال طاقمها خسارة لقيادتهم لقوات حفظ السلام، لأن باريس عارضت كل الاقتراحات الأمريكية الأخيرة لحل هذا المشكل.

هيرفي لادسو انتقد المغرب في الجلسات المغلقة لمجلس الأمن، منذ أبريل الماضي، لكن في إطار تحميل المسؤولية للطرفين قائلا: “إن مصداقية مجلس الأمن قوضها الطرفان”، ودفعت واشنطن بزيارة المكلف بقوات حفظ السلام إلى الكركرات منذ اندلاع الأزمة  لمحاصرة الفرنسيين

   في محاضر الجلسات المغلقة قال لادسو، إن مصداقية مجلس الأمن قوضها الطرفان، وبقي متوازنا في نظر البعض، لكن الرباط قالت بأنه تجاوز موقف السفير الفرنسي في مجلس الأمن، وإن قام بدور منسق مع بلاده لاحتواء الموقف الأمريكي الذي دعا إلى مذكرة احتجاج من قبل رئيس مجلس الأمن ينقل إلى الطرفين مخاوف الدول الأعضاء، حاثا على حل عاجل للوضع(3)، وذهبت بريطانيا إلى وجود كل العناصر لتصريح من مجلس الأمن يدعو إلى ضبط النفس من الطرفين ودعوتهما إلى دعم الجهود الوسيطة لـ”المينورسو”.

   واختلفت مقاربات بريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا في مجلس الأمن، لأن فرنسا رفضت المقاربتين الموضوعتين، من طرف لندن وواشنطن، لحل ما وقع بالجزء الجنوبي من القطاع في المنطقة العازلة، لقرار المغرب فتح طريق يربط تكنولوجيا المعلومات والاتصالات بين الجدار الترابي مع الحدود الموريتانية، وقد تواجدت فيها “عناصر الأمن” في انتهاك للاتفاق العسكري رقم واحد لوقف إطلاق النار.

   ودعا هيرفي لادسو، في 29 شتنبر الماضي إلى إجراء دوريات برية لـ”المينورسو” مع طائرات “الهليوكوبتر”، وأعرب المجلس في الاجتماع عما دعاه “القلق الذي خبت به جذوة البحث عن حل للوضع”،كما انتقد لادسو عدم وجود توجيه من مجلس الأمن ، ولم يصدر عنه رد على الوضع الذي بدأ منذ منتصف غشت .

   ودعت كيم بولدوك، المسؤولة على الأرض في العيون، إلى وجود دعم إضافي عبر المروحيات، فيما دفعت واشنطن باتجاه مراقبة الوضع على رأس الساعة داعية إلى زيارة للادسو لتمرير “وجود طائرات بدون طيار”.

   واستجاب مساعد الأمم المتحدة، المكلف بقوات حفظ السلام وانتقل إلى الكركرات، وإن دامت زيارته للموقع 30 دقيقة فقط.

   وخفض المغرب، نتيجة هذه التصريحات وقرارات لادسو التي تداولتها كواليس الأمم المتحدة، من تمثيله المستقبل والمحاور للمسؤول الأممي  في زيارته.

   وزادت قرارات الرباط من حنق العاصمة باريس، لأن موقف المغرب عبر عنه مسؤولوه في مذكرة إلى مجلس الأمن قائلين: “إن البوليساريو قام بتسييس عملية تطهير منطقة الكركرات من الاتجار غير المشروع والأنشطة الإجرامية، وليس هناك أي محاولة لتغيير الوضع القائم بالمنطقة”، وهو ما يتناقض مع ما نقلته إدارة عمليات حفظ السلام إلى مجلس الأمن في 28 غشت الماضي.

   وبدأ خلاف المملكة مع لادسو، كما هو واضح من خلال وثائق مجلس الأمن من نهاية غشت الماضي، واستمر إلى الآن، في حوار الممثلين للمملكة المستقبليين له في زيارته الأخيرة إلى المنطقة.

