في الأكشاك هذا الأسبوع
5666

تحليل إخباري | عودة “الذيب”.. اتهام علني للدولة باللجوء إلى خدمات تجار المخدرات

خط التماس بين رجال المخابرات والمخدرات والسياسة

إعداد: سعيد الريحاني

   في مجال السينما، لازال فيلم “العراب”، الذي لعب دور بطولته الممثل العالمي “آل باتشينو” كقائد لإحدى أكبر العصابات العائلية بنيويورك، واحد من أشهر أفلام العصابات، التي تحكي عن الفترة الممتدة بين 1945 و1955، حيث تحول “مايكل كورليوني” من مواطن عادي إلى زعيم مافيا إيطالية انتشرت بشكل عنكبوتي في نيويورك، اختلط فيها السياسيون ومسيرو دور “البغاء” ومروجو المخدرات والمسؤولين، لدرجة أن الكل أصبح يطلب الحماية من هذه العائلة المفيوزية(..).

   الخلط بين السياسة وتجارة المخدرات، في رواية أو فيلم سينمائي قد يبدو أمرا عاديا، لكن الأمر حدث فعلا على أرض الواقع هذا الأسبوع، وها هو “آل باتشينو” المغربي، وهو المعروف بـ”الذيب” يدلي بتصريح خطير للصحافة الوطنية، متباهيا بالخدمات التي قدمها للدولة عندما كان تاجرا كبيرا للمخدرات في شمال المغرب، ويقول: “كنت أتعاون مع الدولة، لكن في بعض الملفات الأمنية، وهذا أمر لا أخفيه، فقد أسهمت في القبض على أحد المجرمين الذين قتلوا أجانب بطنجة، بعد أن فشلت الأجهزة الأمنية في اعتقاله، كما اعتقل رجالي جزائريا كان متهما في الأحداث الإرهابية لفندق “أطلس أسني” بمراكش سنة 1994، وسلمته إلى السلطات الأمنية”.

   نفس الشخص، المعروف على نطاق واسع بمنطقة الشمال، قبل وقوع ما سمته الصحافة العالمية “سقوط كتامة”، قال: “كنت أحرس البحر من منطقة كاب سبارطيل إلى القصر الصغير لصالح المغرب، خصوصا وأن نهاية التسعينات عرفت مشكل الهجرة السرية عبر القوارب نحو إسبانيا، وقد كانت الدولة نفسها عاجزة عن ضبط العشرات من القوارب التي تنطلق يوميا من السواحل المغربية، فكنت أوفر للدولة أمن البحر في هذه المساحة، حيث يمنع كليا على أي “حَرّاك” أن يعبر في المنطقة التي يحرسها رجالي (حوار حميدو الذيب واسمه الحقيقي، أحمد بونقوب مع موقع هسبريس بتاريخ: 25 شتنبر 2016).

   تصوروا نفوذ هذا الرجل الذي لم يسقط إلا إبان “الحملة التطهيرية” لسنة 1996 في زمن إدريس البصري، وهو يقول بأن رجاله ساعدوا في إلقاء القبض على جزائري متهم في أحداث “أطلس أسني”، التي وقعت في 24 غشت 1994، وهي أول عمل إرهابي يحدث بالمغرب، نتج عنه إغلاق الحدود إلى اليوم مع الجزائر، بعد أن وجهت أصابع الاتهام إلى المخابرات الجزائرية.. تصوروا عدد العتاد والرجال الذين يمكن أن يملكهم هذا الرجل ليقول إن كان يحرس واجهة بحرية بكاملها نيابة عن الدولة المغربية(..).

