في الأكشاك هذا الأسبوع
453

خاص | المحكمة الدستورية أمام امتحان أخلاقي لإسقاط لوائح زعماء الترحال الحزبي

الرباط. الأسبوع

   هل سمعتم في حياتكم، وزيرا في الحكومة، يقضي ولاية حكومية كاملة باسم حزب معين، وعند نهاية الولاية، يترشح باسم حزب آخر، فيصبح المشهد كالتالي: “الوزير لحسن حداد، وزير السياحة، باسم الحركة الشعبية في الحكومة، هو مرشح حزب الاستقلال في اخريبكة للانتخابات التشريعية لسنة 2016″، ما حكم القانون في ذلك؟ قد يقول قائل، إن لحسن حداد، استقال من حزب الحركة الشعبية، كما هو مدون في استقالته التي قال فيها لأمينه العام العنصر: “أنه تعرض لمضايقات، توجت بحرمانه من التزكية.. إن الحزب لا يعير اهتماما للتوجه والمنهجية الديمقراطية في جميع اختياراته، وأصبح من الصعب حاليا تمرير أي قناعات إصلاحية داخله من أجل إعادة بنائه، وصار بمثابة عائلة تستفرد بالقرار وتقصي النخب” يقول حداد.

   وجود حداد في منصب وزير باسم الحركة، ومرشح باسم حزب الاستقلال، جعله محط سخرية، حتى أن بعض المواقع، نقلت عن الوزير الوفا، المطرود من حزب الاستقلال، “كون كان فيهم الخير كون بقيت معاهم”، غير أن الضربة الكبرى التي قد يتلقاها حداد قد تأتيه من حزب الحركة الشعبية، حيث يوجد دهاة السياسة، فحزب الحركة الشعبية قد يعلن في أي لحظة عدم قبول استقالة حداد، وهو ما يعني عمليا سقوط حداد حتى لو نجح.

   حالة الوزير حداد، وإن كانت صارخة، فإنها ليست سوى نموذجا للترحال الحزبي الكبير الذي شهده البرلمان خلال هذه الانتخابات التشريعية، لكن تناقضاتها لا تصل إلى مستوى التناقض، الذي عبر عنه نجيب الوزاني، زعيم حزب العهد، الذي لا يعرف موقعه اليوم داخل الحزب، بعد أن بات مرشحا باسم حزب “المصباح”، ليطرح السؤال الأخلاقي، “طالما أن الوزاني كان سيترشح باسم حزب العدالة والتنمية، لماذا قام بتزكية عشرات المرشحين باسم حزب العهد، وكيف يمكن لوزارة الداخلية أن تقبل ملف الوزاني كمرشح باسم حزب بن كيران، بينما هو نفسه الشخص الذي وقع لمرشحين آخرين تزكية لخوض الانتخابات”.

   لا أحد لحد الآن طعن في ترشيح لائحة منافسة، لكن الطعون تظهر بعد النتائج، فماذا سيكون جواب المحكمة الدستورية التي كانت شاهدة على ترحال عشرات النواب من أحزاب إلى أخرى، في خرق سافر للقانون، حيث يفرض القانون بعث الاستقالة إلى مكتب مجلس النواب ثم عرضها على الجلسة العامة، وهو ما لم يحصل، لأن البرلمان أنهى ولايته التشريعية، فضلا عن كون البرلمانيين المحترمين، لم يتذكروا تقديم استقالاتهم إلا في الوقت بدل الضائع.

   هذا من حيث المضمون، أما من حيث الشكل، فإن كل حزب سياسي اختار تدشين حملته الانتخابية بطريقته، حيث يمكن القول إن صورة إلياس العماري محمولا فوق دراجة نارية، هي التي دشنت حملة حزب “الجرار”، ليشرح مقربون منه أنه ركب فوق الدراجة النارية التي لا علاقة لها بالرمز الحزبي “التراكتور” بزحمة الدار البيضاء، أما حميد شباط، فقد اختار العودة إلى مهنته الأصلية، “السيكليس” حيث زار المهنيين في المجال ونشر صوره معهم، غير أنه اختار هذه الانفتاح على مهنة جديدة وهي مهنة “الشفناج”، لماذا يرمز “الشفنج”، ولماذا يرمز “الموطور”، لا أحد يملك الجواب، لكن السياسيين فعلوها.

