في الأكشاك هذا الأسبوع
%d8%a8%d9%86%d8%b3%d9%84%d9%8a%d9%85%d8%a7%d9%86

ملف الأسبوع | الحرب السرية بين إلياس العماري زعيم الأصالة والمعاصرة وقائد الدرك الجنرال حسني بنسليمان

إعداد: عبد الحميد العوني

   دعا الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة إلى ما سماه “دمقرطة” جهاز الدرك الملكي في مقطع شهير على “اليوتوب”، واعتبره المسؤول الحزبي، جهاز “رعب” يجب أن يتغير وبدأ فعلا في التحول، وانتقد في حملته الانتخابية ما دعاه جهات “محافظة” للدولة متهما إياها بدعم غريمه، حزب العدالة والتنمية، لارتباطات عائلية معروفة بين الجنرال ومؤسس هذا الحزب عبد الكريم الخطيب، فيما أثار حليف بن كيران، وزير السكنى وقائد حزب التقدم والاشتراكية علاقة مستشار الملك عالي الهمة، المؤسس التاريخي لحزب الأصالة والمعاصرة بالحزب في فترة الانتخابات، قبل تدخل الملك.

   ورفض الدرك توسيع البام داخل البوادي، ولم يمنحه أصوات المناطق التي تزرع الحشيش، في إطار الصرامة القانونية التي أوصاها بها الملك وزير الداخلية والأجهزة الأمنية.

   وحسب مصادر خاصة، فإن هذه الحرب بين حزب الأصالة والمعاصرة والجنرال وازنت حرب العدالة والتنمية والمستشار عالي الهمة  في قلب الدولة وخارجها، وأراد الجميع توقيفها، لأن المرحلة الجديدة من الصراع فرضت تحريك المجلس الأعلى للأمن (الفصل 54 من الدستور)، ولم يتحرك أي طرف ـ  رغم أزمة الكركرات والأزمة مع مجلس الأمن بعد طرد المكون المدني للمينورسو ـ  لتفعيل المجلس، بما جعله الفصل الصامت أو المسكوت عنه في دستور 2011، وترفض أطراف كثيرة هذا الوضع، وتحسبه على المحافظين في الدولة والحكومة، يتقدمهم جنرالات الحسن الثاني ورئيس الحكومة، بن كيران الذي حظي بولاية ثانية تبعد نهائيا تحريك العمل بالفصل 54 من الدستور.

   ورسم الجنرال بن سليمان خطوطه الحمراء تجاه البرلمانيين، بعد حادثة عبد العزيز أفتاتي الذي دخل بصفته البرلمانية إلى منشأة حربية للمراقبة على الحدود الجزائرية المغربية، اعتمادا على تقدير تنظيمي يربط الدرك الملكي المكلف بالبوادي بالقوات المسلحة الملكية       (الجيش).

   وقبل بن كيران فورا الإجراءات التي أصدرها الجنرال في حينها، فرسم قائد الدرك قواعد اللعبة في دستور 2011، ولم يسمح المحافظون بتفعيل المجلس الأعلى للأمن الذي يشارك فيه رئيس الحكومة ووزراء مدنيون، وبولاية ثانية لبن كيران، تكون مراجعة بعض الإجراءات والقوانين والسلوكيات قد انتهت، بما يقتل مراقبة البرلمان لمختلف أجهزة الأمن، كما يبعد نهائيا مشاركة المدنيين في قرار الحرب والسلم واستراتيجيات أمن المملكة.

حسني بن سليمان الذي رفض التعاون مع لجنة الإنصاف والمصالحة من هندسة عالي الهمة لمحاصرة الجنرالات يعتبر سيد القرار الأمني، والمدافع عن الهندسة المحافظة للدفاع عن المملكة بعيدا عن الحكومة والمدنيين، في ارتباط مباشر وواحد مع الملك، وهو ما جمد الفصل 54 من الدستور، ومنح المحافظين ولاية ثانية على رأس الحكومة لإبعاد أي تأثير “مدني” على السياسات الأمنية والدفاعية للمملكة، ورغم أزمة “الكركرات”، وقبلها أزمة مع الأمم المتحدة كادت أن تشعل حربا شاملة، لم يتحرك أي طرف لتفعيل الفصل 54 من الدستور

   ودعم المحافظون الأمنيون عدم التدخل في “الانتخابات المدنية” تحت أي ظرف، في مقابل تجميد صلاحيات رئيس الحكومة والوزراء كما يوردها الفصل 54 من الدستور في قضايا السياسات الأمنية والدفاعية، في أكبر صفقة قادها من داخل النظام وخارجه جنرالات وساسة، وشكلت هذه الفرصة لحظة فارقة ترفض تدخل مستشاري الملك في إدارة أجهزة الدفاع والأمن، أو التأثير على السياسات الحساسة، وتقبل قرار الملك وحده، تماما كما رفضت أحزاب نفس التدخل من طرف المستشارين الملكيين في الانتخابات، وشؤون الأحزاب و”أن يكون الملك رئيس الحكومة” كما قال بن كيران بالحرف.