   واجتمع الرأي في المغرب والبوليساريو على انتقاد لادسو إلى الحد الذي غير فيه مناصرون للجبهة اسمه إلى “جينوسيد لادسو” أو “لادسو التطهير العرقي”، لأنه في زمن قيادة فرنسا لقوات حفظ السلام، عرفت إفريقيا عشرات الحروب وصلت جرائمها إلى الإبادة الجماعية، ولم يخرج لادسو على خط المصالح الفرنسية، وليست له أي قدرة أو كفاءة في مادة حقوق الإنسان(4)، وعارض في وقت سابق، توسيع مهام “المينورسو” لمراقبة حقوق الإنسان.

   وتقر قواعد جبهة البوليساريو، وبعض قادتها، بأن المغرب خرج سالما في معركته مع “المينورسو” بفضل لادسو، وأثرت هذه القناعة(5) في عدم استقباله “الجيد” من طرف جبهة البوليساريو أوالمغرب، واعتبره ردا على “الحياد التام” الذي يتبعه، كما قال لفظا، أمام قادة الجبهة، ما يسمى وزير دفاعها، عبد الله الحبيب وقائد مخابراتها أحمد محمود، وأضاف “كما تعلمون، تطلعات الأمم المتحدة هي التي عبر عنها الأمين العام الهادفة إلى إحراز تقدم في مسلسل التسوية، دون أن يثير ما يفيد أي طرف”، واختار ما يسمى وزير دفاع البوليساريو في هذه الظروف، استقبال المسؤول الأممي والخروج في مقابلة مع “البيان الصحافي” الموريتانية، قائلا: “نحن في حالة استنفار دائمة منذ مارس الماضي، وفي وضعية الاستعداد القتالي رقم 1 على طول الجدار”، كاشفا عن تعاون مع الاتحاد الإفريقي من خلال كتيبة هندسية ومكتب اتصال عسكري، وموضحا ما تعيشه قواته لقوله “نحن في الجيش لم نعد نحتمل أكثر مما تحملناه”، وقرأ لادسو هذه المقتطفات كاملة، لأنها رسائل من الجبهة، فيما أثار محمد خداد في الاجتماع ما دعاها: “المعضلة الفرنسية 7 مرات”.

   وهو ما يؤشر إلى أن خفض التواجد المغربي إلى سيارة لدركيين غير مسلحين ليس له رد فعل من الجبهة التي صورت جنودها على مياه المحيط الأطلسي، وحاول لادسو التمسك بما يدعوه بـ”حياده التام”، المعروف من الرباط إلى باماكو، كما حدث في توقيع “اتفاق السلام” يوم 15 ماي 2015 في المركز الدولي للمحاضرات “سيسب” بالعاصمة المالية، ووصف رئيس مالي اقتراحات لادسو بغير المفهومة، لدعوته إلى الحوار مع الجماعات غير الحاضرة في الاجتماع،  وأن يكون الاتفاق مفتوحا، وأن لا يسمح الموقعون على الاتفاق لأنفسهم بمحاربة غير الموقعين أو الأطراف الغائبة(6)، وشنت صحف مالي حملة ضد لادسو، وكلما زاد الهجوم عليه في كل دول إفريقيا، بما فيها الناطقة بالفرنسية، زاد تحفظه من الإعلام، ويدخل في هذا الخضم عدم اهتمام الجزائريين بتدخلاته.

   ووصفت جريدة “ألجيري باترييوتيك”، لادسو، بالدبلوماسي الفرنسي الذي قال بأن المغرب خرق وقف إطلاق النار(7)، ولم تقل بمنصبه أمينا عاما مساعدا في الأمم المتحدة مكلفا بقوات حفظ السلام.

   وهذه المواكبة الجزائرية لتصريحات لادسو حرمته، وبشكل إضافي، من استقبال جيد له في المملكة، مكرسة قراءتها القائلة، أن المغرب أراد في غياب الطاقم الكامل لـ”المينورسو” تغيير الوضع القائم “الستاتيكو”، وخلق توتر إضافي مع موريتانيا، ويعرف الجميع درجة تأثير لادسو على بان كيمون لقول “هوفينغتون بوست” في ترجمتها للشخص، أن “لادسو يشرف على الإدارة السياسية والتنفيذية لقسم عمليات حفظ السلام الأممية، وإن غطى المسؤول الأممي ردة الفعل المغربي على بان كيمون، فإنه لم يقبل البتة خلق أزمة إرادية في الكركرات”.

