في الأكشاك هذا الأسبوع
%d8%a7%d8%ae%d9%86%d9%88%d8%b4

ملف الأسبوع | عزيز أخنوش.. نهاية “الجوكير”؟

إعداد: عبد الحميد العوني

   تقول مصادر خاصة، أن آخر تقرير قرأه العاهل المغربي قبل الشروع في جولته الإفريقية نحو رواندا، وتنتهي بإثيوبيا مقر الاتحاد الإفريقي، أكد على نجاح الإصلاح الإداري “في آخر السلالم مع حكومة لا يسيطر عليها الخواص الكبار أو قادة البيزنس والإدارة”، وعاشت الولاية الأولى لبن كيران بين إمبراطوريتين ماليتين ضخمتين: “أكوا” و”ساهام” يقودهما على التوالي: وزير الفلاحة أخنوش، والصناعة حفيظ العلمي، تحت لواء التجمع الوطني للأحرار، قائد وزارة المالية والتجارة الخارجية والأقسام الاقتصادية في السفارات المغربية عبر العالم، والانتقال من ليبرالية “مالية” إلى ليبرالية اجتماعية، جزء من مشروع التفاهم داخل أروقة النظام، ويقضي هذا التحول بنقل الإصلاحات من الميزانية العامة واحتمال إلحاق ميزانية القصر والقوات المسلحة بإجراءات التقشف التي قادها حزب العدالة والتنمية (وهو ما لم يحدث في مشروع مالية 2017، حيث زادت ميزانية القصر بنصف نقطة، ونقصت ميزانية رئيس الحكومة بـ 19 في المائة)  إلى ورش قابل للتدبير متمثل في “الإصلاح الإداري” بهدف الرفع من معدلات “الجودة في الخدمة” وخفض مستوى البيروقراطية، وتعهد العاهل المغربي أمام البرلمان المنتخب بعدم التدخل في قضايا المواطنين، إن تحسنت الإدارة في تقديم وتجويد خدماتها في تطور آخر على مسار الإصلاحات.

 الدولة تساعد بن كيران على تشكيل حكومته وتهيئ نفسها للخطة “ب” في حال الفشل

   رافقت الملك، في طائرته، قيادة التجمع الوطني للأحرار، مزوار الذي قدم استقالته لحزبه بعد النتائج البرلمانية للسابع من أكتوبر والمرشح لخلافة (أخنوش)، المستقيل بدوره سنة 2012، ولم يرافق أي وزير من حزب العدالة والتنمية وفد الملك، من أجل إنجاز مهمتهم الأولى: تشكيل الحكومة، وإذا فشلوا، ستكون الخطة “ب” التي لا يريدها أحد هي البديل، ولم يرغب الملك في إثارة موضوع “تشكيل الحكومة” في طائرته، مركزا على أجندته الاستراتيجية في إفريقيا، وترك هذه المهمة للتجمع الوطني للأحرار (الوزير بيرو)، فيما يواجه التجمعيون مصيرهم لتجاوز المملكة ما يسمى “شرعيات القرن الماضي”، كما في مقال المصالحة الذي كتبه إلياس العماري عشية مفاوضات الأحرار لدخول حكومة بن كيران.

   وينافس القطب الديمقراطي الوطني المكون من حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي، كما وصفه إدريس لشكر، حزب الأحرار من أجل إنجاح سيناريو “الكتلة التاريخية” بين أحزاب الكتلة والإسلاميين (حزب العدالة والتنمية)، وهي فرصة لتجاوز القطبية المزيفة بين حزب الأصالة والمعاصرة وحزب العدالة والتنمية، وأيضا لتجاوز التراجع الكاسح للأحزاب التقليدية.

   وعزلت الخارطة إلياس العماري عن اليسار، فقلب زعيم الأصالة والمعاصرة الطاولة بدعوته للمصالحة، وكلما تقدمت مفاوضات الاتحاد الاشتراكي لدخول الحكومة، هدد إلياس العماري برفع مذكرة للملك من أجل تعديل الدستور، وهي الورقة المعتمدة لدى أحزاب الكتلة من تسعينيات القرن الماضي.

   وقد ينقسم الوضع السياسي بين كتلة تاريخية وأخرى إدارية في الحقل السياسي، فينتهي التطور الأخير بعزل اليساريين الجدد، الملتحقين أخيرا بحزب الأصالة، وينتصر الأعيان، وهي معركة طاحنة لن يفوز فيها اليساريون الجدد المتحالفون مع الدولة في معركتهم ضد التطرف الإسلامي، ولن يصلوا إلى مربع القرار الشعبي عبر دوائر الحكومة، كما يخططون لتغيير جزء من المعادلة من داخل تنزيل “مغاير” لدستور 2011.