   وقراءة المحافظين واحدة في داخل الدولة والأجهزة والحكومة التي قامت بتنزيل الدستور وتسهر الآن على بناء أعرافه.

   وجاءت حادثة أفتاتي على الحدود المغربية ـ الجزائرية إشارة قوية رسم فيها عبد الإله بن كيران لنفسه وحزبه خطوط الحركة مع الأجهزة الأمنية، يتقدمها الدرك، وقبلها مع (عبد الله باها) في مسألة مشاركة الجيش في مهمات خارج الوطن، وأثار اليازغي في توزيره نفس الزوبعة في عهد اليوسفي، وأصبحت السياسة الأمنية المحافظة من “ثوابت المملكة”، وسعت جهات قبل حراك 20 فبراير 2011 وبعده، إلى تقاعد الجنرال بنسليمان، لكنها فشلت، ووصلت هذه المسألة، المطلوبة لسنوات والمرفوضة لمرات، إلى نهايتها في 13 يناير 2013، وكرست نفسها بملء فراغ الجنرال بناني بالجنرال بوشعيب عروب.

   وبتقاعد الجنرال القادري، ومرض الجنرال عروب، لم يبق جنرال يحمل أربع نجمات سوى الجنرال بنسليمان، بتعبير فرانسوا سودان في أسبوعية “جون أفريك”.

   ومنذ بداية هذه التحولات، قاوم قائد الدرك بقوة، تغيير جيله في قيادة الجيش، وشنت الأطراف نفسها معركة ضد تحالفه مع بناني، من خلال مصالحهما المالية ومواقعهما المشتركة، ثم محاولة المس بتاريخهما من خلال هيئة الإنصاف والمصالحة، التي جاءت من هندسة عالي الهمة، وبقي تأثيرها محدودا، إذ لم تنتقل القيادة في صفوف الجيش إلى جيل محمد السادس، ورغم سلخ القوات المساعدة عن هذه المعادلة، لم يتأثر الهيكل العام للقرار في الجيش.

الجنرال بنسليمان أبعد القرار الأمني عن الانتخابات من خلال أزمة الكركرات في فصل غير مسبوق بين العامل الأمني والفاعل السياسي، وهو ما دافعت عنه السياسات المحافظة لحكومة عبد الإله بن كيران، وفي النهاية انخفض تأثيرالمستشارين الملكيين على موعد السابع من أكتوبر، فأنتج المحافظون ((انتخابات نزيهة))

   منذ 6 يونيو 2016، بدأ الاستعداد لمعركة “الكركرات” غداة اجتماع بين الجنرال بنسليمان وزهير شرفي عن الجمارك، لتمكين وحدات مختلطة من الجمارك والدرك من محاربة التهريب والمخدرات، وقالت جريدة “الصباح” في تاريخه، أن العملية تواصلت في الجنوب بعد توقيف 2 من أصل 6 في الشمال، ولم يكن لهذه الحرب أي مغزى انتخابي في الصحراء جنوب المملكة، لأنها لم تعتقل المتورطين ولم تؤثر على القبائل، وكانت حربا ضد الفعل وليس الفاعل، تقول الأمم المتحدة، وفي حقيقة الأمر، لم يرغب قائد الدرك في أي استثمار لمزارعي المخدرات في الانتخابات، تماما كما عزل المهربين عن نفس التأثير في الجنوب.

   لقد أدار الجنرال بنسليمان بجسارة هذه المعركة المفتوحة من طنجة إلى الكويرة، ولم يرغب في أي آثار جانبية لمعركته، أو استثمارها لصالح أي طرف، خصوصا من ينتج المخدرات والجريمة.

   وطالب حزب الأصالة والمعاصرة بالعفو عن مزارعي الحشيش في شمال المملكة، ولم تقبل أجهزة الأمن والقانون مثل هذه الدعوات، لأن العفو مسطرة للملك ومحكومة بمصالح الدولة العليا وليس مصالح جهة أو حزب، والحملة المدروسة والمقننة تحت سقف القانون وسلام الدولة في “الكركرات”، حددت السياسة العامة ضد المخدرات في باقي المملكة بعيدا عن دغدغة عواطف مزارعي الحشيش واللوبيات المتصلة به.