   وموقف لادسو جزء من موقف فرنسا، وجاءت زيارته تحت ولاية مجلس الأمن، بورقة من السفير الفرنسي في المجلس إلى باقي الأعضاء، وجاءت هذه البادرة، لأول مرة منذ طرد المغرب لـ 70 فردا من الطاقم المدني في مارس الماضي حسب “فوكس نيوز الأمريكية”(8)، وفي جملتها تنبيه إلى استمرار هذه الأزمة بالإضافة إلى أزمة “الكركرات”.

   وقالت قصاصة “الأسوشيد بريس”: “إنها زيارة لأكبر مسؤول أممي إلى الصحراء بعد الأزمتين، وسبق للادسو أن قام بزيارة للمنطقة في 10 أكتوبر 2012، بعد 14 سنة من حالة الجمود التي خيمت على التسوية”.

   وحركت البعثة الأممية 12 عسكريا للتواجد بين القوات المغربية، على ورش تعبيد طريق الكركرات، وموقع قوات البوليساريو التي قالت “أوراق بولدوك” عنها إنها 17 سيارة تحمل مدافع، وطلبت، كما تقول، من السلطات المدنية المغربية ممرا صغيرا لمراقبيها الإثني عشر، وقال المغاربة بضرورة الرجوع إلى القوات المسلحة الملكية، وفي الواقع، لم يتفق الطرفان على مقترحات “المينورسو”، فيما دافعت فرنسا والسنغال على العمل الذي قامت به المملكة لأنه مدني وليس عسكريا(9)، واللعبة معقدة بين الجبهة والمملكة، وبين الأصدقاء الغربيين، واختلفت بريطانيا عن الولايات المتحدة، كما اختلفت واشنطن مع فرنسا، وهو ما زاد من صعوبة الوضع في مجلس الأمن.

   وتميزت باريس عن أصدقائها في تقسيم النفوذ داخل دوائر الأمم المتحدة، وغطت فرنسا زيارة هيرفي لادسو، كما لم تفعل واشنطن مع كريستوفر روس، لأن الولايات المتحدة تريد نهاية قيادة فرنسا لقوات حفظ السلام الأممية، وجاء اجتماع لجنة الخارجية في البرلمان الفرنسي يوم 16 مارس 2016، مؤكدا على التعاون في التفاصيل بين لادسو وبلده فرنسا، وفي هذا الاجتماع قال رئيس اللجنة، بأن عمليات الأمم المتحدة 15 وليست 16، وأضاف بأن عمليتين منها لمشاكل قديمة، دون ذكر “نزاع الصحراء” في إقصاء شامل لتقييم هذا المشكل من طرف باريس.

 لجنة الخارجية في البرلمان الفرنسي الذي حضر اجتماعها هيرفي لادسو يوم 16 مارس 2016، أقصت نزاع الصحراء من خارطة قوات حفظ السلام الأممية واهتمت بالنقط الساخنة التي يحضرها أو يشارك فيها جنود فرنسيون، ورغب الأمريكيون في قيادة غير فرنسية لقوات حفظ السلام، لوضع كل المشاكل في اتجاه الحل، وتفقد فرنسا بأزمة “الكركرات” قيادة جيش العالم، كما يسميه هيرفي لادسو، خصوصا بعد تقوية ودعم هذه القوات من خلال إنشاء أنوية (جمع نواة) استخبارية وتسليحها بتكنولوجيا متطورة

   تهيمن نزاعات إفريقيا على 80 في المائة من عمل قوات حفظ السلام، ويدافع لادسو على نهاية البعثة في ساحل العاج تحت مسمى “أونيسي” في ربيع 2017، وليبيريا “مينول” عام 2018، للتأكيد على نجاح قيادة الفرنسيين.

   يقول لادسو في برلمان بلاده: “إننا أمام 16 عملية بـ 8.2 مليار دولار، أي حوالي 0.4 من الميزانيات العسكرية في العالم(10)، مشيرا إلى كل النقط التي تتواجد فيها قوات حفظ السلام في إفريقيا دون أن يقول كلمة عن نزاع الصحراء، رغم إثارته لمشكل داخلي في السودان (دارفور) ضمن ما سماه المسؤول الأممي قوس الأزمات (دارفور ـ الصومال).