   وحدثت معركة خطيرة عزلت “أخنوش” في البداية من طرف قائد الأصالة والمعاصرة، بدعم من رأسمال الشركات الجديدة، في مقابل الرأسمال التقليدي الذي لقح نفسه بأساليب تدبير غير تقليدية تتقدمها “أكوا” والشركات الفلاحية المستفيدة من صفقات “المغرب الأخضر”، ولم يرغب أخنوش في فتح أي تحقيق في هذه الصفقات التي أثارت جزءا من الفاعلين الاقتصاديين.

   وقرر أخنوش في النهاية، مغادرة الساحة السياسية في الصيف الماضي كما نقل عنه موقع “360”(1)، حفاظا على وضعه الوزاري إن نجح حزب الأصالة والمعاصرة أو حزب العدالة والتنمية، قصد مواصلة سياساته وصفقاته في قطاع الفلاحة، لكن لقاءه مع فيل هوغان، المفوض الأوروبي للزراعة والتنمية الريفية، وكارمينو فيلا، مفوض البيئة والشؤون البحرية في الثامن من شتنبر الماضي أكد على صعوبات في الاتفاق بين المغرب والاتحاد الأوروبي ورغبة الأوروبيين في فتح تحقيق بخصوص صفقات محددة في مشروع “المغرب الأخضر”، ولم يساعد وزير الخارجية، مزوار، السيد أخنوش في هذه النقطة تحديدا، ولم يباشر اتصالات داعمة له مع بروكسيل في هذا الملف.

   والخلاف الأخير بين مزوار وإلياس العماري، هو خلاف في علاقة الطرفين مع أخنوش، وأضعف أخنوش بمغادرته لما سماه “السياسة في الصيف” حزب الأحرار وخدم حزب الأصالة، لكن إلياس العماري رفض ترشيح أخنوش على قوائمه، ودعم (الأحرار) في آخر الحملة لإنقاذ موقع أخنوش وعدم عزله، وتقدم الأخير لرئاسة التجمع الوطني للأحرار، كما قالت “لوماتان” الشبه رسمية في 13 من أكتوبر 2016 (2).

   وأوضحت صحف أخرى، أن الاستقالة التي قدمها أخنوش لحزب التجمع في نهاية 2011، لم يبت فيها المكتب السياسي مطلقا، وتبقى الاستقالة في هذه الحالة معلقة منذ أربع سنوات، وهي وضعية مجمدة إلى الآن بإجماع  المصادر.

أخنوش لم يعلن انتماءه لحزب إلياس العماري كي لا يربط حزب العدالة والتنمية بين البوادي وصندوق التنمية القروية وبين أصوات حزب الأصالة والمعاصرة

   لم يكن أمام عزيز أخنوش سوى “الصمت الإيجابي” داعما حزبي الأحرار والأصالة، دون أن يفتح حزب العدالة والتنمية المعركة ضده، فلا يمكن لبن كيران من جهة أولى، أن يفتح الحرب على عالي الهمة، بعد بيان القصر ضد حليفه نبيل بنعبد الله، وضد الوزير الأقوى، بتعبير “جون أفريك”، عزيز أخنوش الذي لعب على نفس الحياد الذي قال به مستشار الملك، ومن جهة ثانية، وكي لا يربط حزب العدالة والتنمية بين البوادي وصندوق التنمية وبين أصوات حزب الأصالة والمعاصرة، فضل أخنوش المواراة والانكماش قبل الخروج لقيادة الأحرار والتفاوض على استمرار الحزب في حكومة العدالة والتنمية، إن وضع مزوار لكل بيضه في سلة الأصالة والمعاصرة، وهو ما رفضه إلياس العماري نفسه، وأوقف لفترة اتصالاته في الحملة مع مزوار قبل أن يقدم عليه المنصوري، وانتقل الأحرار بعدها لترشيح أخنوش، لأنهم لا يرغبون في الدخول في مواجهة مع الجنرال بنسليمان، بتقديم المنصوري، القريب من قائد الحرس الملكي.

