في الأكشاك هذا الأسبوع
marrakech-bahia-palace-45

تاريخ | “كملات الباهية” بسقوط قصر الباهية.. نهاية قصير القامة الذي لا يبعث مظهره على الاطمئنان .. “با حماد”

إعداد: سعيد الريحاني

   صاحب القصر الفخم، كانت له 4 نساء و24 جارية، وقد فرض على المصممين تشييد هذه البناية الباذخة على امتداد طابق أرضي واحد، لكونه كان قصير القامة، ولا يقوى على صعود الأدراج، بوصفه الرجل القوي في زمن السلطان الحسن الأول، ثم كبير الوزراء والحاكم الفعلي في زمن السلطان عبد العزيز، فرض “أبو أحمد بن موسى” الملقب عند المغاربة بـ”باحماد”، تصميما خاصا لقصره الذي شيد على امتداد مئات الهكتارات، شيدت فوقها 5 بنايات، وحديقة لنسائه، وحديقة أخرى للجواري، كما أنه أعطى الأوامر كي تكون كل النوافذ مفتوحة على الحديقة الداخلية، بل لكل امرأة غرفتها المزينة بلون خاص على مساحة شاسعة حتى لا تفكرن في مغادرتها.. فالنقوش على الخشب والجبس منتشرة في كل مكان، ناهيك عن الزليج والأعمال اليدوية، كل ذلك كان كفيلا بأن تستمر عملية البناء طيلة 16 سنة.

   تماما كما يحدث في المسلسلات التركية العثمانية، لقد اختار باحماد، تسمية هذا القصر بقصر الباهية، وهو القصر المعروف اليوم في مراكش، تكريما وتشريفا وتعظيما لشأن زوجته الشابة “الباهية”، ورغم الغموض الذي يلف تاريخ ميلادها إلا أن جل المؤرخين يرجحون انتماءها لأصول رحمانية، يحكى أنها تمردت على باحماد رغم قوته وفرضت شروطها عليه، ومع مرور الوقت، سار يستشيرها في شؤون الدولة، بل يحكى أنها لعبت دورا كبيرا في تلطيف الأجواء بين المخزن وقبائل الرحامنة التي كانت دائمة التمرد في ذلك الوقت..

   ولأن الدوام لله، فقد عاشت “الباهية” مجدها مع باحماد، لكن عاشت أيضا لحظة تفتت “إمبراطورية زوجها” عندما أدركه الموت، فوجدت نفسها مطرودة من القصر، بقرار من السلطان المولى عبد العزيز، الذي بكى على وفاة صدره الأعظم، لكنه أمر بتتريكه(..)، في ذلك الوقت الذي تداول فيه المغاربة المثل القائل: “كملات الباهية” في إشارة إلى نكبة الباهية.

   يقول المؤرخ الإنجليزي، والتر هاريس، الذي كان شاهدا على عظمة قصر الباهية: “توفي باحماد عام 1900، وكنت في مراكش عندما كان يعاني من مرضه الأخير، وهو يتناول جرعات منتظمة من الأكسجين.. وأخيرا، انطلقت ذات صباح صيحات النساء معلنة خبر الوفاة المنتظرة، أما داخل القصر، فقد بدأت الشياطين بالتحرك، استولى العبيد على كل ما وجدته أيديهم من ممتلكات الحاجب، باحماد، ونشبت الصراعات بين النساء.. وتم تكسير الخزائن الحديدية وسرقة الوثائق وأصول الممتلكات التي كانت بداخلها، وتم الاستيلاء على الأحجار الكريمة من أماكنها، وتعرض البعض للقتل جراء هذه الحملة الشرسة، ولاحظ المشيعون دموع السلطان عبد العزيز الذي كان يبكي على رحيل الشخص الذي وضعه على العرش، ووقف إلى جانبه في الساعات الصعبة، وقبل أن تجف دموعه، كان أول قرار أصدره، هو ظهير مصادرة جميع أملاك الحاجب باحماد، ليتحول الأمر إلى نهب منظم، حيث صودرت البهائم وقطيع الماشية والأثاث والزرابي و.. و.. لتصبح في ملك السلطان.. أُجبر عبيد وزوجات باحماد على التخلي عن الممتلكات الخاصة بهم وتركوا منازلهم، فتشتتوا وعانوا من الجوع والفقر، واستولى السلطان على عبيده لخدمته في القصر وعرض آخرون للبيع، فيما انتقلت الأراضي الواسعة إلى ملكية الدولة ..” (ترجمة سعاد رودي، بتصرف).

