في الأكشاك هذا الأسبوع
2566

الحقيقة الضائعة | ما جرى بين بنعبد الله وفؤاد الهمة جرى بين عبد الرحيم بوعبيد وجديرة

… المستشار الذي يدخل على الملك في غرفة نومه

بقلم: مصطفى العلوي

   لم تنطفئ بعد، الجذوة التي التهبت منذ أسابيع، حول حكاية الوزير نبيل بنعبد الله، وقد توسعت الصحف والتعاليق، بشكل غير مسبوق، في الأسباب والمسببات، ولكن الاتفاق حصل في استنتاجاتها على أنها كانت غضبة ملكية، فعندما قال نبيل بنعبد الله حرفيا لجريدة “الأيام”: ((إن مشكلتنا ليست مع الأصالة والمعاصرة، كحزب، بل مشكلتنا مع من يوجد وراءه(…) وهو بالضبط من يجسد التحكم(…) وسأله الصحفي من يوجد وراءه، فأجاب نبيل: الأمور واضحة…)) ليفسر الصحفي المطلع(…) مصطفى السحيمي في جريدة “ماروك إيبدو”، معلقا: ((إن الملك لم يستطع أن لا يتدخل)) أحب بن كيران، أو كره بنعبد الله، فإن الغضبة الملكية ثابتة.

   وما كان بالإمكان أن يصدر بيان من الديوان الملكي، دون الموافقة الملكية، وقد كان ملك الملوك(…) هارون الرشيد، قد قال: ((إنا معشر الملوك، إذا غضبنا على أحد من بطانتنا(…) ثم رضينا عليه بعد ذلك، بقي لتلك الغضبة، أثر لا يخرجه ليل ولا نهار)).

   لنبقى وجها لوجه أمام إشكالية المستشار الملكي، فؤاد الهمة، الذي برأه بيان الديوان الملكي، من كل تدخل، بينما مهمة المستشارين الملكيين، هي التدخل(…) إن لم تكن في الواقع هي التحكم(…).

   كتب واحد من أقطاب المستشارين الملكيين، أيام يا حسرة(…) الأستاذ عبد الهادي بوطالب: ((إن وظيفة المدير العام للديوان الملكي، هي أكبر رتبة في الدولة(…) وهكذا كان جديرة يشرف من الديوان، على وزارتي الخارجية والداخلية، وإدريس السلاوي على وزارة الاقتصاد والمالية والتجارة والصناعة، وأحمد بنسودة على وزارتي الشبيبة والرياضة والأوقاف والشؤون الإسلامية، وعبد الهادي بوطالب على وزارات العدل والإعلام والتعليم وشؤون البرلمان)) (نصف قرن من السياسة. عبد الهادي بوطالب).

   وحسب الظاهر، فإن الديوان الملكي في عهد الحسن الثاني، وخلفه محمد السادس، لم يتغير، حتى مكاتب الديوان الملكي السابق، بقيت هي مكاتب الديوان الحالي، باستثناء تواجد مدير سابق للديوان الملكي، من وزن إدريس المحمدي، أو رضى جديرة، وربما لافتقاد أقطاب من وزن مدراء الديوان السابقين، رغم ما يتسرب، من تواجد الصراعات بين أعضاء الديوان الملكي الحاليين، المطبوعين بصمتهم، وحتى صمت الظروف التي يعينون فيها، وربما صدق البلاغ الأخير للديوان الملكي، حين قال بأن: ((أعضاء الديوان الملكي لا يتحركون إلا في إطار التعليمات الملكية)) خلافا للظروف المتميزة السابقة في عهد الحسن الثاني، الذي حرص على إحضار الصحفيين، وألقى خطابا علنيا بمناسبة تعيين واحد من مديري الديوان الملكي، يوم 16 مايو 1973، العباس القيسي، وراجعوا ماذا قال الملك في تعيين كبير مستشاريه: ((لست في حاجة لأن أعرفك بالمزايا التي يجب أن تكون عند مدير ديواني، فوجودكم بجانبنا سيخولكم المعرفة، بأن تلك المزايا في حاجة إلى تكوين مزدوج متين.. الشيء الذي تمتاز به أنت، وإلى حياة منظمة منسقة الشيء الذي تتمتع به، منكبا على الدراسات، شغوف بالعمل، وبعد التمحيص لم أر من يخلف السيد الداي ولد سيدي بابا الذي أتأسف على ذهابه إلا السيد عباس القيسي، أوصيك أن لا تدهش وأن تنكب على عملك في أقرب وقت)).