أخنوش في برقيات استخبارية: صداقة كبيرة مع ياسر الزناكي، وتسهيل لمجموعات اقتصادية تتقدمها مجموعة “أزورا” لرجل الأعمال محمد التازي في جهة الداخلة، وأثارت تحقيقات دولية، منها ثلاثة للاتحاد الأوروبي هذه الصلات بسبب قضية الصحراء، وتحمل البرقية “1006” في موقع “أفريكا أنتلجنس” ما دعته: “اللعبة الكبرى للإيقاعات الموسيقية بين القطاع العام والخاص عند أخنوش”، وكيف تدخل لإنقاذ “المجمعات التجارية أو مولات زوجته”، وتحالفات ربطت بينه وبين امحند العنصر، وبين الحركة الشعبية وحزب الأحرار، انطلاقا من الفاعل الدولي “كا. بي. م. جي” الذي استأثر بالاستشارات في جهة مكناس فاس

  تقول البرقية “1211” في “أفريكا أنتلجنس” المنشورة في 21 يوليوز الماضي، “إن عزيز أخنوش تدخل لإنقاذ المولات أو المجمعات التسويقية لزوجته المعروفة بموروكو مول بعد عام فلاحي جاف، وتراجع للسمعة العربية والخليجية لصاحب شركة أفريقيا بعد اندلاع أزمة لاسامير”.

   ورغم تدخل صديقه المقرب للغاية ياسر الزناكي، صاحب العلاقات المتشعبة مع دول مجلس التعاون الخليجي، وهو مستشار الملك، فإن “الأمور لم تأخذ بعد طريقها”، واضطر أخنوش لأن يفكر في توجيه استثماراته إلى القارة الإفريقية، وعلى العموم، كان المناخ السياسي السلبي مع رئيس الحكومة في قضية “صندوق التنمية القروية” والمناخ الجاف، مساهمان في تراجع شعبية أخنوش التي سخر لها مجموعته الإعلامية، وصداقاته التي سمحت له بركوب طائرة الملك إلى جانب صديقه ياسر الزناكي.

   وواجه الجميع، إلى جانب أخنوش، الاتحاد الأوروبي في قضية مصائر الاستثمارات في الصحراء، بعد مطالبة الأوروبيين بمعرفة تفاصيل بعض  صفقات “المغرب الأخضر”، ومشاريع في الصحراء، وخلقت مجموعة “أزورا” لمحمد التازي الجدل في جهة الداخلة، ودققت البرقية رقم “1217” لـ 29 شتنبر الماضي في كل المخطط وارتباطه بحزب الأصالة والمعاصرة، ونجح المستشار الملكي، ياسر الزناكي في كسر الحاجز الخليجي، لكن أزمة “لاسامير” بقيت مؤثرة، لأن علاقة أخنوش بأزمة “لاسامير” من داخل الحكومة وخارجها، بقيت مطروحة لكونه ثاني فاعل بترولي بعد الشركة السعودية، وتابع الغرب التفاصيل لتصل البرقية “1006” إلى خلاصة مفادها “أن لعبة كبرى للإيقاعات الموسيقية بين القطاع الخاص والعام عند أخنوش”.

   وفي معلومات دقيقة نشرتها البرقية “1210” في الرابع من يوليوز الماضي، تظهر بوضوح تفاصيل المشهد المغربي، كما لا يرد في صحف المملكة، وتبقى العلاقة بين أخنوش وامحند لعنصر، رئيس جهة فاس مكناس والأمين العام لحزب الحركة الشعبية، قوية، وزادتها قوة عدة قرارات، أولها دعم أخنوش لمحند لعنصر وزيرا للداخلية، بعد الحراك المغربي 20 فبراير 2011، وإلى تسليم الفاعل الدولي الـ”كا. بي. إم. جي” الدراسات والاستشارات في جهة فاس مكناس.

 أخنوش دافع بشراسة عن وزير الداخلية “حصاد” طيلة خلافه حول تدبير الانتخابات مع حزب العدالة والتنمية، والجملة الشهيرة التي أكد فيها الوزير أن “حزب بن كيران يشكك في خيار الأمة وعلى رأسها الملك …” جاءت من نفس الجهة، وإذا دخل أخنوش الحكومة احتمى به حصاد، وكان استوزاره “عقدة” التفاهم بين الأحرار وبن كيران

   جاءت البرقية رقم “1214” ليوم الثامن من شتنبر الماضي ـ قرأها 50 جهازا استخباريا في إفريقيا ـ محللة ما يحدث في المغرب، لقولها أن أخنوش دافع عن وزير الداخلية طيلة خلافه، حول تدبير الانتخابات مع حزب العدالة والتنمية، وجاءت الجملة الشهيرة ليلة إعلان النتائج من نفس الجهة، واتهم وزير الداخلية حزب رئيس الحكومة (العدالة والتنمية) بالتشكيك في خيار الأمة وعلى رأسها الملك في اعتماد نزاهة الانتخابات خيارا لا رجعة فيه.