   لماذا اختار الذيب، أحمد بونقوب، هذا التوقيت بالذات ليكشف قصته مع البصري والمخدرات وخدمات الدولة؟ لماذا اختار الحملة الانتخابية ليقول إنه يطالب بممتلكاته فقط(..)؟ وللعلم فقط، فإن ممتلكات “الذيب” تبلغ قيمتها على الأقل ما بين 30 و40 مليار سنتيم.. تم الحجز عليها إبان الحملة التطهيرية التي أطلقها إدريس البصري، بتوجيه من الملك الحسن الثاني، علما أن صاحب الفكرة هو إدريس جطو، الذي تكلف بالإعداد التقني للحملة، قبل أن تتحول العملية كلها إلى وسيلة “لتصفية الحسابات” بيد وزير الداخلية، الراحل إدريس البصري، الذي لم يكتف بحبس التجار، بداية من درب عمر.. التجار النافذين الذين قال عنهم المؤرخ هاريس، “إن صناديق الدولة كانت فارغة، وكل تاجر مشارك مع وزير يحميه ويرخص له، إلى أن يقسم مع التاجر أرباحه”، في ذلك الزمن، قال البصري في اجتماع كبير مع رجال الأعمال، إنه يتوفر على لوائح تضم 3 آلاف مقاول مرشحين للسجن.

   الحملة التطهيرية التي كان “الذيب” واحدا من “ضحاياها”، تميزت أيضا بتفكيك عدة شبكات للاتجار في المخدرات، حيث كانت اللجنة العليا لمكافحة المخدرات قد أعلنت عن تفكيك ست شبكات، أهمها أربع، الشبكة الأولى يتزعمها عبد العزيز اليخلوفي، الذي مات في ظروف غامضة بالسجن بعد عملية جراحية فاشلة، وكانوا يقولون عنه إنه صديق الرئيس الكوبي فيديل كاسترو، بل إن مداخلات الدفاع أثناء المحاكمة ومقالات الصحافة كانت تتحدث عن الدور الذي كان يقوم به في قضية الصحراء، حيث كان يقف وراء إقناع عدد من المنتسبين للبوليساريو بالعودة إلى المغرب.. الشبكة الثانية التي سقطت إبان الحملة التطهيرية كان يوجد على رأسها “الياطوط” وتم اعتقاله بعد اكتشاف 533 كيلوغراما من الحشيش مخبأة وسط شحنة من الزرابي، كانت موجهة نحو بلجيكا انطلاقا من مطار الرباط سلا، أما الشبكة الثالثة، فقد كان يتزعمها محمد سلامة الملقب بـ”الدرقاوي”، وتم ضبطها عقب عملية تفتيش عند حاجز أمني على طريق طنجة تطوان تم من خلالها ضبط أربع سيارات محملة بـ1390 كيلوغراما من الحشيش، خلال هذه العملية، اعترف المقبوض عليهم بعلاقاتهم مع شبكة المخدرات التي كان يديرها أحمد بونقوب الملقب بـ”الذيب”، هذه الشبكة اعتبرت في ذلك الوقت أكبر شبكة لتجارة المخدرات، وكانت العناصر الأولية للتحقيق كشفت أن “الذيب” يمتلك ثروة هائلة تضم أملاكا وعقارات وسيارات فارهة، كما تم حجز جهاز اتصال لاسلكي تفوق قدرته الجهاز الذي كانت تتوفر عليه وزارة البريد والمواصلات السلكية واللاسلكية.. (الأسبوع عدد: 13 يوليوز 2013).