   يقول تقرير سري لوزارة الدفاع الفرنسي، إن التحول في قوات حفظ السلام الذي قامت به فرنسا نحو “قوات ذات وزن” قد يكون عاملا فاعلا في سياسات أي دولة، وخسارة فرنسا للصيغ الجديدة مع قوات حفظ السلام الأممية في إفريقيا سيكون “كارثة”، ويعمل جنود فرنسيون تحت راية الأمم المتحدة في مالي وإفريقيا الوسطى، ورفضت جنوب إفريقيا هذه الاستراتيجية مقترحة فيلقا للتدخل يعمل باسم قوات حفظ السلام لتحييد الجماعات المسلحة.

   وستستفيد قيادة ما بعد فبراير 2017 لقوات حفظ السلام من عاملين: أولا، إدخال المخابرات إلى عمل قوات حفظ السلام، وثانيا، تزويد هذه القوات بطائرات من دون طيار، وبالتأكيد قربت أزمة “الكركرات” إقليم الصحراء من الترتيبات الجديدة لقوات حفظ السلام.

   وبمساعدة المغرب لحلفائه الفرنسيين في أهدافهم، قام بسحب قواته إلى الجدار في نقطة الكركرات وأبقى سيارة غير مسلحة لدركيين، لكن اعتباره من الناحية القانونية (الدرك من القوات المسلحة) يثير مشكلا، كما أن رفضه لنقطة ثابتة لـ”المينورسو” في الكركرات قد يتحول مع الزمن إلى وجود مسلح ودائم للبوليساريو.

   وتخفيف الوضع المسلح في الكركرات من طرف المغرب لم يخدم الاستقرار بعد التطورات الأخيرة، التي ستنتهي بإنشاء نقطة ثابتة لـ”المينورسو”، ولم يتنازل لادسو عن هذا الاقتراح، وترفض الرباط هذه النقطة إلى الآن.

هيرفي لادسو، لم يعتبر طرد المكون المدني لـ”المينورسو” تطورا حادا أو صعبا في مشكل الصحراء، وطيلة استجوابه في البرلمان الفرنسي يوم 16 مارس 2016، لم يعتبر مشكل الصحراء مشكلا معقدا أو قابلا للسرد ضمن مشاكل إفريقيا، وفي أزمة الكركرات تحول موقف المسؤول الأممي جذريا

   رمى الأمريكيون مشاكل إفريقيا منذ 1997 إلى فرنسا، لكن القارة السمراء أصبحت جالبة لتأثير الجميع، ولا بد من خارطة جديدة ومتقدمة في إفريقيا للتحكم في صراعاتها، وبالتالي استقرارها، والخلاف الأمريكي ـ الفرنسي ـ البريطاني حول الصحراء “غير صحي”، ويمكن أن يتطور إلى حرب قد تندلع، كما اندلع الخلاف الروسي ـ الأمريكي في سوريا.

   ويعتقد مراقبون لأوراق الجلسات الست لمجلس الأمن حول الصحراء، أن هناك طرفا على الأقل يريد الحرب ويسعى لها، وما حدث في أول اجتماع في نيويورك للقادة العسكريين في العالم، يوم 27 مارس الماضي، يكشف إلى أي حد تتحول “قوات حفظ السلام” إلى رهان استراتيجي للدول الغربية، ولا يمكن لفرنسا أن تحافظ على قوات حفظ السلام باندلاع حرب في الصحراء، ومنها إلى حرب إقليمية شاملة.

   إن فرنسا تلعب بالنار، وجاءت مبادرة 27 مارس الماضي من الأمريكيين بمساعدة بعض حلفائهم لإحداث تغيير على “سياسة وقيادة” من سنة 1997 وإلى اليوم.

   وقلق باريس على وضعها يزيد من “عدم تعقلها”، وما حدث في إدارتها لملف البعثات الأممية في القارة السمراء، يخدم أجندة “ضيقة” للغاية تقصي المصالح البريطانية، وهو ما حدا بلندن إلى نهج سياسة خاصة بها في قضية الصحراء، ودفعت المغرب إلى انفتاح على شرق إفريقيا ليتوازن موقفه دون المساس بخطوطه الحمراء، ولا تخدم اللعبة أحدا، لأن الغرب ليست له سياسة واحدة لمشكل الصحراء، فكيف يرسم مصالح مشتركة في المغرب العربي وشمال إفريقيا؟

   إنها “ثقب أسود” يكبر كل يوم، ويعتقد الفرنسيون أن “الأمور تحت السيطرة” تماما كما قال وزير الخارجية، مزوار في آخر لقاء له مع كريستوفر روس، ويذهب الفعل اليوم بعيدا في “تقوية المينورسو” وإنتاج “عضلات عسكرية” للبعثة الأممية في الصحراء، بعد رفض الرباط توسيع مهامها لمراقبة حقوق الإنسان.