   ويحاول أخنوش أن يكون، محمد حصاد في الحكومة القادمة وزيرا للداخلية، ويشكل عنصرا رئيسيا في صفقة التحاق الأحرار بالولاية الثانية لبن كيران.

   ونتيجة الضغوط الممارسة على حزب العدالة والتنمية، فضل النظام تخفيفها عن بن كيران، فاصطحب الملك أخنوش في الوفد الرسمي للمملكة الذي زار شرق إفريقيا، وتزامنت مغادرة أخنوش في هذه الجولة ورسالة المصالحة لإلياس العماري دعما، ولو صوريا، لتشكيل حكومة مكونة من أحزاب الكتلة والإسلاميين يباركها عبد الرحمن اليوسفي، بهدف إحياء أو إنعاش القطب الوطني الديمقراطي (حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي)، كي يتجاوز خسارته أمام ما دعاه لشكر “القطبية المصطنعة” (الأصالة والمعاصرة والعدالة والتنمية)، وكان الاتحاد عرابا لجر الاستقلال في حال فوز الأصالة، وحاول الاستقلاليون جر الاتحاديين بعد فوز العدالة والتنمية.

   وتبدو عقدة وزير الداخلية،حصاد، في التشكيل الحكومي خطيرة إلى حد بعيد، من واقع أن أخنوش يدعو إلى عدم حكم بن كيران دون الأحرار، وحصاد من الحزب، أو لا قبول بأي تشكيلة إن لم يكن وزير الداخلية الحالي فيها.

  ولا يجد أخنوش مانعا من استخدام “المعايير المزدوجة” في تعامله مع من حوله، بدءا من رفض مجموعته “أكوا” توظيف المحجبات وهو يعمل من داخل حكومة يرأسها إسلامي (بن كيران)، أو نشر الصحف لرئاسته لوفد مغربي إلى المؤتمر الدولي للماسونية بأثينا عام 2008، واستقالته من حزب الأحرار من أجل توزيره في حكومة يرأسها الإسلاميون قبل أن يلتحق حزبه به، مباشرة بعد خروج حزب الاستقلاليين من الحكومة، وانتقد الأحرار رئيس الحكومة في المجالس الوزارية ومجالس تصريف أعمال الحكومة الحالية.

رجل الأعمال الذي تناوب دوره في الدولة مع حزب الأصالة والمعاصرة منذ 2007، وبدأ توزيع الأدوار بين أخنوش وعالي الهمة منذ خلق حزب الأصالة والمعاصرة، حين أصبح أخنوش وزيرا للفلاحة، وتقدم أول مرة لرئاسة جهة سوس ماسة منذ 2003، سنة تفجيرات الدار البيضاء، ليتحرك العامل الأمازيغي في مواجهة الإسلاميين قبل أن يتحول إلى إلياس العماري ومنطقة الريف في توازن مدروس انتهى بأن يكون حزب الأحرار كابحا من داخل حكومة بن كيران

   قدم أخنوش استقالته من الأحرار عبر جريدة اقتصادية “لا في إيكو” في الأول من يناير 2012(3)، قبل أن يلتحق حزبه بكل المناصب الاقتصادية في الحكومة، بخروج حزب الاستقلال، الناطق باسم البورجوازية المغربية التقليدية، وتتقدم البورجوازية “الأكثر تطرفا”.

   ومنذ 2007، قام توزيع للأدوار بين أخنوش ومشروع الأصالة في  إقرار توازنات الدولة، ولا يزال إلى الآن، لكن أخنوش في حقيقة الأمر، قطع الطريق عمليا على وصول حزب الأصالة والمعاصرة إلى رئاسة الحكومة، كما منع نفسه منها، وإن ضمن تواجده وتأثيره القوي في حكومة ما بعد 2011.