   في سنة 1894، توفي السلطان الحسن الأول وهو في طريقه إلى فاس، وقتها دبر باحماد وكان حاجبا سلطانيا، طريقة لمبايعة الابن الأصغر للسلطان، ويتعلق الأمر بمولاي عبد العزيز، وتمكن بدهاء من إخفاء خبر وفاة السلطان، إلى أن جمع الهيأة المخزنية، المكونة من كبراء الأسرة الحاكمة والوزراء وقواد الجيش وأخبرهم بوفاة السلطان وترشيحه للسلطان الجديد وهو يبلغ من العمر 14 سنة فقط.

   تمت مبايعة السلطان الجديد في الرباط، لكن الصدر الأعظم وقتها، المعطي الجامعي، ووزير الحربية محمد الصغير الجامعي، كانا يريدان انتقال السلطان إلى فاس، غير أن باحماد كان قد أقنع السلطان الجديد بالانتقال إلى مكناس حيث يوجد “عبيد البخاري” الذين ينتمي إليهم، فيما انتقل الجامعي المعطي ومحمد الصغير إلى فاس، ليتم اعتقالهما هناك بتهمة التآمر على السلطان، وبذلك أصبحت الساحة فارغة أمام باحماد الذي أصبح يحكم المغرب فعليا، حيث جمع بين حزمه السياسي وضغطه الجبائي على القبائل التي عانت من الضرائب المكثفة للمخزن، فتشكلت وسط تلك الظروف ثروته الضخمة التي لم يكن لها نظير، لكن عنوان نفوذ باحماد كان هو قصر الباهية الذي تمت مصادرته من طرف السلطان المولى عبد العزيز، ثم استقر فيه فيما بعد المدني لكلاوي، الصدر الأعظم، وشقيق باشا مراكش، قبل أن يتحول في السنوات الأولى للحماية إلى مقر للماريشال اليوطي، ويسجل المؤرخون أن السلطان محمد الخامس أمر بتحويله إلى مقر للتعاون الوطني، لكن هذه الرغبة لم تتحقق إلى أن عهده الحسن الثاني لوزارة الثقافة.

   يقول فريدريك وايسجربر، “توفي الصدر الأعظم سي أحمد بن موسى في يوم 13 ماي 1900، فكانت وفاته إيذانا بنهاية المغرب القديم، لكن ميراث الحسن الأول كان لا يزال، حتى تلك اللحظة يكاد يكون كاملا لم يدخله النقصان، فقد كانت قبائل بلاد المخزن خاضعة مطيعة، فهي تؤدي ما عليها من ضرائب، وكانت قبائل بلاد السيبة تقتصر على الاقتتال فيما بينها دون أن تصل بعدوانها إلى البلاد المطيعة، وكان مولاي عبد العزيز في الثانية والعشرين من العمر، وقد ظل كل شأنه، إلى ذلك الحين يملك من دون أن يأخذ بشيء من زمام الحكم في بلاده، وإنه لحكم في غاية التعقيد.. وتوفي شقيقا الصدر الأعظم، سي سعيد العلاف وسي إدريس الحاجب، قبل وفاة شقيقهما، فقد توفي الأول قبله بثلاثة أشهر، وتوفي الثاني قبله ببضع أسابيع، وسرت الشائعات بأن الإخوة اغتيلوا بالسم، ولم تكن بالجمهور حاجة إلى إعمال التفكير كثيرا لمعرفة الجناة، إذ يكفيه أن يفكر أن القاعدة المأثورة، كما قتلت تقتل”.