   وإنشاء فرق الحماية والتدخلات السريعة ضد التهريب دخلت ضمن الإجراءات العملية، فالأمم المتحدة رفض مكتبها الـ”أونوديسي” أي إجراءات لتقنين الحشيش المغربي، انسجاما مع محاربة التهريب نفسه في الكركرات، وخلق هذا المنطق بعض الدعم لموقف الرباط، قبل تدخل البوليساريو بقواتها لوقف أي خطط أخرى، ولا تزال أزمة الكركرات تراوح مكانها، وحدثت تغييرات في الدرك مكنت من عزل العامل الأمني عن الانتخابات، وجمدت مراقبة الحكومة والمجتمع المدني للأجهزة الأمنية.

تغييرات 19 ماي 2016، عصفت بكل استغلال للدرك في الانتخابات البرلمانية، ولم يستفد أي حزب من عزل البوادي التي يقود أمنها الجنرال بنسليمان، وأدى الوضع المستحدث إلى عدم استثمار عامل العفو الموكول لمزارعي الحشيش، لأنه خاص بالملك وبمصالح الدولة العليا وليس لحزب، رغم أن حزب الأصالة والمعاصرة أراد رفع الحرج عن “أمير المؤمنين” في هذه القضية الحساسة، وأوكلها للبرلمان، لكن الشرعية الشعبية لهذا العفو عن أرباب الحشيش ستدخل الدولة في متاهات ولا شك

   تغييرات 19 ماي 2016 في جهاز الدرك حسمت مع “الاستغلال السياسي” للبوادي تحت الإدارة الأمنية لهذا الجهاز، وهذه التغييرات التي مست الجهاز(1)، وسياساته فرضت منحى جديدا في موقع البادية المغربية في خارطة الصراع الحزبي بعيدا عن الأجهزة وحسابات كل جهاز منها، وطالبت من جهة ثانية، بحياد مستشاري الملك في الشأن الانتخابي، وتوالت إشارات القصر لتأكيد هذا المسعى (من خطاب العرش إلى البيان الذي انتقد فيه ما سماه تضليل وزير السكنى نبيل بنعبد الله).

   وفشلت محاولة عزل “ثوابت” الجنرال بنسليمان من الساحة السياسية، فعمل البعض من داخل جهاز الدرك وتجسس على قائده، وانتهت المسألة بحرمانه من حماية القصور والمنشآت الملكية، وحضر الجنرال بنسليمان بيعة عام 2015، ولم يحضر الاجتماع الذي ضم كلا من وزير العدل والولاة والعمال إلى جانب كل قادة الأجهزة الأمنية، بمن فيهم قائد المخابرات الخارجية، ياسين المنصوري، وعادت الأمور إلى مجاريها، وفشلت محاولات متعددة بدأت منذ رئاسة الهمة، مستشار الملك الحالي، للجنة الأمنية الأهم في البرلمان، قبل أن تؤول إلى دركي سابق.

   وانتهت المحاولات بدفاع الملك عن “الثوابت الأمنية الكلاسيكية” في ظل التوترات في الصحراء، وقد تصاعدت من طرد المكون المدني للبعثة الأممية في الصحراء “المينورسو” إلى أزمة الكركرات.

   ولم تخب نظرة الجنرال بنسليمان، حسب دوائر القرار، فالذي قاطع لجنة الإنصاف والمصالحة هو نفسه الذي صدرت بحقه مذكرة دولية في قضية المهدي بن بركة(2)، ويرى هؤلاء أن الخارج غير مهتم بثوابت المملكة ومسلسلها الانتقالي، بل إن هذه المذكرة منعت الجنرال من قيادة الجيش على حد تعبير موقع “بلادي”(3).