مزوار وأخنوش في رحلة ملكية واحدة، نحو رواندا وانتهاء بإثيوبيا، تؤسس لتفكير دولة في كل دور مستقبلي للتجمع الوطني للأحرار

   ابتعدت رحلة الملك الإفريقية عن التجاذبات الداخلية بين الأحزاب عندما  قرر العاهل المغربي السفر مع وزراء لا يمتنعون عن الخوض في الدبلوماسية ـ الاقتصادية ـ عكس ما حدده بن كيران لحزبه العدالة والتنمية، وسافر في هذه الرحلة، القائدان المستقيلان من التجمع الوطني للأحرار، صلاح الدين مزوار بعد الانتخابات البرلمانية، والوزير أخنوش منذ نهاية 2011، ويعيش الحزب مشكلة يسهل معها إقرار إعادة هيكلة سريعة للعمل داخل الساحة السياسية، في لعبة تنتقل من المستشار “القوي للملك” عالي الهمة، إلى أخنوش “الوزير القوي” للملك بتعبير “جون أفريك”(4).

   والتوازن الذي حققه أخنوش ليس عدديا أو رقميا في الحكومات، بل استراتيجيا، عندما احتكر بشكل كامل كل السياسة المالية والدبلوماسية الاقتصادية إلى نهاية عهد بن كيران، وأيضا عندما تحدث باسم “البورجوازية السوسية” والأمازيغية على العموم، وقادت هذه البورجوازية مرحلة بن كيران بعدما احتكر الفاسيون الحكومة التي قبله.

   وحدثت خسارة الريفيين رغم رئاستهم للأصالة والمعاصرة أمام السوسيين في إعادة التموضع الذي حدث بعد انتخابات السابع من أكتوبر، ولتوازن أمازيغي (سوسي ـ ريفي)، جاءت دعوة إلياس العماري للمصالحة التاريخية بين كل الأحزاب بما فيها حزب العدالة والتنمية، فيما يمكن أن يشكل تحالف الأحرار والأصالة تحالفا أمازيغيا ضد أي توجه محافظ يقوده إسلاميو بن كيران والاستقلاليون العروبيون، رغم أن هذا التخوف غير قائم بقوة في أوساط الدولة.

   وكما تقول “جون أفريك”، “هناك الكثير من البرابرة، صنعوا ثرواتهم في ظل العرش كأيت منا، وبا عقيل، وأمهال، وأغوزال، تتقدمهم عائلة أخنوش الذي رأس جهة سوس في 2003 باسم الحركة الشعبية، في بداية حياته السياسية، ولم تستطع الحركة، مؤخرا أن تقرر مشاركتها في الحكومة إلا بعد مؤتمر التجمع الوطني للأحرار، لأن توحيد الحركة الأمازيغية تحت لواء أخنوش، خطوة يؤكدها امحند لعنصر في كل لحظة”.

   وأخطأ إلياس العماري عندما لم يكن له تأثير على الأطلس وسوس، وسرقته البورجوازية الجديدة لتمثيلها في المؤسسات المنتخبة.

  والواقع أن أخنوش ليس “قصة نجاح سوسية”، كما تقول أسبوعية “تيل كيل”(5)، صنعها الابن عن الأب، بل قصة من الطبقة العليا المغربية حسب الموقع الإنجليزي المعروف “ساكسيس ستوري”، مؤكدا أن “نجاح عزيز أخنوش كان من تعليمات ملكه محمد السادس”(6).

   ويكاد المراقبون يتفقون على سهولة تصريف القرار الملكي دون الحاجة إلى حزب الأصالة والمعاصرة أو إلياس العماري، مع رغبة بن كيران في ذلك، عبر قناة أخنوش الذي جمع وخلق الفريق البرلماني الثالث ضاما منتخبي الاتحاد الدستوري إليه، بعيدا عن المواجهة مع الجهات المحافظة في الدولة، وعلى رأسها الجنرال، بنسليمان الذي رفض تقنين الحشيش عند الليبراليين الجدد من مكونات اليسار الجديد، وهم يطالبون بإنفاذ توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة بخصوص “الحكامة الأمنية” لمواجهة آخر جنرالات الحسن الثاني وتكريس الرقابة البرلمانية على الأجهزة الأمنية تحت ما دعاه إلياس العماري بـ”دمقرطة” الدرك الملكي.

   ولا يرغب أخنوش في مواجهة “المحافظين الأمنيين” في عراكه الشديد مع المحافظين الاقتصاديين، فاتحا المملكة على ليبرالية وصفها البعض بالمتطرفة أو الحادة، مغطيا على استراتيجيته باستغنائه على أجرته، وبدفع أجور موظفي ديوانه من ماله الخاص بما يصل إلى 120 في المائة.