   ويبقى أهم ما يميز الانتخابات التشريعية المزمع تنظيمها، هو “الترحال الحزبي المستفحل” الذي يمس ذلك التعاقد بين الناخب والمنتخب، ولهذا كان من الطبيعي على أن يجرم دستور 2011، استجابة للمطالب الشعبية الترحال الحزبي، في الفصل 61 الذي يقول:”يجرد من صفة عضو في أحد المجلسين، كل من تخلى عن انتمائه السياسي الذي ترشح باسمه للانتخابات، أو عن الفريق أو المجموعة البرلمانية التي ينتمي إليها.. وتصرح المحكمة الدستورية بشغور المقعد، بناء على إحالة من رئيس المجلس الذي يعنيه الأمر، وذلك وفق أحكام النظام الداخلي للمجلس المعني، الذي يحدد أيضا آجال ومسطرة الإحالة على المحكمة الدستورية”، لكن النواب تحايلوا على هذا الفصل بتقديم الاستقالة عندما استنفذوا ولايتهم الانتخابية فظهر فصلا بدون قيمة، ولن تعود له أي قيمة إلا بتدخل المحكمة الدستورية(..)، التي تواجه اليوم تحدي تسييسها من الداخل، حيث سيكون للحزبيين مقعد إلى جانب القضاة(..).

   يقول موسى أقصبي، وهو باحث في القانون الدستوري، بقراءة بسيطة للأحكام والمقتضيات، سواء الدستورية منها أو الواردة في القانون التنظيمي للأحزاب السياسية، “يتضح أن هناك رغبة وإرادة حقيقية للقطع مع أسلوب الترحال الذي أساء كثيرا للعمل السياسي وللأحزاب السياسية، بل أساء كثيرا كذلك للناخبات والناخبين وتزوير إرادتهم الحقيقية التي يعبرون عنها من خلال التصويت للون سياسي معين، وهذا هو المفروض كما يحصل في الديمقراطيات الحقيقية”، ومناسبة هذا الكلام، هو الإشكالية المطروحة اليوم التي تتلخص في التالي: في حالة ما إذا قرر أحد المنتخبين سواء على مستوى البرلمان أو الجماعات الترابية أو الغرف المهنية، الترشح بهيئة سياسية أخرى غير الهيئة السياسية التي عن طريق تزكيتها اكتسب الصفة التمثيلية، هل يكفي الاستقالة من الحزب الذي فاز باسمه، وبالتالي يصبح حرا طليقا والاحتفاظ بعضويته التمثيلية؟ أم لابد له من الاستقالة الحزبية والاستقالة التمثيلية؟

   نفس المصدر يقول أمام هذا الإشكال: هناك الرأي الأول، القائل بالاكتفاء فقط بالاستقالة الحزبية، والاحتفاظ بالتالي بشرف عضوية التمثيلية، وأعتقد بأن هذا يخالف، بل يضرب في العمق كل المجهودات التشريعية من أجل محاصرة ظاهرة الترحال الحزبي، لأن هذا معناه وجود منتخبين على مستويات عدة بألوان سياسية مختلفة.. وهناك الرأي الثاني القائل بضرورة تقديم الاستقالة الحزبية، وكذا الاستقالة من المهمة الانتدابية والتمثيلية، كل من أراد أن يغير انتماءه السياسي والترشح باسم هيئة سياسية أخرى في الانتخابات المقبلة سواء التشريعية أو المحلية أو الإقليمية أو الغرف المهنية، وهذا الرأي في اعتقادي هو الأقرب للصواب وللمنطق التشريعي والسياسي، لأن من يكتسب مهمة انتدابية وتمثيلية باسم حزب سياسي معين، لم تعد ملكا شخصيا له، بل يشاركه فيها الحزب الذي منحه التزكية، بل يشاركه فيها جميع الناخبات والناخبين الذين من المفروض أنهم صوتوا لذلك اللون السياسي، ويتم بالتالي تجريده من عضوية البرلمان إذا كان برلمانيا عن طريق المحكمة الدستورية صاحبة الاختصاص في هذه الحالة، فيما يعود اختصاص التجريد من عضوية مجالس الجماعات الترابية والغرف المهنية للمحاكم الإدارية” (عن موقع هسبريس).

   هكذا إذن يتضح أن انتخابات 2016، لن تكون سوى مقدمة للطعون، وأن المحكمة الدستورية أمام امتحان أخلاقي لتنزيل المعنى النبيل للدستور، بعد أن تتخلص من عقدتها الداخلية، وهي الخروج إلى حيز الوجود حيث أن الملك لم يقبل بعض الأسماء الحزبية التي اقترحت عليه في ظل البرلمان المنتهية ولايته.

   يمكن القول إن عبد الإله بن كيران هو المستفيد الأكبر من محاربة ظاهرة الترحال الحزبي، سواء كانت هناك طعون أم لا، وهو الذي سجلت عليه الصحافة قوله: “إياكم تبقاو جالسين فديوركم يوم 7 أكتوبر، دافعوا عن أنفسكم وعن بلادكم، بغيت نشوف الصف في مكاتب التصويت، والناس مخايفينش، عطيونا صوتكم وخليونا منا ليهم”، هكذا تحدث بن كيران والكل يصب في اتجاه “القيامة”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!