   لم تتح الفرصة للصحافة من أجل الحديث مع اليخلوفي، الذي دفنت معه كل الأسرار بعد وفاته، رغم أنها نقلت عنه قوله: “أنا إنسان أزاول التجارة، ولو أني وجدت رجالا في هذا البلد ممن يرغبون في مساعدتي على خدمة المغرب، لكنت كنست بلحية فيديل كاسترو شوارع بلدي..”، وهي نفس الصحافة التي قالت إنه كان عميلا لمخابرات أكثر من دولة(..)، ولكن الفرصة سنحت أخيرا بالحديث مع “الذيب”، وما أدراك ما “الذيب” عند من يعرفونه، الرجل الأول في الشمال أيام الحسن الثاني، هذا الأخير قضى 10 سنوات في السجن، قبل أن يعفو عنه الملك محمد السادس سنة 2003، وها هو اليوم يعلنها مدوية أمام الملإ بأنه كان يقدم خدمات للدولة(..)، ويطالب بممتلكاته، بل، إن الذين كانوا يتعاملون معه قالو إنه سينال وساما ملكيا على ذلك(..) حسب قوله، وهذه أول مرة يظهر فيها تاجر مخدرات على أنه ضحية للأجهزة.. “إن ما كنت أتحصل عليه شخصيا من الاتجار في المخدرات لا يتعدى نسبة 20 في المائة، والـ80 في المائة الباقية تذهب إلى جهات مختلفة، وكذا إلى الأعمال الخيرية، فقد فتحت العديد من البيوت للعاملين معي أو ممن ليست لهم القدرة على العمل الذين كنت أوفر لهم راتبا شهريا قارا، مع رعاية العديد من العائلات والمساجد بالشمال المغربي، وهذه حقيقة يمكن أن يشهد بها كل المقربين مني في تلك الفترة”.. (المصدر: حوار الذيب مع موقع هسبريس).

   “الذيب”، اليوم بملامحه البريئة، لا يطلب شيئا سوى توقيف النصب على أملاكه، حسب قوله، والفاهم يفهم.. “بفضل الملك محمد السادس، توقف النصب على أملاكي، فقد جُمّدت جميع إجراءات السطو على ما تبقى لي من بعض البيوت والأراضي، خصوصا أن البصري كان قد أعطى أوامره شخصيا بأن يبقى ملف محاولة استرجاع أملاكي مجمدا، ليستطيع التصرف فيها خارج أي سند قانوني، غير أن العديد من الظروف تغيرت حاليا، لذا، أطلب من الملك محمد السادس أن يفك عقدة ملف أملاكي التي ما زالت تحت رحمة إدارة الأملاك المخزنية، خارج جميع النصوص القانونية، ولديّ كل الإثبات على ذلك، هذا كل ما أطلبه، لا أكثر”. هكذا يتحدث “الذيب” في مناشدته للملك محمد السادس.

   حكاية “الذيب”، رواية سينمائية أكثر تشويقا، من فيلم “العراب”، ولمن لا يعرفه عليه أن يعود إلى سنة 1996 ليقرأ سيرته الذاتية، فقد ولد أحمد بونقوب سنة 1944، بدأ كمساعد بحار وهو في سن السادسة عشر على متن مركب يقطع المسافة الفاصلة بين طنجة وإسبانيا ذهابا وإيابا، وما إن حلت سنة 1970، حتى كان الشاب “الذيب” قد تمكن من شراء مركب صغير استعمله مباشرة في نقل كميات من المخدرات، ومع مرور الوقت، توسعت خبرته وتحول إلى أشهر ناقل للبضاعة، قبل أن يتربع على عرش إمبراطورية كاملة.. سقطت عندما سقطت كتامة، فبعد صدور أمر باعتقاله في فبراير 1996، بدأ “الذيب” يتنقل بين شققه وإقاماته في مدينة طنجة، وذلك لتضليل قوات الأمن قبل أن يستقر به الحال في إحدى شققه التي تطل على شارع باستور، المتقاطع مع شارع أحمد شوقي.. هناك وصلته مكالمة هاتفية أكدت له أن الحي كله محاصر، فانتقل من شقته إلى الشقة المقابلة، ومن تم اختبأ في نفق المصعد، طوال أسبوعين.. وهكذا اضطر “الذيب” إلى تسليم نفسه، بعد أن أنهكه الجوع، وقد وجدته قوات الأمن لحظة إلقاء القبض عليه منهكا للغاية.. قبل أن تنتزع منه اعترافات مثيرة، في تمارة(..)، وها هو اليوم يخرج من جديد للعلن، ليبقى السؤال مطروحا عن تداعيات هذا الخروج(..).

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!