   دستوريا، وسياسيا، ووطنيا، ومنطقيا، يفترض في الديوان الملكي أن يكون صلة الوصل بين الملك وحكومته، والملك وشعبه، وأن يكون الديوان الملكي بريدا مفتوحا بين القصر والشعب، وها هو الحسن الثاني، وعندما عين جديرة وبوطالب، وإدريس السلاوي، وأحمد بنسودة في يوم واحد أعضاء في الديوان الملكي، توجه إليهم قائلا أمام الكاميرات والميكروفونات: ((دعوني أشرح لكم شروط اختيار المستشار والمؤهلات لكي يشغل مهامه بجدارة، في هذا المنصب الكبير، أنا لا أختار مستشارا لي، إلا من تقلب في وظائف وزارية كبرى، ونجح فيها، وإلا من يتوفر على التكوين السياسي لرجل الدولة(…) المستشارون هم خلصائي وجلسائي، فلا أختارهم إلا من بين الذين يعرفوني وممن لا يضايقني أن أستقبلهم، ولو في غرفة نومي(…) وحتى من دون أن أكون قد غادرت الفراش)) (انبعاث أمة. سنة 1978).

   وطبعا لن يستقبل ملك البلاد، وهو يلبس البيجاما، مستشارا له بالديوان الملكي، إلا من أجل الاطلاع على الأمور المستعجلة، التي تهم حاضر البلاد ومستقبلها.

   وطبعا، لم تكن مهام المستشارين الملكيين، مقصورة على تبليغ أخبار: الأمة بخير.

   بل إن جزئيات ما خلفه لنا تاريخ المستشارين الملكيين أيام الحسن الثاني، تنضح بالقضايا الوطنية الكبرى، رغم أن صداقة الملك المتميزة للمستشار الأكبر أحمد رضى جديرة، الذي كان يطمح إلى أن يكون المستشار الأول أو الخاص، وقد كان جديرة مشهورا بأنه يستخدم صداقاته مع بعض الصحفيين الفرنسيين، ليكتبوا عنه أنه المستشار الخاص للملك، ولكن عظمة الملك لا تنطلق إلا من تقديره لضخامة المسؤولية الإلهية، التي تحتم عليه أن يكون ملكا للجميع.

   وعندما ضعف الحسن الثاني أمام صداقته مع جديرة، تحلى رئيس الحكومة أحمد عصمان، بشجاعة صرح بها أمام الصحف قائلا: ((إن المغرب غير محكوم، وأن على الحكومة أن تمارس سلطتها)) وغضب الحسن الثاني، كما غضب ولده محمد السادس، عندما سمع الأب بغضبة الوزير الأول، على المستشار جديرة، فأمر بتوقيف حكومة عصمان، تحت ضعفه أمام صداقته مع كبير المستشارين(…) رضى جديرة، الذي اكتشف الحسن الثاني حقيقة صداقته صباح العاشر من يوليوز 1971، عندما هاجم الثوار قصر الصخيرات، وعلم أن أول الهاربين كان هو الصديق الوفي، رضى جديرة، الذي تسلل بطريقته الخاصة، وهرب راجلا، تاركا صديقه الحميم الحسن الثاني وجها لوجه أمام رشاشات الثوار.

   وانتظر الحسن الثاني طويلا، إلى أن يتذكر غضبته مثل هارون الرشيد حين كان يملي مذكراته الشخصية على الصحفي الفرنسي، “إيريك لوران”(…) وخلال سرده لسنوات ملكه الطويلة: ((ذكر اسم جديرة، في ثلاث سطور، بينما خصص للرجل القوي الذي عاشره سنوات طوال إدريس البصري سطرين اثنين، وتحدث عن المهدي بنبركة في خمسة عشر صفحة)) (كتاب الحسن الثاني. إنياس دال).

