في الأكشاك هذا الأسبوع
election_dechets_aicpress

الانتخابات.. والبعد الإقصائي لدى أشباه السياسيين

ياسين اعميرة. الأسبوع

   بعد طول التمعن والنظر في القاعدة المعمول بها بوعي أو بدونه “أن تكون معي وإلا فأنت عدوي”، اخترت أن أدون بعض الخواطر التي تخالجني منذ برهة من الزمن، احتفظت بها لنفسي وحان وقت تقاسمها حبا في بلدي وغيرة على أمتي.

   حقيقة هذه القاعدة الخطيرة والتي باتت تنتشر بين بعض شرائح المجتمع، تزامنا مع كل حدث عام أكان سياسيا، أم رياضيا، أم فكريا، هي كونها كانت مبدأ عسكريا متعاملا به منذ القدم، ثم وصلت تجلياته في الوقت المعاصر على شكل الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي (رغم أن هذه القطبية قد اختفت).

   وإذا ما عدنا إلى زماننا الحاضر، ونظر الواحد منا مثلا في حال إعلامنا العربي خاصة باعتباره الوسيلة والسيارة التي تحمل القاعدة السالفة الذكر بين أطياف المجتمع، فسيجده في مجمله خطابا تأمريا وتعبويا (بغض النظر إلى ماذا يعبئ أو ضد من يعبئ)، في حين أن المطلوب في هذا الوقت بالضبط (التدافع السياسي) هو الخطاب التفسيري الذي يسعى بكل بساطة إلى تفسير الواقع/الظاهرة من الداخل والخارج عبر التفكيك ثم التركيب ثم الفهم، ومن تم إطلاق الحكم الموضوعي وليس الذاتي (بلغة السياسة: شخصنة المؤسسات الحزبية)، وحينما أقول إطلاق الحكم، فأنا أعني به الأحكام القيمية وليست الأحكام الوصفية.

   وإذا ما تدرجنا قليلا داخل مكونات مجتمعنا وسلطنا الضوء مثلا على هذا الحراك الذي يعرفه بلدنا وخاصة في المجال السياسي (الانتخابات) باعتباره أفضل مجال يمكن للمرء أن يشاهد بأم عينيه تمظهرات هذه القاعدة المدمرة، فلعل المتتبع أو دعنا نقولها بصراحة، المشارك (بوعي أو بدون وعي) في تنزيل هذه القاعدة على أرض الواقع من خلال وسائل التواصل الاجتماعي (الفايسبوك ويوتيوب) فسيرى أن الأغلبية الساحقة مندفعة أو مدفوعة نحو دمغ وشن الحرب على ذلك الآخر (العدو السياسي) وإطلاق الأحكام عوض مناقشة البرامج والخطط التنموية، وهذه هي إشكاليتنا في العالم العربي عامة، وفي بلدنا خاصة هي أننا كما قال الدكتور المسيري “نندفع إلى الحكم الأخلاقي – وهذا شيء هام ينسجم مع إنسانيتنا – لكن قبل أن يصدر الحكم الأخلاقي لابد من فهم الآخر حسب منطقه وأن يفهم دوافعه ولا يسقط دوافعه عليه، وبعد كل هذا يصدر الحكم” انتهى كلامه.

   والسؤال الذي يطرح نفسه، هل هذه الضوابط أو المراحل (المنهجية) معمول بها خلال التدافع السياسي أم فقط إطلاق العنان للأحكام الوصفية؟

   إن الخطير في الأمر ليس هو جهل هذا أو ذاك الآخر لآليات هذا المنهج في التعامل أو التدافع مع الآخر “السياسي”، بقدر ما نخاف من تبعات الاندفاع السلبي في إطلاق الأحكام الأخلاقية أو السياسية أو الطبقية أو غيرها من الأحكام الوصفية في الاتجاهين معا، والتي لا يمكنها إلا أن تسرع في تفتيت وتشتيت المجتمع إلى مجموعات متنافرة (فيزيائيا) بدل الاصطفاف والاجتماع حول المصلحة العامة المشتركة تحت شعار: “الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها”. وأن من شأن هذا الاجتماع أن يوفر علينا تبديد الطاقات والأموال وتسخيرها في عملية البناء التي تعود بالخير على الجميع، وكما قال الشاعر:
                                                    لا تحقرن الرأي وهو موافق    ****    حكم الصواب إذا أتى من ناقص

   قد يقول قائل أن هذا التدافع شيء محمود ومرغوب فيه نظرا لمفعوله التصفيقي  (décantation)  والتفريزي (يعني يفرز الصالح من الطالح)، أقول له نعم، ولكن ماهي حدود ونهاية هذا التدافع؟ وهل طبيعة هذا التدافع “السياسي” بين القادة تفهم في حدودها وسياقها عند المتعاطفين من كلتا الطرفين؟ وهل أصلا نمتلك مقومات وأصول التدافع السياسي الذي يتجرد من الذاتية ويناقش البرامج والخطط؟
إن ما هو عليه وضعنا السياسي على المستوى القاعدي، هو مجموعة من الأحكام الوصفية التي يطلقها القادة ويتبناها المناضلون والمتعاطفون بكل جاهزية ويقاتل بها وعليها، بدون أدنى عملية تحليل وتفسير، ومن تم فهم واتباع أو تحفظ، فأصبح الواحد يسمع نفس النغمة والرنة بين جميع مكونات المجموعة الواحدة، رنة إقصائية لا يمكن لها أن تؤدي بنا إلا إلى القطيعة المطلقة تحت عنوان: “الخط الأحمر” الذي لا يتصور معه أن يتم توافق وبناء، بل الهدم أقرب وأسهل.

   أليست هذه إحدى آثار التدجين السياسي والنظرة النمطية (كيف ما كان لونها، طبقية، إيدولوجية، سياسية…) الذي يفوت علينا نحن المجتمع فرص التقدم والرخاء، ولكن ربما هذا ما أريد لنا أن نكون عليه، أشباه سياسيين منعدمي الحس النقدي البناء والمتشبعين بـ”الموريدية” والإقصائية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!