في الأكشاك هذا الأسبوع
11064701_1605211876403135_3855459190690851903_n

الحسن الثاني.. حكيم العرب والموسوعة الفنية العالمية

بقلم: رمزي صوفيا

   بماذا سأبدأ موضوعي عن جانب من جوانب حياة الملك العظيم، الراحل الحسن الثاني طيب الله ثراه، لن أستطيع ذلك ولو كتبت مجلدات، وهذا الجانب الذي سأكتب عنه اليوم يتعلق باهتمام جلالته بالمجال الفني ورعايته للفنانين المغاربة والعرب من فرط حبه للفن، حتى أن صحفية سألته ذات يوم عن الميدان الذي كان سيدخله لو لم يكن ملكا، فرد عليها فورا: “الموسيقى”، والملك الحسن الثاني كان معروفا بحبه للموسيقى وإتقانه الهائل للعزف على عدة آلات وخاصة الأكورديون، وثقافته الفنية التي لم يكن يضاهيه فيها أحد بمن فيهم الموسيقارات وعباقرة الطرب.

   ذات يوم من أيام عملي في مجلة “الأسبوع الأخير” التي كانت تصدر أسبوعيا في قبرص، كتبت مقالا شيقا عن جلالة الملك الراحل، الحسن الثاني، ونشرت صورته على الغلاف وعلقت على الصورة بعبارة “الحسن الثاني طبيب يداوي جراح العرب”، وكانت هذه العبارة واقعية بكل معانيها حيث أن الحسن الثاني كان يحرص على احتضان المغرب للقمم العربية التي طالما عالجت كل قضايا العرب تحت إشراف وتدبير جلالته وبفضل حكمته الكبيرة ونجاعة أفكاره، فكثيرا ما تمكن من تقريب وجهات النظر وإصلاح ذات البين بين الزعماء والقادة العرب الذين كانوا يحترمونه احتراما هائلا ويقتدون به ويستشيرونه في كل شاردة وورادة تهم بلدانهم، فكان يمدهم بأفضل التوجيهات وأنجع الحلول حتى أطلق عليه لقب “حكيم العرب”، ومن خلال الدور الكبير الذي لعبه الحسن الثاني في التقريب بين وجهات نظر الرؤساء والملوك العرب وحل نزاعاتهم بالحسنى، أذكر هنا نزاعا واحدا وخصومة واحدة لم يتمكن من حلها وهي خصومة الرئيسين الراحلين، صدام حسين وحافظ الأسد، اللذين ظلت عداوتهما وتناقض مواقفهما دائمين حتى رحلا عن هذا العالم.

   وفي عدد مجلة “آخر الأسبوع” الذي نشرت صورة العاهل المغربي الحكيم على غلافه وتحت الصورة عنوان: “الحسن الثاني طبيب يداوي جراح العرب”، والذي حمل معاني كبيرة، حيث انتشرت المجلة انتشارا هائلا وحصدت إعجابا عربيا كبيرا، ووصلت بين يدي جلالته فأعجب كثيرا بالمقال الذي كتبته داخل المجلة عن الأيادي البيضاء لجلالته في رسم معالم تقارب وتعاطف بين الزعماء العرب لفائدة القضايا العربية الكبرى، فأبدى لي إعجابه بالمقال وبالعنوان الذي اخترته له، فشكرت جلالته على هذا الإطراء الذي حفزني أكثر فأكثر على العمل الصحفي.

   وفي لقائي الموالي مع جلالته، قدمت له كتابي الفني: “أيام مع النجوم” الذي كنت قد طبعت طبعته الأولى في بيروت التي كانت معروفة بمطابعها المتطورة، وكان الكتاب من تقديم العندليب الأسمر، عبد الحليم حافظ الذي كتب لي عباراته الرائعة بخط يده فحرصت على طباعته على طبيعته وتضمن المؤلف مقابلاتي مع أشهر نجوم الشاشة والطرب في ذلك الوقت، وعلى رأسهم، محمد عبد الوهاب، فريد الأطرش، العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ، رشدي أباظة، يوسف وهبي، أنور وجدي، فاتن حمامة، شادية، نادية لطفي وسامية جمال، ومن هوليود، إليزابيث تايلور، كيرك دوغلاس، ريتشارد بورتون، ومن روما، صوفيا لورين، ومن باريس، بريجيت باردو وغيرهم من نجوم العالم بأسره، فاطلع جلالة الملك على الكتاب بدقة كعادته لأنه لم يكن يحتاج للكثير من الوقت لقراءة مجلد بأكمله، حيث كان يمكنه قراءة أعظم كتاب في بضعة دقائق ليقدم كل محتوياته بدقة متناهية وتحليل نادر الوجود، وهكذا قال لي جلالته وهو يمسك بالمؤلف: “إن تقديم عبد الحليم لكتابك بخط يده يعني الكثير ويؤكد بأنه يقدرك كثيرا، ولابد أنك بذلت مجهودات محمودة لأن هذا المؤلف يتضمن مقابلات مع كبار العالم الفني من مختلف جهات العالم، فكيف وصلت إليهم؟ فالذي أعرفه عنك هو أنك صحفي تكتب في السياسة وشؤون العلاقات بين الدول العربية بالخصوص، فكيف جمعت بين السياسة والفن؟ “فأجبته وأنا أكاد أطير من فرط سعادتي باهتمام جلالته بمؤلفي وقلت له: “سيدي صاحب الجلالة، لقد بدأت حياتي الفنية بالكتابة في مجال الفن وعملت مع عدد كبير من أكبر المجلات الفنية، مما أتاح لي فرصة التقاء عدد هام من كبار النجوم، ولكن حبي لعملي جعلني أسافر باستمرار بحثا عن هؤلاء المشاهير ورغبة في إجراء مقابلات معهم وهم في ذروة الشهرة والمجد، وتكبدت عناء كبيرا من أجل ملاحقتهم في كل ربوع العالم والوصول إليهم، ولكن التعب كان يتحول إلى فرحة كلما حصلت على موعد مع واحد أو واحدة من أولئك النجوم”، فسألني سؤالا هاما: “وما هو الهدف الحقيقي الذي سعيت للوصول إليه من وراء أسفارك نحو هؤلاء النجوم؟”، فشعرت وكأن جلالته وبذكائه الهائل الذي لا يمكنني وصفه، قد استشعر بمكنونات نفسي فقلت له: “لقد كانت الغاية من وراء رحلاتي هي التعريف بقضية العرب الأولى، وهي القضية الفلسطينية وتقريب حقيقتها وحقيقة معاناة الشعب الفلسطيني من أولئك النجوم الذين هم سفراء لدى ملايين الجماهير، وكان من المعروف عن إسرائيل أنها كانت تخصص أموالا طائلة للحملات الإعلامية بواسطة النجوم وبواسطة تمويل أكبر الأفلام السينمائية”، فضحك الملك وقال لي: “وهل اقتنع هؤلاء النجوم بكلامك؟”، فأجبته: “لا أدري يا سيدي، ولكني شعرت بأنني قد أديت واجبا وأمانة في عنقي، إضافة لحصولي على مقابلات فنية هامة بالنسبة لي كصحفي”، فانبرى جلالته بقوله لي: “بالنسبة للفنانين العرب، فإني عرفتهم واحدا واحدا حيث كانوا ولا زالوا يحيون حفلات عيد العرش وعيد الشباب، بل وحفلات خارج الأعياد الوطنية، وأوصي دائما برعايتهم والترحاب بهم وإكرام وفادتهم، أما الفنانون الأجانب، فلدي معلومات عنهم مثل ريتشارد بورتون وكيرك دوغلاس وإليزابيث تايلور وصوفيا لورين”، وأخذ يحكي لي بعض التفاصيل، فوجدت جلالته عبارة عن موسوعة حقيقية في المجال الفني بحيث كانت المعلومات الزاخرة لديه من المستحيل أن يتوفر عليها أعظم صحفي فني ولو قضى حياته في دراسة الفن.