   قبل هذه الملاحظة الدقيقة للصحفي الفرنسي، كتب خبراء المؤرخين قرونا من قبل: ((إن رجل البلاط الذي ينساق وراء حميمية الملك، يكون معرضا لخطر كبير)) (العبد والرعية. محمد الناجي).

   ورحم الله القطب عبد الهادي بوطالب الذي عاش طويلا في قلب البلاط الملكي وكتب: ((إن رحى دسائس القصور، لا تتوقف عن الطحين)).

   دسائس القصور، كثيرا ما توقفت رحاها عن الطحين، عندما تكون الإرادات الحزبية، والشخصيات القوية متمسكة في مواقفها بالصمود تجاه المستشارين الملكيين، حينما يكون الديوان الملكي زاخرا بالأقطاب الذين يعرفون التعامل مع الإرادات الحزبية، والشخصيات القوية، وقد سبق للمستشارين الملكيين في بدايات عهد الحسن الثاني، أن واجهوا أقطابا سياسيين في صراع تتبعه الرأي العام بإعجاب كبير تجاه الطرفين، من قبيل ما حصل في بداية الاستقلال، وخاصة سنة 1963، حينما كان الأقطاب السياسيون، المهدي بنبركة وعبد الرحيم بوعبيد، في الوضع الذي تواجد فيه مؤخرا، نبيل بنعبد الله وعبد الإله بن كيران، وقارنوا وأنتم تراجعون أزمة حصلت، مشابهة لأزمة بنعبد الله وبن كيران، لكن كانت مع المهدي بنبركة وعبد الرحيم بوعبيد.

   لم تكن الجريدة المتسببة في هذه التجربة، تسمى “الأيام”، ولكن كانت تسمى “جون أفريك”، واستمروا في المقارنة.

   فقد صرح عبد الرحيم بوعبيد، لمجلة “جون أفريك”، بحديث مشابه لاستجواب نبيل بنعبد الله، لكن بوعبيد قال لـ “جون أفريك”: ((إننا في صراع مع خصمنا الذي يرفض أن يتحمل مسؤولياته وهو الحكم(…) الذي كان عليه أن يسمو فوق الأحزاب، وتحول إلى قطب يترأس تجمعا من المصالح ونقصد به الملك.. لأن مستشاره جديرة، ليس إلا ظله، الذي ليس له وجود سياسي، وعندما يتحرك فإنه إنما ينفذ أوامر سيده، وإذا قرر الملك غدا أن يتنازل عنه، فإن جديرة سيعود كما كان.. لا شيء. إن جديرة (المستشار) ليس إلا صنيعة لسياسة القصر، وهو لا يهمنا، الذي يهمنا هو الواقع السياسي السليم، لأنه من المنطقي الملموس أن القصر ومنذ الحصول على الاستقلال وهو يريد تشتيت الحركة الوطنية وإضعافها لتعويضها بحركة سياسية لا ترفض للقصر أمرا)) (جون أفريك. أبريل 1963).

   وقراءة متأنية لتصريح السياسي عبد الرحيم بوعبيد تكشف الصراحة التي كانت تنقص الحديث الذي أدلى به مؤخرا، السياسي نبيل بنعبد الله، والذي وضع الكثير من الماء في خمرته(…) ورغم ذلك، لم يقبل منه المستشار الملكي الغاضب، هذه الشجاعة المختزلة، ولكنه نموذج قدمناه، لمستوى هؤلاء الذين يمارسون السياسة اليوم، وأساتذتهم الذين كانوا يمارسون السياسة بالأمس.

   وإذا كان الزعيم بوعبيد يستهين بخطورة المستشار جديرة فإنه كان يعرف في الواقع، أن جديرة كان رجلا عظيما دخل الممارسة السياسية من بابها الكبير، قطع علاقاته مع الجماهير الشعبية، عندما فشل هو أيضا(…) في التعامل مع الساحة السياسية بواسطة حزب الجبهة الذي أسسه، بدفع من الملك الحسن الثاني، الذي كان يكتب بقلمه الافتتاحيات لجريدة حزب جديرة وكانت تسمى “ليفار”، ولكن جديرة ومنذ أصبح مديرا للديوان الملكي، تفرغ لسهراته الخاصة بعد أن عرف من خلال تجربته، أن الملك لا يقبل شريكا له في ملكه.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!