الصراع بلغ أوجه في استمرار مذكرة “الأنتربول” لاعتقال الجنرال بنسليمان في قضية بن بركة، وقرأ عبد الرحمن اليوسفي برقية ملكية لطي الملف وإصدار تقرير للمجلس الوطني لحقوق الإنسان في الموضوع، لكن الإجراء تأخر بفعل الانتخابات كما هو معلن

   توقفت حرب باردة بين أطراف الدولة، بفعل تأخر إصدار تقرير للمجلس الوطني لحقوق الإنسان حول قضية المهدي بن بركة، ولم تكن تسمية شارع باسم عبد الرحمن اليوسفي كافية لتجاوز الوعد الرسمي بإصدار التقرير المفصل عن اغتيال بن بركة وطي الصفحة، وتخوف الجميع من استثمار المعلومات المنشورة في متابعة “الأنتربول” لشخصيات مغربية أو المساس الشديد بشخص الحسن الثاني، ولا يمكن حماية رجالات الأمن من جيل محمد السادس، كما حدث للحموشي مع فرنسا، دون الوصول إلى نفس الحماية مع باقي الأمنيين النافذين منذ عهد الحسن الثاني.

   وخدمت مراجعة “التعاون القضائي” في يناير 2015، عبر مصطفى الرميد، وزير العدل المنتمي لحزب العدالة والتنمية ووزيرة العدل الفرنسية، كريستيان طوبيرا، الحماية القانونية لجنرالات وقادة أمنيين في المملكة، وبفعل ما قدمه مصطفى الرميد لقادة الأجهزة، تمكن من منازعة وزير الداخلية في إدارة الانتخابات، وتغليب نزاهتها بين الأحزاب.

   ولم يتمكن وزير الداخلية، محمد حصاد من إخراج الأجهزة الأمنية عن حيادها، رغم ذكرها بالاسم، وبشكل شامل في قضية “مسيرة البيضاء” التي أنكرها الملك وعالي الهمة نفسه لمساسها بـ”الاستثناء المغربي” أو”تمغربيت” بتعبيره المعروف.

   وقاد مصطفى الرميد حزب العدالة والتنمية في المسار الذي قطعه الحزب طيلة الانتخابات، إلى اللحظة التي ركب فيها سيارة بن كيران واتجها إلى القصر، وعاد رئيس الحكومة يقول: لقد كان الرميد سائقي، وطابق موقف مصطفى الرميد، موقف الجنرال بنسليمان في قضية المهدي بن بركة، واتجه إلياس العماري إلى التحالف مع إدريس لشكر قائد الاتحاديين، لكن التحالف لم ينجح رغم توسيعه في آخر اللحظات إلى مصطفى المنصوري، الزعيم الأسبق للتجمع الوطني للأحرار، لصلته العائلية برئيس الحرس الملكي، لكن الملك عزل الصراع مجددا داخل رقعته الحزبية.

   ولم يحفل قائد الدرك بهذه التكتيكات، وإن رشحه البعض لإدارة المرحلة بعد تقاعد القادري وموت بناني ومرض بوشعيب عروب، وفضل الجنرال بنسليمان أن يدير معاركه ببعد استراتيجي في دائرة من الفاعلين، بنعاشير قائد المظليين، أحمد بوطالب قائد المفتشية العامة لقوات الجو المغربي، وميمون المنصوري رئيس الحرس الملكي، وأخيرا حسين بنميمون الذي مثل المغرب في اجتماع جامعة الدول العربية في القاهرة لتأسيس قوات عربية مشتركة، وخنقت أزمة “الكركرات” رجل الدبلوماسية العسكرية كما سمته الصحافة لإشرافه على مشاركة الجيش في اليمن، ويبقى الجنرال بنسليمان قويا ووحيدا، فتعزز موقع المحافظين داخل الدولة من دوائر الأمن وإلى الحكومة.

منذ تعيين محمد معمر، مدير ديوان الجنرال بنسليمان مكان مختار صميم، زادت صعوبة التأثير على قرار الدرك أو اختراقه في إدارة البوادي (أو خارج المدن)، وتمكن الجنرال القوي من بناء منظومة أمنية شاملة يقودها الملك دون تأثير أي حزب أو أي موعد انتخابي في القرار الاستراتيجي للدولة

   انتصرت صفقة المحافظين في صناديق الاقتراع، بما يزيد من عزل رئاسة الحكومة عن الشأن الأمني والدبلوماسي لصالح الملك ومصالح الدولة العليا، ولا يطلب عبد الإله بن كيران المشاركة بقدر ما يطلب المساعدة، وجند هذه الرؤية في لحظة صعبة ومتواصلة في الصحراء، من طرد المكون المدني لـ”المينورسو” وإلى أزمة “الكركرات”.

   وذكر الملك بشكل صريح “المسؤوليات العسكرية والأمنية والترابية” للجنرال بنسليمان في برقية التعزية في وفاة أم الجنرال، الحاجة هيبة الخطيب بنسليمان.