   “وأيا يكن، فإن المخزن فقد رئيسه واثنين من أعضائه، وأما من بقي بعدهم من الوزراء، فإن لم يكونوا بالمؤهلين لخلافة باحماد، ذلك الرجل الفريد، ولا كانوا بالقادرين عليها، فما عاد للسلطان بد من أن ينفض عنه الخمول والكسل، ثم إذا صارت تظهر عليه بعض علائم نشاط لم يكن يتوقعها منه أحد، ومن قبيل ذلك، أنه عين في منصب الصدر الأعظم السابق، ومن بعد السي فضول غرنيط، الصدر الأعظم السابق لمولاي الحسن، وعين في وزارة الحربية سي المهدي المنبهي..) (عن كتاب على عتبة المغرب الحديث/ فريدريك وايسجربر/ ترجمة عبد الرحيم حزل).

   جل المؤرخين ينبهون إلى الذكاء الحاد لباحماد، كما يصفه البعض بكونه، “الرجل قصير القامة الذي لا يبعث مظهره على الاطمئنان”، ولكن نهايته، جعلت السلطان المولى عبد العزيز يستولي على ثروته الهائلة، كما هي عادة ذلك الزمان، “بدا السلطان وكأنه راغب في الاستئثار بميراثه المعنوي، بالقبض على زمام الحكم، لكن سرعان ما اتضح أن سي المهدي المنبهي قد خلف باحماد في إدارة شؤون البلاد وفي تأثيره على عقل السلطان الشاب، مع بقائه مستأثرا بمنصب العلاف، وأما مهمة الصدر الأعظم، فقد صارت تقتصر على إدارة الشؤون الداخلية.. لقد استبدل مولاي عبد العزيز وصيا بوصي، لكنه لم يحقق من التحرر إلا ما صار يلقي به بنفسه من ضروب التسلية واللهو العميقة، يبذر فيها مدخرات بيت المال، ومن ذلك، أنه أصبح راعيا لفن التلحين الراقص، وصار راعيا للفنون البهلوانية، وصار يقبل على إطلاق الشهب الاصطناعية، ويؤتى إليه من البلدان الأوروبية بالدراجات الهوائية والزوارق التي تشغل بالبنزين والسيارات وآلات البيان ومعدات الطبخ والحاكيات والحيوانات المتوحشة والأزياء العسكرية وآلات التصوير.. إن تلك الألوان من اللعب والتسليات، ومن جملتها التصوير الذي اطلع السلطان بفضله على ما كان يحدث خارج المغرب، قد جعلت تصوره للحضارة الأوروبية، تصور المسحور بها، وخلقت عنده رغبة التمكين لبلاده، أن تأخذ بحظها من تلك الحضارة.. لكن تجديدات السلطان قوبلت باستياء عام، ولم يلبث ذلك الاستياء أن تحول إلى سفور، وأخذ يقوض السلطة والهبة الشريفتين.. (نفس المصدر).

   لقد كانت نهاية باحماد إيذانا صريحا ببداية التمرد على السلطان، حيث ستسمح تلك الظروف بظهور رجل لا يقل شأنا من حيث القيمة التاريخية في التاريخ السياسي المغربي، ويتعلق الأمر ببوحمارة، أو “الروكي”، هذا الأخير كان قد تمرد على السلطان، وقد كان يقوم بمهمة سكرتير مولاي عمر، شقيق السلطان المولى عبد العزيز، في القصر السلطاني بمراكش، وقد استغل مهمته ليدخل في مغامرات غير محسوبة العواقب، بل إنه قام بتزوير الأختام الشريفة، وصار يوقع الوثائق بغرض تحصيل الأموال، وكان ذلك سببا في دخوله إلى السجن رفقة أحد خدام القصر واسمه المنبهي، هذا الأخير سيتحول إلى ملهم لثورة بوحمارة بعد تعيينه وزيرا للحربية، فإذا كان المنبهي الذي يقل كثيرا عن بوحمارة علما وثقافة وفقها وذكاء قد أصبح وزيرا، فمن حق بوحمارة أن يصبح سلطانا، هكذا تحدث بوحمارة قبل أن ينطلق في ثورته على المولى عبد العزيز.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!