   يقول عبد المجيد التدلاوي، صديق الطفولة، “إن أخنوش يدير وزارة الفلاحة كشركة خاصة”(7)، في رواية تحاول كسائر الروايات التي حكاها التدلاوي عن رجال أمن وأعمال لصحف عالمية، أن تسوق لاسم أخنوش قائلا: “إنه مر بعيدا عن كليشيهات البورجوازية المغربية، وقد ولد في تفراوت وكبر في عين السبع ونال الباكالوريا من ثانوية الإمام مالك في لفيدير، بعيدا عن المدارس البورجوازية للمملكة، وسائقه يضعه 400 متر على المدرسة “كي لا يثير أبدا وضعه الاجتماعي”.

   وبعد عودته من كندا، انقلب الوضع إلى رؤية أخرى، يعيشها الجميع حاليا، وتؤكد على بروباغاندا قوية من خلال صحف ووسائل إعلام يمولها، وأكدت قبل غيرها عن وجود “ترسانة” قانونية، وعلى صعيد البرامج لأخنوش رئيسا للحزب قبل المؤتمر الاستثنائي.

   وترك التجمعيون، الذين التقوا في 11 أكتوبر بإقامة أخنوش بالدار البيضاء(8) بالوزير أنيس بيرو، أمر المشاورات مع بن كيران، وطالب متابعون بتحويل وزارة بيرو للمهاجرين إلى وكالة لمغاربة الخارج، ويستهدف التجمع الوطني للأحرار إهدار زمن رئيس الحكومة من خلال ما دعاه بن كيران نفسه بالابتزاز، ممن يعتقدون أن الحكومة لن تشكل إلا إذا استوزروا، والواقع أن ما يجري عكس دعاية مختلف المنابر التي تتبع مجموعة الوزير الإعلامية والمسماة “كراكتير”.

أخنوش الذي أدار منذ 2007 مقدرات نصف المغاربة (45 في المائة من المغاربة في العالم القروي، وحوالي 20 في المائة من الناتج الداخلي الخام)، لم ينجح طيلة عقد من الزمن في الوصول إلى الأهداف المرجوة في القطاع العام، وعلى صعيد شركته القابضة “أكوا” التي تدير 60 شركة، لا تزال الشركتان الموروثتان عن الأب “أفريقيا غاز ومغرب أوكسجين” وحيدتان في البورصة مما يطرح سؤال التدبير على المستوى الخاص والعام

   تقول الصفحة “219” من تقرير “مجموعة أوكسفورد للأعمال”(9)، “إن أخنوش ربط المغرب الأخضر بشركات الصناعة الغذائية وأضعف المياه الجوفية، وقتل  الأمن المائي، وخصص مؤخرا 50 مليار درهم لإعادة تدبير المياه”، وأعلنت “مجموعة البحث” الإنجليزية المعروفة عن صعوبات في التدبير الذي قاده أخنوش بعد سنتين من انطلاقه.

   وعلى الصعيد الخاص، لا تزال الشركتان الموروثتان عن الأب وحيدتان في البورصة، وكل الشركات الثمانية والخمسين المؤسسة في عهد الابن بعيدة عن السوق المالي، ولا يشكل تجاوز، أخنوش، وزيرا للفلاحة، أي تخوف في كل أوساط المال والأعمال، لأنه ورقة متجاوزة على مستوى التدبير، ويمكن للولاية الثانية لبن كيران “أن تكون متميزة بحضور تدبير جديد على صعيد قطاع الفلاحة” واستعادة رئاسة الحكومة لصندوق التنمية القروية في صدمة واسعة يمكن توقعها على الصعيد الحزبي.

حاصرت إمبراطوريتان ماليتان الولاية الأولى لبن كيران، وقد تكونان بتعبير رئيس الحكومة، التمساحان اللذان أدارا القرار الاقتصادي، فوقوع حكومة، بين الثروة الثامنة عشر في إفريقيا ويديرها أخنوش، والثروة الإفريقية الرابعة والثلاثين ويقودها وزير الصناعة العلمي، مصيدة لتمرير كل القرارات التي وصفت المغرب بالليبرالية المتوحشة

  في قبضة خطيرة مارسها التجمعيون الليبراليون على الاقتصاد، استولى التجمع  الوطني للأحرار على وزارتي الفلاحة والصناعة والتجارة الخارجية، وعلى الملحقين الاقتصاديين للسفارات من خلال وزارة الخارجية التي رأسها مزوار، ولم يعد أي شيء اقتصادي يتحرك بدون إذن الحزب في أكبر هيمنة لحزب على القرار الاقتصادي منذ الاستقلال وإلى اليوم، ولا يمكن إعادة إنتاج هذه الهيمنة مجددا من داخل حكومة بن كيران، لأن تحرير الحكومة من قبضة رجلي النفط والتأمين في المغرب (أخنوش) و(حفيظ العلمي) واجب، كي لا يكون الجهاز التنفيذي منفذا ماليا لأكبر إمبراطوريتين تتجاوزا وصف التمساحين الاقتصاديين.