   وما سماه العاهل المغربي “الثقة الكبيرة” في الجنرال، هيأت لمنع تأثير “الإدارة الترابية” للدرك في الانتخابات، ولاحظ الجميع أن الأحزاب لم تطعن في أي من الجهازين الأمنيين الذي يرأسه الحموشي في المدن، أو الجنرال بنسليمان في البوادي، فتحول موعد 2016 إلى أنزه انتخابات، وسقط الوعد الذي قطعه حزب الأصالة، في تأسيسه، برئاسته للحكومة في  2017.

   تقول “ويكيليكس” في “البرقية 05 الرباط 1162″، وفي الفقرة العاشرة منها، “إن الجنرال بنسليمان، لا يهتم سوى بمحاربة المخدرات والجريمة، وقد دمر 500 شبكة منذ 1997 بما فيها الشبكات من دكار إلى باماكو عبر الصحراء، وانتهى به المطاف بدخول الكركرات بدون دعم من واشنطن بعد أن طلبه في مناسبات متعددة”.

   وفي اندلاع أزمة “الكركرات” قبيل الانتخابات البرلمانية، لاحظنا أن التقاعد المتأخر للجنرال منذ 2014(5)، فرض شروطا أخرى في قراءة الأمن الداخلي للمملكة وأمن اللعبة.

   وحدث تحول حقيقي في المملكة بعد 2007، لأنه في هذه السنة، اجتمع خروج عالي الهمة للمشاركة في الانتخابات بمنطقة الرحامنة وصدور مذكرة دولية لاعتقال الجنرال بنسليمان، الذي يعود تاريخه مع العمليات الخاصة إلى شركة “إي. بي. سي. جي” في 1965(6) مرورا بعمله في الأمن الوطني والإدارة الترابية وأخيرا في الدرك.

   ولم ينجح عالي الهمة، وهو برلماني يرأس لجنته الأمنية، ومتسلحا بإنفاذ توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة في قيادة التحول داخل الجيش، وعاد إلى جانب الملك، مستشارا لإدارة لا تمس في شيء خيار الشعب مع حياد كامل للأجهزة الأمنية في الانتخابات، مقابل حياد الحكومات المنبثقة عن الأحزاب وعدم  مساسها بالشؤون الدفاعية والأمنية، وقد وصفت  جريدة “لوموند” الفرنسية هذا الوضع بـ”الديكتاتورية العسكرية” في عرضها لكتاب العسكري المغربي، طوبجي(7).

   ويسعى بن كيران في حكومته إلى التعامل رأسا مع الملك كما يتعامل معه الجنرالات، بعيدا عن المستشارين الذين لا دور لهم اليوم سوى أن يكونوا “سعاة البريد الملكي”.

   واستثمر الأمريكيون كل توازنات المشهد لرفع ثقلهم في الصحراء، لأن المشكلة زادت صعوبتها في واقع الأمر، لعدم حضور واشنطن في المنطقة وفي السياسات المغربية، وتعرض الصحافة الأمريكية المشكل من هذه الزاوية، منذ وقف إطلاق النار بداية التسعينات(8)، وقبلها حسب الأدبيات الأمريكية(9)، أي منذ الاستقلال وإلى اليوم.

   وحاليا، يمكن الوصول إلى حرب شاملة، كما تقول الأمم المتحدة، لكن المغرب يدير وضعه في هذا الظرف وانطلاقا من نزاهة انتخاباته، بأقل معدل للتدخلات الأمنية والخارجية منذ استقلال المملكة وإلى الآن، ويعود الفضل في الجملة، إلى الصفقة المذكورة، وأيضا لموقف مصطفى الرميد الذي اعتصم في مقر حزبه، إلى أن ظهرت نتائج الانتخابات كما هي في محاضر الأحزاب، وأيضا لموقف الجنرال بنسليمان، الرافض لأي تأثير إداري أو مسبق على الاستشارة الشعبية في مقابل حياد الأحزاب وابتعادها عن الشأن الأمني الدقيق والصرف.