   وأذكر أنني كنت ورئيس تحرير جريدة “السياسة الكويتية”، الأستاذ الجار الله قد أجرينا مقابلة صحفية ثانية مع جلالة الملك، الحسن الثاني في مراكش، وهي المقابلة التي أذيعت على شاشات تلفزيون المغرب وتلفزيونات الدول الخليجية. وخلال المقابلة، أخذ الحسن الثاني يحدث الجار الله الذي هو كويتي عن الكويت وعن تاريخ الكويت وتقاليده وأخباره وكواليس الحياة فيه، كما تحدث لي عن تاريخ العراق بكل تفاصيله وعن عهد الخليفة هارون الرشيد وعن حضارة العراق، فوقفت أنا والأستاذ الجار الله مذهولين من فرط دقة المعلومات التي وجدناها لدى جلالته وهي معلومات لم تكن لدينا نحن ولا لدى أي كويتي أو عراقي أو عربي حتى لو عاش في الكويت أو في العراق زمنا طويلا.

   وأتذكر أنني التقيت الموسيقار محمد عبد الوهاب في إحدى مقابلاتنا الصحفية، وعندما دار الحديث بيننا عن المغرب قال لي محمد عبد الوهاب بالحرف: “لقد تعلمت كل أصول الموسيقى وحققت كل طموحاتي في عالم الفن حتى حصلت على شرف حمل لقب موسيقار الأجيال، ولكنني عندما مثلت بين يدي ملك المغرب، الحسن الثاني، وجدت نفسي لا أساوي شروى نقير في عالم الموسيقى وفي مجال النوتة وأصول اللحن والغناء، فالثقافة الفنية والموسيقى التي يتوفر عليهما ملك المغرب لا تقاس بكمية ولا بمقدار، فهو خبير في مجال الفن بكل ما تحمل كلمة خبير من معاني عظيمة، وأنا واثق يا رمزي من أن أعظم فنان عندما يجالس الحسن الثاني سيشعر بأنه قزم في مجال الفن أمام الاطلاع الهائل الذي يمتلكه ملك المغرب”.

   وإضافة لحس جلالة الحسن الثاني الفني الكبير، وثقافته الموسيقية الهائلة وإتقانه لكل أنواع الفنون وكل طبقات النوتة وكل دروب الآلات الموسيقية، فقد كان ملكا في العطف المولوي على الفنانين المغاربة والعرب وكثيرا ما وقف إلى جانبهم ومد لهم يد العون، ولن ينسى العالم العربي موقفه العظيم مع عبد الحليم حافظ يوم جاء إلى المغرب لإحياء ذكرى أحد الأعياد الوطنية فأصيب بنزيف دموي حاد في معدته فأمر جلالة الحسن الثاني بنقله بسرعة إلى الولايات المتحدة لمعالجته، وبذلك أنقذ الملك حياة عبد الحليم حافظ، وهو الموقف الذي ظل عبد الحليم يلهج به للقريب والبعيد حتى آخر يوم في حياته، أما الفنانين المغاربة فلا زال الذين عاصروه منهم يذكرون أياديه البيضاء عليهم واهتمامه الكبير بالفن وذوقه الفني الذي كان يحفزهم على تطوير الأغنية المغربية حتى حققت الخلود وتحدت مرور السنوات.

   رحم الله ملك العطف والمحبة، ملك الذكاء والحكمة، ملك السياسة والفن والثقافة والأدب: الراحل العظيم، الحسن الثاني.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!