في الأكشاك هذا الأسبوع
abdelhafid-copie

تاريخ | وزير للحرب ووزير للبحر ووزير للشكايات.. حكاية دستور لم يرى النور في المغرب

مغاربة 1908 أكثر تقدما من مغاربة 2016

إعداد: سعيد الريحاني

   عاتب الملك محمد السادس، من خلال خطابه الافتتاحي للسنة التشريعية بالبرلمان، يوم الجمعة الماضي، جل النواب البرلمانيين، بسبب تقاعسهم في القيام بالمهمة الجسيمة التي أوكلت إليهم، وهي تدبير شؤون المواطن، وقال بالحرف: “مع كامل الأسف، يلاحظ أن البعض يستغلون التفويض الذي يمنحه لهم المواطن لتدبير الشأن العام في إعطاء الأسبقية لقضاء المصالح الشخصية والحزبية، بدل خدمة المصلحة العامة، وذلك لحسابات انتخابية، وهم بذلك يتجاهلون أن المواطن هو الأهم في الانتخابات، وليس المرشح أو الحزب، ويتنكرون لقيم العمل السياسي النبيل.. فإذا كانوا لا يريدون القيام بعملهم ولا يهتمون بقضاء مصالح المواطنين، سواء على الصعيد المحلي أو الجهوي، وحتى الوطني، فلماذا يتوجهون إذن للعمل السياسي؟”.

   نحن الآن في سنة 2016، وقد انتهينا للتو من عملية مكلفة لتجديد مجلس النواب(..)، ومازال بالإمكان تصور حجافل المستهترين، والانتهازيين(..)، والأميين وهم يلجون قبة البرلمان، بعضهم بشهادة ابتدائية قد تكون مزورة(..)، وليس هناك أي قيد أو شرط على ممارسة السياسة، بمعنى أن المواطن الأمي يمكن أن يصل إلى أعلى مراتب السلطة والجاه إذا أجاد المناورات(..)، تصوروا أمينا عاما لحزب سياسي لا يجيد القراءة والكتابة، تصوروا أن مقترحات الاستوزار التي ترفع للملك تتضمن “سير ذاتية” لأشخاص لا يتوفرون حتى على شهادة الباكالوريا.. تصوروا أن هذا الواقع المجحف والمسيء للممارسة الحزبية والبرلمانية، لم يكن هناك مجال لحصوله في مشروع الدستور المغربي لسنة 1908، الذي يشترط في عضو مجلس الأمة، وهو بمثابة “الغرفة الأولى” أن يكون: “عارفا اللغة العربية قراءة وكتابة حق المعرفة، وأن يكون من تبعة الدولة المغربية، وأن يكون غير مرتبط بخدمة دولة أجنبية بوجه من الوجوه، وأن يكون غير محكوم عليه بالإفلاس أو بالسجن لسرقة أو قتل أو غير ذلك من الجنايات، وأن يكون مشهودا له بين قومه بحسن السلوك والاستقامة والنزاهة ومحترما من كل عارفيه”.

   إن اشتراط الإلمام بالقراءة والكتابة على الراغبين في ولوج مجلس النواب يعكس انشغال المغاربة القدامى، بالمستوى الثقافي للبرلماني، فضلا عن كون مشروع دستور سنة 1908، كان واضحا في معاقبة المقصرين، حيث يقول: “إذا انقطع النائب عن الحضور إلى المجلس مدة طويلة لسبب مرض ملازم أو لضرورة قصوى لا تدفع، أو أنه استعفى أو توفي فينتخب منتخبوه غيره”، ولعل أكبر دليل على تقدم الأجداد مقارنة مع الأحفاد، هو تنصيص المادة 50 منه على ضرورة عدم الجمع بين وظيفة تمثيل الأمة ووظيفة أخرى: “لا يجوز لنائب أن يشتغل وظيفتين في وقت واحد، أي يشغل وظيفة النيابة ووظيفة من وظائف المخزن، فإذا اتخذ وظيفة أخرى سقط من النيابة، ولكن إن انتدبه منتدى الشورى للقيام بوظيفة مؤقتة مثل إرسالية تفتيش عن أمر، أو الذهاب لإلقاء الصلح بين فريقين متقاتلين أو الشخوص إلى خارج السلطنة بمهمة دولية، ففي مثل هذا الحال جاز له الجمع بين وظيفتين ولا يسقط من عضوية النيابة” هكذا يقول مشروع دستور 1908، الذي ظل كاتبه مجهولا.

   وقد كان عمل مجلس الأمة مؤطرا بصمام أمان هو مجلس الشورى، وتكمن وظيفته حسب المادة 54 في ما يلي: “إن وظيفة مجلس الشرفاء هي أن ينظر أدق النظر، ويبحث أدق البحث في التقارير واللوائح التي يصدرها مجلس الأمة، حتى إذا رأى فيها شيئا مغايرا لإحدى الشرائط الست الآتية يرفض تلك اللوائح والتقارير رفضا قطعيا، مع إظهار الأسباب الداعية إلى ذلك، أو أنه يرجعها إلى مجلس الأمة، مع ملاحظة وجوب إصلاح وتصحيح ما لزم الإصلاح والتصحيح، والشرائط الست التي يراعيها مجلس الشرفاء ويراقبها هي: 

   الشرط الأول: “أن لا يكون هناك شيء ما يمس أساس الدين وجوهره أو يخالف نصا من القرآن الكريم”. 