تقول التقارير الغربية أن “العلاقة الفاعلة” بين الشرقي الضريس والجنرال بنسليمان سمحت منذ 2013 برفض “الانتخابات المبكرة” إثر خروج حزب الاستقلال من حكومة بن كيران لأن الشارع لم يستقر بعد، ولا تزال التظاهرات ممكنة ومتوقعة، وكشف امحند لعنصر، وزير الداخلية السابق عن رفض حزبه دفع أي ثمن إضافي باسم الاستقرار، فانتهى الوضع إلى ترسيخ صفقة “بين” كما يختزلها المتابعون الغربيون من اسم (بن سليمان)، وتدعو إلى انسحاب الأجهزة الأمنية من أي تأثير على الانتخابات، وسحب الأحزاب لمطالبها في مراقبة الأجهزة الأمنية

   كانت جذور صفقة “بين” عادلة إلى حد بعيد، منذ اجتماع منظمة “فييب” في المغرب، غداة حراك 20 فبراير والثورات العربية عام 2011 حين دعا الجنرال بنسليمان إلى جانب الجنرال البرتغالي، مانويل دوسانتوس نيوتن، إلى عدم التدخل في صناديق الاقتراع في مقابل رفض وصاية الأحزاب على القرار الأمني المباشر للدولة خصوصا في دول الانتقال في بحر المتوسط والشرق الأوسط، وعرفت “الجمعية الأوروبية والمتوسطية للمؤسسات الدركية وقوى الشرطة ذات الوضع العسكري” “فييب”(10) توصيات أخذها وطبقها الجانب المغربي عن طريق الجنرال بنسليمان بالحرف.

   وفي الدورة 25 لجمعية “فييب” التي التحق بها الأردن عام الحراك العربي (2011) والمغرب عام (موت الحسن الثاني)، لاحظ المراقبون إلى أي حد أصبحت الانتخابات في المملكتين “شفافة ونزيهة”، وهذا القرار الاستراتيجي لا رجعة فيه، بلغة محمد حصاد، وزير الداخلية في رده على خوف حزب العدالة والتنمية من “عدم نزاهة الاستحقاق” في السابع من أكتوبر، وانتهى المطاف بفوز بن كيران بولاية ثانية، كما قررتها صناديق الاقتراع، دون أي تأويل أو مغامرة في المجهول، رفضها الجميع بعد خروج حزب الاستقلال من الحكومة الأولى لبن كيران، وتقدم القادة الأمنيون بالمزيد من حياد أجهزتهم في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، وفعلا رسخ مبدآن: رفض الانتخابات المبكرة آلية لحل الخلافات بين الأحزاب، وثانيا، استمرار حياد الأجهزة الأمنية في كل الاستحقاقات الشعبية، خدمة للاستقرار وعدم تغيير موازين القوى الحالية بين رئيس الحكومة والأجهزة.

   ومجرد أن يشيح وجه رئيس الحكومة عن تفعيل الفصل 54 من الدستور، تقدير ثابت لحزب العدالة والتنمية الذي أدار معركته في كل مكان إلا في مواجهة الجنرالات، ولمح قادة حزبيون في مواقعهم الوزارية إلى مستشاري الملك، وتركوا مسألة “الحكامة الأمنية” معلقة، ورغم تخلي حزب الأصالة والمعاصرة عن توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة بخصوص حكامة الأجهزة الأمنية، وإطلاقه ورقة إيديولوجية مختلفة بمؤتمره الأخير، فإن باقي الأطراف لا تثق بشكل جدي، في عدم إثارة داعمي إلياس العماري مسألة تفعيل توصيات الهيئة بما يمس موقع جنرالات الحسن الثاني، وقد تقلب هذه الخطوة، خارطة التوازنات الحالية، من خلال منهجية غير مسبوقة.

   ويبدو جليا أن قدرة الأجهزة الأمنية في تحديث نفسها دون رقابة حكومية، حالة ممكنة، وساهم الحموشي والجنرال بنسليمان في تكريس هذه المعادلة.

الذين يريدون الحفاظ على “ثوابت” دولة الحسن الثاني، يرفضون بالتبعية أي مشروع مجتمعي جديد يفجر أو يتجاوز الإطارات الموجودة، والمواجهة قائمة داخل الدولة ومجتمعها، فيما لا يمكن القول أن حزب الأصالة والمعاصرة له مشروع مجتمعي يريد دولة جديدة، إلا في الصحافة التي نشأت متحالفة مع هذه الرؤية قبل انطلاق الحزب

   في “أجوردوي لو ماروك” التي انطلقت بداياتها بحسابات تحت عنوان، المشروع الديمقراطي الحداثي في مستهل مرحلة العاهل الحالي، قال معلقها بعد الانتخابات البرلمانية الأخيرة “إن هناك ـ اليوم ـ مشروعا مجتمعيا لحزب منظم بشكل كامل”(11)، وقد يستخدم العنف(12) للوصول إلى أهدافه.