   ولا يمكن لعمل اجتماعي للدولة أن يصمد أمام مصالح “أكوا” و”ساهام”، وكادت الأمور أن تخرج عن السيطرة مرات طيلة حكم التجمع الوطني للأحرار لكل اقتصاد المملكة.

   إن رجل النفط، أخنوش، لم يكن لينقذ شركاته في ظل في تراجع برميل النفط لولا أزمة “لاسامير” التي أديرت من قلب الصرح الحكومي، ومن يهيمنون بشكل شبه كامل على القرار الاقتصادي في الجهاز التنفيذي، ورغم سعي أخنوش للتغطية على مصدر ثروته، بتنويع نشاطه، إلا أن الأرباح لا تأتي إلا من هذا الجانب، فيما استفاد العلمي أيضا من حركته كوزير في تسهيل خارطته الاستثمارية.

   وخدم استثمار الرجلين في الإعلام أهدافهما وتغطيتهما على عملهما الاقتصادي، فأخنوش استثمر في الإعلام وهو في الحكومة، ومن وزارة الفلاحة أعطى وجها إيكولوجيا وإنسانيا لمصدر قوي  للتلوث: “الموارد الكيميائية للنفط”.

   وتستقبل مراكش قمة الـ”كوب 22″ الأممية للمناخ دون إثارة محلية لدور شركات النفط في تلويث البيئة، وإجراءات منعها وتغيير سلوكها في هذا المجال.

   من جهة ثانية، عمل الوزير العلمي على إدارة التكتيل والتكثيف “الائتماني”، وصنع لوبيا إفريقيا انطلاقا من موقعه الحكومي.

   ولم يسع مجلة “فوربس” سوى التأكيد على المصدر النفطي لثروة أخنوش رغم ما يسمى “تنويع مصادر ثروته” وهي تقدمه رجلا ثانيا على صعيد الثروات الوطنية بعد عثمان بن جلون القريب من وزير الفلاحة، لأن أخنوش مدير في البنك المغربي للتجارة الخارجية، وهذه العلاقة البنكية قربت دائما بين مخططات التجاري وفا بنك، الذراع المالي للهولدينغ الملكي، وبين البنك المغربي للتجارة الخارجية على صعيد الاستثمارات، خصوصا في إفريقيا جنوب الصحراء.

   وبلغ التشكيك في مصالح المملكة ذروته بعد 2011، فسيطر التجمع الوطني للأحرار سيطرة كاملة على القرار الاقتصادي، وسبب هذا الحادث في نخر حكومة بن كيران وتحريفها لخدمة “أهداف كاملة” ليست شعبية بكل المقاييس، فانسحقت الطبقة الوسطى، واليوم يحتاج القرار الاقتصادي لإعادة الاستثمار في القدرة الشرائية لهذه الفئة وإلا أصبحت الأمور مدعاة للفشل.

   وتراجعت أرباح المجمعات التجارية بطريقة لافتة هددت بإفلاس بعضها، فاستدعى الوضع تدخلا ماليا الإنقاذ الشركات المتوسطة والصغيرة، أداة الطبقة الوسطى في إنتاج الثروة، ويدفع المتدخلون بن كيران إلى إصلاح إداري متوسط المدى يستهلك ولايته الثانية دون وصوله إلى القرار الاقتصادي للمملكة، ولا تهتم مراكز القرار أبدا بالواجهات السياسية إن أدارت الاقتصاد، وهو ما حدث طيلة الولاية الحكومية عقب حراك 20 فبراير 2011.