   الشرط الثاني: “أن لا يمس استقلال السلطنة”.

   الشرط الثالث: “أن لا يضر حقوق السلطان”.

    الشرط الرابع: “أن لا يجحف بحقوق الأمة”.

   الشرط الخامس: “أن لا يضر بالعامة والفقير خاصة”.

   وسادس الشروط: “أن لا يسبب أضرارا وخسائر لبيت مال المسلمين وأملاك الدولة” (مقتطف من مشروع دستور 1908).

   البرلمان إذن في الزمن الغابر، كان مطلوبا منه حماية الفقراء وتجنب الإساءة للدين، وعدم تكبيد الخسائر لبيت مال المسلمين، فأين نحن اليوم من ذلك..؟

    إن مشروع دستور 1908، لم يكن في الحقيقة سوى امتدادا للبيعة المشروطة، للسلطان عبد الحفيظ(..)، لذلك لا غرابة أن يكون مشروع الدستور هذا، سوى نصا لكاتب مجهول، نشره في جريدة “لسان المغرب” التي كانت تصدر بطنجة تحت إدارة اللبنانيين فرج الله وأرتور نمور، وذلك في أربعة أعداد متتابعة من 11 أكتوبر إلى 1 نونبر 1908، أي بعد أربعة أشهر من بيعة السلطان، والغريب في الأمر، أن وعي المغاربة في ذاك الزمان، كان عميقا بأهمية الحريات الشخصية، لذلك ليس غريبا أن تقرأ في ذلك الوقت أن الدستور، يقول ما يلي: “يحق لكل مغربي أن يتمتع بحريته الشخصية بشرط أن لا يضر غيره ولا يمس حرية غيره، إن الحرية الشخصية تقوم بأن يعمل كل واحد ما يشاء، ويكتب ما يشاء، مع مراعاة الآداب العمومية.. المطبوعات حرة مع مراعاة الآداب العمومية..”.

   “إن جميع المسلمين متساوون في الحقوق أمام وظائف المخزن التي تعطى بحسب الكفاءة الشخصية، وليس بواسطة الوسطاء والنافذي الكلمة ولا بالأموال.. لا يجوز أن يتولى أمي وظيفة من وظائف المخزن على الإطلاق، فعلى الموظف أن يكون عارفا اللغة العربية قراءة وكتابة حق المعرفة”، هكذا يتحدث مشروع الدستور، الذي وإن كانت تعتريه بعض النقائص فيما  يخص الحرية الدينية وحقوق المرأة، إلا أنه كان مشروعا متقدما، ويفرض إعطاء حق التعليم لكل مواطن، من خلال فرض بناء المدارس في كل بلدة وقبيلة.. ومحاولة وضع حد للتصرفات المشينة للمخزن، من خلال التأكيد على إبطال الشطط المخزني في الفصل 27: “قد أبطل الضرب بالعصي والجلد بالسياط والتشهير والتعذيب بأي آلة من آلات التعذيب وكل نوع من أنواع الأذى، وكل صنع يستهجنه طبع المدنية إبطالا قطعيا من السلطنة جميعا”، والمادة الثامنة والعشرون، تقول: “قد أبطل التسخير والتكاليف المالية وسواها غير المقررة من منتدى الشورى إبطالا كليا من السلطنة جميعها… لا يجوز أبدا أن تقطع رؤوس العصاة الذين سقطوا في قتال مع عساكر المخزن وتحمل إلى فاس أو غيرها وتعلق على الأسوار كالعادة المعروفة، فكل قائد يأتي ذلك يكون مسؤولا أمام منتدى الشورى والسلطان.. ولا يسوغ لعساكر المخزن عند مقاتلة قبيلة من القبائل أن ينهبوا مواشي القبيلة ودوابها وأشياءها ويقتسمونها بينهم حسب العادة المعروفة، فكل قائد يأتي ذلك يكون مسؤولا أمام منتدى الشورى والسلطان.. ولا يسوغ أبدا قتل الأسرى والجرحى أو تجريدهم من ثيابهم وإرسالهم عراة كالعادة المعروفة، فكل قائد فعل ذلك يكون مسؤولا أمام منتدى الشورى والسلطان”.. وهنا كانت تظهر أهمية المؤسسة التشريعية في حماية الدستور والمؤسسات، غير أن مشكلة الدساتير في المغرب ليست مشكلة نص، بل هي مشكلة تنزيل، فقد ظل الحلم بدستور ديمقراطي يراود المغاربة منذ ذلك التاريخ إلى اليوم(..).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!