في الأكشاك هذا الأسبوع
mon-document

تاريخ | إجهاض الحكومة بتهمة التآمر على ولي العهد

عبد الله إبراهيم كان رئيس حكومة فتبعه “الوزراء الأولون”

إعداد: سعيد الريحاني

   من كان يتصور أن عبد الله إبراهيم، آخر رئيس حكومة، حمل هذا الوصف، قبل التراجع عن تعيين رؤساء الحكومات لصالح تعيين الوزراء الأولين، ستوافيه المنية في غياهب النسيان بتاريخ 11 شتنبر 2005، عندها فقط اكتشف بعض المغاربة، خاصة الجيل الجديد، أن الراحل هو رئيس “الحكومة المجهضة” التي استمرت لأكثر من 20 شهرا (استمرت من 4 دجنبر 1958 حتى 21 ماي 1960)، وقتها فقط عرف بعض المتتبعين أن الأمر يتعلق بالرجل الذي قال له الملك الراحل، محمد الخامس: “إما أن تقبل تشكيل الحكومة، وإما أن أغادر نهائيا نحو مكة أو المدينة لأمكث هناك مبتعدا إلى أن يقبض الله روحي”، هكذا قبل عبد الله إبراهيم “رئاسة الحكومة” في ذلك الزمن الذي لم يكن يطبعه التهافت، ولم تكن تلك هي المرة الأولى التي يرفض فيها منصب وزير، فقد عرض عليه الأمر في حكومة البكاي، الأولى والثانية، وحكومة بلافريج، ولكنه لم يقبل إلا في المرة الأخيرة، بشروطه الخاصة، بدءا من اختيار الوزراء، إلى استشارة أمير الريف، عبد الكريم الخطابي(..).

   يقول الراحل، محمد عابد الجابري: “واصل خصوم الوطنية والتحرر داخل دار المخزن مناوراتهم ومؤامراتهم بهدف إسقاط حكومة عبد الله إبراهيم، فلجؤوا إلى الكذب على الملك الراحل محمد الخامس، وإلى استعمال مختلف الأساليب المخزنية البائدة، التي كانوا يتقنونها، وسلكوا أساليب شيطانية رخيصة هم وعملاء الاستعمار وأصحاب المصالح والحاقدون والموتورون، وجميع هؤلاء كانت أسماؤهم وأخبارهم معروفة لدينا.. وفي النهاية نجحوا في مسعاهم إذ أعلن جلالة الملك محمد الخامس في 24 ماي 1960 أنه قرر أن يرأس الحكومة، وينيب عنه في مزاولة شؤونها، الأمير ولي العهد”.

   و”الأساليب المخزنية البائدة” التي استعملت لإقناع محمد الخامس، حكى عنها الجابري كما يلي: “يحكى أنه عندما جند هؤلاء ولي العهد ليطلب من والده، إقالة حكومة عبد الله إبراهيم، ولما رأو أن الملك الراحل، محمد الخامس لم يستجب لهذا الطلب قال محمد باحنيني، أحد قيدومي دار المخزن، لولي العهد: افعل كما كان أجدادك يفعلون، اسجد أمام والدك وامسك بقدميه لتقبلهما ولا ترفع رأسك إلا حين يعدك بتلبية مطلبك، ويقال إن الملك محمد الخامس قد تأثر بالموقف، ووعد.. ” (عن محمد عابد الجابري/ المؤامرة الكبرى لتصفية الاتحاد، إعدام 4 مقاومين، شبح شيخ العرب، اكديرة خادم مولاه، ومؤامرة 16 يوليوز 1963).

   في ذلك الزمن، اعتقل القيادي الاتحادي، الفقيه البصري والقيادي عبد الرحمان اليوسفي، ويشرح الجابري في يوم 17 دجنبر 1959، نشرت وكالة المغرب العربي للأنباء، خبرا نشرناه في الرأي العام، وقد ورد فيه أن التهم الموجهة للبصري واليوسفي هي كما يلي:

   1- تهجمات على مقام صاحب الجلالة المعاقب عليها في الفصل 41 من قانون الصحاف.

   2 – التحريض على ارتكاب جرائم ضد أمن الدولة المعاقب عليها طبقا للمادة 39 من نفس القانون.

   3- القيام بأعمال من شأنها أن تخل بالأمن العام.