   وتتزامن هذه التقييمات مع مراجعات بدأها الناطق الرسمي السابق باسم القصر، حسن أوريد، في مقاله الشهري بمجلة “زمان”، ورفض مؤخرا ما دعاه إغراءات النزعة الأمازيغية مؤكدا خطأ دسترتها، لأنها مقابل سلبي في حركة بناء “الأمة المغربية”.

   ويسير الفرز واضحا بين أنصار “الأمة المغربية” بوحدتها ودمقرطتها دون انسياق إلى أي نزوع عرقي أو جهوي، وبين أنصار “الفيدرالية” المناطقية والخصوصية الأمازيغية أو الصحراوية، وغيرها، وأقام جنرالات الحسن الثاني، إلى جانب العاهل الحالي، المملكة على “الوحدة”، والابتعاد بمجتمع المخابرات والأمن عن الانقسامات المحتملة، والتقديرات الجديدة التي تدور داخل السلطة أو خارجها.

   وحاليا، أصبحت حماية مجتمع المخابرات والأمن، أولوية  يطرحها الجنرالات بشكل مباشر كي تحافظ الدولة على وحدة قرارها، ويساعد المحافظون، يتقدمهم بن كيران، على هذه الثوابت في علاقته كرئيس للحكومة بدوائر القرار الأخرى، أو من خلال رؤيته إلى عزل القرار الأمني والعسكري عن باقي أمور الدولة وقضاياها.

   ويفكر المتابعون في الخارج أزمة “التواصل” الحالية بين (الأجيال) من داخل المؤسسات، فيما يرى “الأنجلوفونيون” أن منطق الدولة “المحافظ” ينتصر في كل الحالات التي تفترض نقلة مجتمعية مؤكدة ومغايرة، فهل يمكن التنبيه إلى وجود مشروع مجتمعي لحزب الأصالة والمعاصرة يتجاوز السياسة ويدخل في مناطق مبهمة؟ أم أن المسألة متعلقة بصراع حزبي عادي بين محافظين ومحافظين جدد، يمتد إلى مربع القرار، ويستهدف رجالات العهد السابق وصورة الدولة الموروثة عن الحسن الثاني نحو بديل آخر ليس مضمون النتائج بالضرورة، والمؤكد أن لكل مشروع مجتمعي رؤيته الأمنية، ولا يمكن إثارة توصيات لجنة الإنصاف والمصالحة، كما وضعها عالي الهمة في صلب برنامج الأصالة والمعاصرة، وتركها إلياس العماري نحو سياسة بديلة خارج القصر مرات بالقول أنها غير متصلة به ولا تتبعه ولا تمثله.

   ويسير الجيش، وضمنه الدرك نحو التحديث في الآليات والمناورة، وليس “الطاعة”، ولا يمكن استمرار قيم محددة دون باقي المجتمع.

   يقول مهندس الأمن في عهد الحسن الثاني، رايمون ساسيا: “لم يكن ممكنا بناء مجتمع للمخابرات المغربية دون قطائع قادتها أجهزة بديلة عوض القديمة”.

   وفي قرار الجنرال بنسليمان مناهضة المرتشين والمفسدين(13)، لا يمكن سوى البدء برفضهم ولفظهم في الانتخابات، وانطلقت هذه الدينامية في كل المؤسسات الأمنية دون الخروج عن الأطر الموجودة قبل مائة يوم من بدء الاستحقاق الجهوي والبلدي، وتواصلت في الانتخابات البرلمانية.

مكتب عبد الحق خيام فكك خلايا “داعش” ومنع ضرب الانتخابات من طرف “داعشيات” في يوم السابع من أكتوبر، بما ضمن للأحزاب استشارة نزيهة وآمنة في صراع مشروعين مجتمعيين، وقطبية “محافظة وحداثية” طرحت ما تشاء، وحيادا واسعا للدولة في النتائج، وتأمينا عميقا لصناديق الاقتراع، وشكل المكتب المركزي للتحقيقات القضائية “حماية شاملة” للمسلسل الانتخابي، بعيدا عن التقاطب الأمني الكلاسيكي بين الدرك والأمن الوطني، وخلق هذا المعامل ترتيبا جديدا في خارطة التوازنات

   غير دور المكتب المركزي للتحقيقات القضائية خارطة العمل الأمني الموجه للانتخابات، حيث حماها من التخريب، وأخذ دورا قضائيا رئيسيا إلى جانب وزير العدل، فتقوى الأخير في وجه الداخلية التي حاصرها ومنعها من التحكم في تفاصيل إدارة العملية انطلاقا من تأمينها.