   ولا يخدم التوجه الجديد لـ”المينورسو” مصالح المملكة، فتهديدات البوليساريو تقوي البعثة الأممية عسكريا، فيما لا تقبل الرباط هذا الوضع، لكنها لا تستطيع رفضه، والمملكة والجبهة رفضتا اقتراحات “المينورسو”، لأن إبراهيم غالي، ينظر إلى الصحراء تتحول إلى “الوصاية الدولية”، والمغرب الذي رفض توسيع مهام “المينورسو” لمراقبة حقوق الإنسان، ينظر إلى “جيش دولي” يتأسس إلى جانب القوات المغربية، والرهانات صعبة إلى حد بعيد بالنسبة لطرفي النزاع: الجبهة والمملكة ومستقبل المنطقة وتشكيلها.

الخطة الجديدة لقوات حفظ السلام تحول إقليم الصحراء إلى “الوصاية الدولية” كلما تعززت قوات “المينورسو”، فيما ينظر الجيش المغربي إلى “جيش دولي” يتأسس بجانبه، إن تواصلت خطة دعم القوات الأممية في الصحراء بالمروحيات الهجومية وطائرات من دون طيار

   تذهب الأمور بعيدا في الصحراء، انطلاقا من أجندة وقف إطلاق النار على طول جدار بمئات الكيلومترات، وكلما زادت التوترات، زادت نقط تواجد “المينورسو” طالبة دعما إضافيا يوافق عليه مجلس الأمن إلى الحدود التي لا يمكن معها، سوى التصديق على انتقال هذا الإقليم إلى الحماية الدولية، وقد يدفع فشل المفاوضات إلى تبني خيارات صعبة.

   ويقر لادسو في تقرير عملاني له، أن التطورات الجارية في قوات حفظ السلام والتي نقلت بناء وحداتها ما بين الـ30 و60 يوما للتدخل في بلد معين، بعد أن كانت بين 6 و8 شهور، والمدى التكنولوجي الذي وصلته هذه القوات، محفزان لـ”عمل دولي واسع ودقيق”.

   قوات الأمم المتحدة، حاليا، ليست قوات صماء ولا عمياء، حسب تعبير المسؤول عنها، إنها تنقل بدقة ما يجري، وما حدث من مخيم “إكديم إزيك” إلى “الكركرات” يخدم تحول “المينورسو” في الصحراء، والمغرب أمام توسيع للمهام السياسية أو العسكرية لـ”المينورسو”، ولا يمكن أن يرفض الثانية بعد رفضه الأولى.

   وتدافع باريس على “الوضع القائم” في الصحراء كي لا تتزعزع خارطة قوات حفظ السلام في العالم وفي إفريقيا تحديدا، ويكون انتقال منصب هيرفي لادسو إلى أحد مرشحيها: جون موريس ريبار، مستشار ميشيل روكار، والمبعوث الشخصي لبان كيمون في باكستان، وهو من الحزب الاشتراكي الموحد، وله موقف مخالف للمغرب في قضية الصحراء، وهناك السفيرة الفرنسية في لندن، سيلفي بيرمان،  وتسعى بريطانيا إلى قطع الطريق عنها.

   ويحاول لادسو، وقبله الفرنسيون، تحميل الأمانة العامة للأمم المتحدة كل المسؤولية لتبرئة قيادتهم لقوات حفظ السلام، ويريدون أن يضيفوا الفشل في  الصحراء إلى الفشل في رواندا وفي البوسنة عنوانا لما سموه: “فشل المنظمة العالمية”، لكن الأمريكيين يؤكدون على ضرورة “التغيير” لنقل قيادة قوات حفظ السلام من لادسو إلى أوروبي أو أمريكي.