    4- المس بسلامة الدولة”.. تهم لا يقبلها عقل، لقد كشفت عن ارتباك المخططين للمؤامرة، على الاتحاد وعدم تقديرهم للأمور التقدير الصحيح، ذلك بأنهم قد برروا عملية حجز جريدة “التحرير”، واعتقال البصري واليوسفي وبنوا هذه التهم الغليظة على ما ورد في تعليق نشر في عدد 13 دجنبر 1959، والذي جاء فيه: “ألح المجلس الوطني للحزب على وجود إصلاح حالة الفساد الإداري، بتطهير الجهاز الإداري من العناصر الهدامة الفاسدة، التي تعشعش في أركانه، لتحقيق أهداف إجرامية وعرقلة تقدم البلاد وازدهارها، فليس من المعقول أن تكون الهيئة المسؤولة أولا ومباشرة على شؤون البلاد، وهي الحكومة، غير متوفرة على السلطة والكافية لتسيير ومراقبة الجهاز الإداري التنفيذي التابع لها قانونا والذي يجب أن يؤلف معها كلا متضامنا لا يتجزأ، لوضع مقاييس منطقية للحكم، مطابقة للقواعد السليمة، كما يقول الاتحاد الوطني عن حق” (نفس المصدر).

   يشرح الجابري في فصل: “حملة قمع المقاومين باسم المؤامرة على ولي العهد”: “كان واضحا أن اعتقال البصري واليوسفي إنما كان تدشينا لحملة قمع واسعة ضد المقاومين الذين يشكلون إحدى القوى الثلاث التي يتكون منها الاتحاد الوطني، وهكذا، ففي 17 دجنبر، أي بعد يومين فقط من اعتقال البصري واليوسفي، اختطف المقاوم المعروف بـ”ميشيل الحريزي”، وهو الحاج الجيلالي الحريزي، اختطف وأنكرت وزارة العدل في بلاغ لها أن يكون لها علم بذلك، غير أن تنفيذ المخطط على نطاق واسع لم يبدأ إلا في منتصف شهر فبراير الذي شهد حملة اعتقالات واسعة النطاق طالت كبار المقاومين، كما طالت جيش التحرير الذي كان يعمل في الصحراء الغربية، الساقية الحمراء ووادي الذهب، وفي الصحراء الشرقية بتافيلالت، لقد صدر الأمر بحله،  واستغل في ذلك الزمن، زلزال أكادير يوم 29 فبراير 1960، بعد أن بلغ التضييق عليه مداه، ومعلوم أن جيش التحرير قد تمكن من تحرير الساقية الحمراء كلها ولم يبق فيها للجيش الإسباني وجود، إلا في بعض الجيوب البحرية، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، وجهت تهمة محاولة اغتيال ولي العهد للمقاومين المعتقلين، وقد ذكرت جريدة “ليفار” التي كان يصدرها أحمد رضا اكديرة، مدير ديوان ولي العهد، أن عضوا من أعضاء المقاومة تقدم إلى الدرك الملكي، وكشف عن مؤامرة أعدت بإحكام، لاغتيال ولي العهد، وأنه أخبر بمكان وزمان تنفيذ المؤامرة، وطالبت جريدة اكديرة بـ”الذهاب بالبحث إلى الزعماء، عن رأس الثعبان” غير أن اسم هذا المقاوم المزعوم لم يكشف عنه قط، ولم يواجه المعتقلين، ولم يرد ذكره، في أية مرحلة من مراحل البحث والتحقيق”.

نفس المصدر يقول: “وجهت تهمة حيازة أسلحة لبعض المقاومين، غير أنه سرعان ما وضعت الأمور في نصابها الحقيقي، وأوضحت أن الأمر لا يعدو أن يكون بعض المقاومين قد احتفظ بمسدسه الذي استعمله في زمن المقاومة كتذكار لا غير.. وقد أثار اعتقال رجال المقاومة ردود فعل وطنية، كان أبرزها استقالة شيخ الإسلام، محمد بلعربي العلوي، عضو مجلس التاج، وأدلى بتصريح لجريدة الرأي العام، ندد فيه بالمؤامرة ودعا إلى تصفية مصالح الاستعمار 10 مارس 1960، أما صك الاتهام الموجه للمقاومين فقد كان يتألف من أربعة تهم، هي: المس بسلامة الدولة، مؤامرة تستهدف اغتيال ولي العهد، التملك غير الشرعي للسلاح، تأسيس عصابة للإجرام” (حسب نفس المصدر).