   وفي كل الأحوال، تكون سياسة الجنرال بنسليمان في الدرك، وإدارة الحموشي للأمن الوطني، إلى جانب المكتب المركزي للأبحاث القضائية، قد حققت نزاهة الانتخابات كما تجمع عليها الأحزاب المختلفة والمتنافسة.

   وجاء تقدير واسع من المخابرات الأمريكية لهذه الخطوة، لأن المغرب حمى انتخاباته بحربه على الإرهاب، ويتزامن العملان في مسار واحد على الأقل في هذه الدولة، وهي تتميز إلى جانب تونس، الديمقراطية الأخرى القادرة على توجيه ضربات موجعة للإرهابيين على حدود ليبية ملتهبة، بمحاربة الإرهاب عن طريق الديمقراطية، وقام الجنرال بنسليمان، حسب نفس التقييم، بمسار إضافي ثالث لهذه الحرب رفض فيها تغول المخدرات والجريمة، وحماية انتخابات السابع من أكتوبر من “الجريمة” و”الإرهاب” و”المخدرات” كفل لها استراتيجيا، خفض استعمال المال ونفوذ الشبكات وغيرها من السلبيات التي طبعت مواعيد سابقة.

 الجنرال بنسليمان محارب طبيعي للجريمة الانتخابية كسائر الجرائم

   رغم عمله المثير للأمريكيين والمنتظم الأممي، في أزمة “الكركرات” التي حارب فيها شبكات التهريب والمخدرات، وخلق أزمة مع البوليساريو، فإن موقفه في شمال المملكة لنفس الهدف والغاية مسح مطالب تقنين الحشسيش وغيرها من المطالب الفئوية والجهوية، وهو ما مكنه من أن يكون “محاربا طبيعيا للجريمة الانتخابية كسائر الجرائم”، كما تقول الـ”سي. آي. إيه”.

   ولم يساعد الأمريكيون في هذه المجهودات، لتقاطعها مع مشكل دولي (في الصحراء) وأيضا، لأنها متعلقة بأمن داخلي لدولة صديقة متعاونة بشكل واسع في الحرب على الإرهاب، وبدا واضحا أن قدرة المملكة على تشبيك حربها بين مختلف جهات المملكة ومصالحها ضمن امتدادها الإقليمي في الكركرات، ونقل المناطق العازلة إلى أمنها القومي لأول مرة.

   وخطوة قائد الدرك، كانت بالفعل فرصة نادرة لجنرال محافظ يدعم انتخابات نزيهة في بلاده لأنها إرادة قائده، ومصالح بعيدة المدى لدولته.

هوامش:

1_ Hosni Benslimane va opérer de grands changements dans la gendarmerie royale, le site info.com (r, le 9/10/2016).
2_ «le figaro», affaire ben Barka: Interpol lance quatre mandats d’arrêt, Jérôme Bouin (14/11/2007).
3_ Maroc, Benslimane privé de la tète de l’armée à cause de l’affaire ben Barka (yanladi 30/5/2016).
4_ wikileaks.org/câbles/05 rabat1162.
5_ les 50 qui font le Maroc: aux  services de sa majesté, par François soudan, « jeune Afrique» (15/1/2014).
6_ (He was appointed comander of the mobile intervention company (ICJ) in 1965 was appointed dirictor general of national security) p:183, Global Security Watch _ the Maghreb: algeria, libya, morocco and tunisia, by yahya H. Zubair, louis Driss ait Hama douche, PRAEGER. Oxford, Angland (2013).
7_ «le monde» 24/2006, cité encore in «Europe Maroc» sons le titre: le Maroc, une dictature militaire?
8_ «New York times» (7 july 1979) Cited in stephen Zunes «the United States in western Sahara, the United states in the Sahara war: a case of law – intervention in international dimensions of the western Sahara conflict, edition Yahya H. Zubair and Daniel Volman (west port, ct praeger, 1993) p:55.
9_ egya sungmuah, sultan Mohamed ben Youssef’s American stratrgy and the diplomacy of north African liberation, 1943 – 61, journal of contemporary history, 27 (1992) p: 192 – 48.
10_ «fiep» (association of European and Mediterranean gendarmies and police force with military status).
11_ (un projet sociétal d’un parti parfaitement organisé) Mohammed Ben khallouk, «aujourd’hui le Maroc» (10/10/2010).
12_ El omari veut une enquête sur de mystérieuses menaces de mort révélées par (skizofren) «tel quel» (12/10/2016).
13_ Hosni Benslimane déclare la guerre aux corromps, Fanarem (15/3/2015).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!