ثروة أخنوش إلى حدود 19 أكتوبر 2016، وصلت مليارا و81 مليون دولار، وزادت بـ 400 مليون دولار رغم انخفاض البترول، وتكفل الذراع الإعلامي لوزير الفلاحة، المتمثل في مجموعة “كراكتير” بمختلف إصداراتها، بتسويق معركة “لاسامير” على أنها معركة وطن، فيما تذهب التفاصيل بعيدة في تقييم جديد بدأ منذ الضوء الأخضر الذي تلقاه أخنوش لأول مرة في إرساء علاقات دولية لجهة سوس ماسة قبل دستور 2011، دون أن يثير ما أثاره إلياس العماري في جهة طنجة رغم دسترة الجهوية

   حددت “فوربس” أرباح أخنوش في 400 مليون دولار، رغم تراجع كل الفاعلين النفطيين في العالم لاستثماره من داخل الحكومة لأزمة شركة “لاسامير” ولصالح شركته القابضة “أكوا”، وهذه القفزة المالية غطتها إعلاميا مجموعة “كراكتير” بذكاء إعلامي سبب في إحراج عمل الجميع، لأنها حادثة صورت على أساس أنها “معركة وطنية” قبل معالجة الأمر بتدخل ملكي.

   واليوم، اقترح الجميع قيادة أخنوش للتجمع الوطني للأحرار من أجل مواصلة العمل من داخل الحكومة، أو استثمار أوضاع سياسية في إطار تحالف ليبرالي إلى جانب الاتحاد الدستوري في إطار تحالف استراتيجي للمعارضة.

   ويبدو أن أخنوش يذهب بعيدا، فيما يود بن كيران تجاوز ما دعاه الابتزاز، وفي رد حزب الأصالة والمعاصرة، قال عبد اللطيف وهبي، “إن معارضة حزبه ستكون نقدا موضوعيا ولا يريد الحزب أن ينجر إلى معترك بن كيران” فيما لا يريد رئيس الحكومة أن يكون تحت مربع أخنوش والتجمع الوطني للأحرار، فهندسة المواقع الجديدة تذهب بعيدا في “تأمين القرار الاقتصادي” الذي احتكره الليبراليون دون تركه لليبراليين الاجتماعيين الذين يقودهم إلياس العماري، وتعيش ليبرالية الدولة صعوبات بين التقليديين يمثلهم الإسلاميون وأحزاب الكتلة، وبين الليبراليين الحاملين للتوحش “التاتشيري” منذ عهد الملك الراحل، ويمثلهم التجمع الوطني للأحرار، والليبراليين الجدد أو الاجتماعيين، يتقدمهم حزب الأصالة والمعاصرة.

   ولا يمكن في نظر إلياس العماري، في رسالة مصالحته، سوى القطيعة مع أفكار وشرعيات القرن الماضي نحو تصميم جديد أفرزه استحقاق السابع من أكتوبر، ويدفن بالأساس “التوحش الليبرالي” الذي أداره التجمع الوطني للأحرار في كل الحكومات التي شارك فيها في زمن الحسن الثاني والعاهل الحالي.

   ويحاول تحالف الاستقلاليين وحزب العدالة والتنمية في الحكومة القادمة، بناء نهج ليبرالي معتدل تتقدمه الليبرالية التقليدية لحزب الميزان، والليبراليين المحافظين في صفوف الإسلاميين، ونخبة البورجوازية الصغيرة في الاتحاد الاشتراكي، وهو ما يقطع مع النهج الاقتصادي للتجمع الوطني للأحرار، و”جوكيره” عزيز أخنوش.

هوامش

1_ AKHANNOUCH: « je quitte la scène politique cet été», Mohammed Younsi, le 360.ma (2/5/2016).
2_ AZIZ AKHANNOUCH présenté nouveau président du rassemblement national des indépendants, «le matin» (13 oct. 2016).
3_ AZIZ AKHANNOUCH quitte le «RIN», «la vie éco», (1 janvier 2012).
4_ Maroc: AZIZ AKHANNOUCH en route pour succéder a Salah Eddine MEZOUAR à la tète du RNI, «jeune Afrique» (13/oct/2016).
5_ parcours: les succès stories du Sous, «tel quel» (30/9/2011).
6_ (as per the orders of his majesty king Mohammed 6, Aziz AKHANNOUCH serves as the minister of agriculture and maritime fisting. success story (5, 12 Oct 2016).
7_ AZIZ AKHANNOUCH, le milliardaire Marocain multi tache, by servant Ahougaon, Acce Africa (5, 15/Oct/2016).
8_ AZIZ AKHANNOUCH, prochain président du RNT?
Huff post Maroc, par Reda Zaireg (5,15/10/2016).
9_ the report 2009, «oxford business group», p:219.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!