   أثار اعتقال هؤلاء المقاومين البارزين، حسب الجابري، والتهم الغليظة الموجهة إليهم والملاحقات التي طالت زملاءهم، في جميع أنحاء المغرب، ردود فعل ساخطة على مختلف المستويات، خصوصا لدى المقاومين الذين بقوا خارج الاعتقال، سواء منهم الذين كانوا يشغلون وظائف، أو من كان خارج الوظيفة، ومن ردود الفعل التي اكتست طابعا خطيرا، ذلك الذي صدر عن بعض قدماء المقاومين الذين لم يتحملوا ما تعرض له إخوانهم من اعتقال تعسفي وتهم باطلة، وما كانوا يتعرضون له من استفزازات تعسفية، فالقائد البشير، قائد ببني ملال، لم يتمالك نفسه حين تعرض للاستفزازمن طرف عميد للشرطة معروف بماضيه سيء السمعة، أن أخرج مسدسه وهما في حالة شجار انتهى بسقوط عميد الشرطة، تحت وقع ضربة المسدس، فاعتصم القائد البشير بالجبل ناحية بني ملال، في شبه عصيان، ثم التحق به آخرون، وفي نفس الإطار، كان تمرد مراكش: رجال من المقاومة اعتصموا بالجبال: الشافعي والبشير المطاعي، وحسن الروداني، وقد لاحقتهم فرقة من القوات الملكية وقتلتهم”.

   كان لهذه الأزمة أثرها في الصحافة الدولية، إذ يقول الجابري، بأن جريدة “لوموند” الفرنسية كتبت مقالا تحليليا، يوم 29 مارس 1960 قالت فيه: “مازال الخلاف العنيف بين من يؤيدون حكومة عبد الله إبراهيم ومن لا يساندونها مسترسلا، لقد انفجرت الأزمة التي كانت خامدة منذ شهور، إلا أنها لم تتخذ صبغة حرب أهلية كما كان البعض ينتظر، هذا وقد استطاعت حكمة عاهل المغرب أن تنقذ البلاد من شرها.. والصراع الذي قوم من جهة بين شخصيتين مهمتين في الحكومة، وهما عبد الله إبراهيم وعبد الرحيم بوعبيد مدعومين في عملهما بالعمال والاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وبين القوى المتجمعة حول الأمير مولاي الحسن، التي تريد أن تضع مكان الحكومة الحالية حكومة عازمة على أن تطبق باسم السلطان سلطة إجبارية مستبدة، إن هذا الصراع يتضخم يوما بعد يوم، وقد ظهرت حادثتان بلغتا من الخطورة كل مبلغ، واحدة في الجبال وأخرى في صفوف العمال، فانفجار هاتين الحادثتين هو الذي جعل المغرب يعتبر في مأزق حرج وخطير، والانشقاق المتولد في الأطلس جنوب خزان بين الويدان والذي يترأسه قائد بني ملال، هذا الانشقاق ينتشر يوما بعد يوم، بين القوى الجبلية جنوب مدينة مراكش وشرقها، وهو لا يتصف بما اتصف به خرق الطاعة الذي قام به عدي أو بيهي بتافيلالت سنة 1957، ثم أمزيان بالريف سنة 1958، فالذين يقومون بهذه الثورة هم رجال شاركوا سنة 1954 و1955 في النهضة الثورية التي انبثقت من البيضاء وتأججت نارا حامية على الاستعمار وأعوانه” (من كتاب محمد عبد الجابري/ التجربة المؤسسة: ضيق المكان وكثافة الزمان).

   هكذا إذن، دخل المغرب في أزمة سياسية كبرى في عهد عبد الله إبراهيم، لكن “لم تمر سوى أيام على الأزمة التي اصطنعت، والتي أعطي لها عنوان محاولة اغتيال ولي العهد، حتى بدأت مخاطرها تتضح متجاوزة حسابات صانعيها، مما جعلهم يشعرون بالمصير الذي يهدد البلاد من جراء أكاذيبهم ومؤامراتهم، وهكذا بدأ نوع من التراجع، وحصلت اتصالات مع الملك الراحل بهدف التنبيه إلى عدم جدية ما يدعيه الذين اختلقوا الأزمة، وإلى خطورة الأمر على البلاد ومستقبلها، وكانت النتيجة أن أخذ الملك محمد الخامس يحقق في الأمر بنفسه، ثم استدعى وزير العدل، وطرح عليه السؤال التالي: هل صحيح أنه كانت هناك مؤامرة على سمية سيدي، يعني مولاي الحسن وولي العهد، فأجاب الوزير بالنفي، وحينها قرر الملك وضع حد للقضية” (عن كتاب عابد الجابري)، لحسن حظ المغرب وقتها، أن الملك محمد الخامس تدخل.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!