   ومن جانب المملكة، لا تريد الرباط تحريك الملف إلا بعد ذهاب بان كيمون ومجيء خليفته “أنطونيو غوتيريس، لأنه قادر على اجتراح الحل، حسب موقع “دياريو سيغلو 21” الإسباني، ويعزز هذا الطرح موقع “360” المغربي، مؤكدا أن المغرب لن يطلق محادثات مع الأمم المتحدة إلا في عهد السكرتير الجديد، لكن ممثل المغرب في نيويورك، اقترح التطرق إلى الموضوع في زيارة بان كيمون إلى مراكش لحضور القمة الثانية والعشرين للمناخ.

30 دقيقة هو ما خصصه هيرفي لادسو من وقته في الكركرات، ولم يأخذ ما أخذه جمال بن عمر، وكانت الدبلوماسية الأممية تعتقد، أن فرنسيا يمكن أن يحصل على باقي الوعد بالسماح لباقي طاقم “المينورسو” بالعودة ، لكن القوس لم يغلق بعد

   اختارت جبهة البوليساريو تصوير مقاتليها ملامسين مياه المحيط الأطلسي، وابن البحرية، هيرفي لادسو في الأجواء إلى المنطقة التي لا يريد أن تتحول إلى “تيمور الشرقية” التي زارها سفيرا لبلاده في أندونيسيا، والشخص الذي تقول عليه “لوجورنال دو ديمانش” صانعا للإجماع حوله(11) لم يتمكن من شيء، وقالت الأمم المتحدة بـ”قدرات لادسو” على تدبير الأزمات(12) وبناء الإجماع (13).

   وفي حقيقة الأمر، قضية الصحراء جرحت “موقع لادسو”، وأحرجت نهاية مسيرته ويدفع الأمريكيون إلى مسحه من منصبه، رغم أنه “المؤهل لآخر محاولة”، لأنه كما يقول، باسكال أيرو،  في “لو بوان” الفرنسية، “إن فرنسا تقاتل من أجل الحفاظ على منصب المكلف بجيش العالم رغم فضيحتها في إفريقيا الوسطى”(14).

   والرباط لم تعط الفرصة لحليفتها باريس، والوضع مرتفع المخاطر بالنسبة لمستقبل الصحراء الذي رأت فرنسا أن تعارضه بالجملة دون إعادة التفاوض حوله مع واشنطن، ودون فتح أي نقاش حول من يعوض هيرفي لادسو، وهي محنة في علاقات باريس ولندن وواشنطن، وفي تقاطع حاسم مع مصالح المغرب.

هوامش

1_ «les états unis sapent les positions de la France aux états unis» by, celhia lavarene, sukissa.co.uk 18193.
2_ Entretien avec Hervé ladsous (26 oct. 2016).
3_ (the U.S seems to have advocated a quitter approach, and proposed a demarche by the council president to the both parties to convey the council’s concerns and urge a resolution to the situation).
4_ «la visita del genocida ladsous al sahara occidental mal asunto», por addamin mouloud said, «sahara opinions.blogspot.ch» ( 23/10/2016).
5_ Jef de las Misiones de Paz de la unu visitara el sahara occidental, (19 oct. 2016).
6_ Maliactu.net (20/5/2015).
7_ Algérie patriotique, le diplomate français :le Maroc a bet et bien volé le cessez – le feu (31/8/2016).
8_ UN peace keeping chief to visit disputed Western Sahara, fox news (18/Oct/2016).
9_ (while France and Senegal insisted that the work was civilian and not military) «S.C. Papers».
10_ Hervé Ladsous: «le maintien de la paix ne représente que 0.4 des budgets militaires dan le monde», (le monde 25/3/2015).
11_ Hervé Ladsous, le chef de l’armée de monde, françois clemenceau, «journal de dimanche» (9/5/2012).
12_ (he also brings actue political judgement, strong crisis management capacities) in secretary – general appoints Hervé Ladsous of France under secretary – general for peace keeping operations «united nations, 2/9/2011, S.g /a/1305- bio – 313 pko /289/2/9/2011».
13_( profound understanding of the challenges facing the united nation) (this capacity to build consensus is recognized by his peers all over the world).
14_ la succession a haut risque d’Hervé ladsous, le patron français des casque bleus, pascal airault, «l’opinion» (France) (16/5/2016).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!