في الأكشاك هذا الأسبوع
14316707_1862181617336005_6358102193244632117_n-2

مؤشرات المخاطرة بالملكية في الصراع بين “حزب المغرب” و”حزب التحكم”

عندما خرج الأصالة والمعاصرة عن السيطرة فـ”هرب” منه مؤسسوه

إعداد: سعيد الريحاني

   ما هو الحزب الذي يفضله الملك محمد السادس، وهل يمكن القول إن حزبا معينا هو الحزب الأقرب إلى الملك؟ الجواب على لسان الملك محمد السادس نفسه: “أنا لا أشارك في أي انتخاب ولا أنتمي لأي حزب، فأنا ملك لجميع المغاربة، مرشحين ومنتخبين، وكذلك الذين لا يصوتون، كما أنني ملك لكل الهيئات السياسية بدون تمييز أو استثناء… فالحزب الذي أعتز بالانتماء إليه هو المغرب” (المصدر: مقتطف من خطاب الملك محمد السادس في عيد العرش 2016).

   انتماء الملك، إلى حزب المغرب دون سواه(..)، هو ضمانة على “الحياد الملكي” في موضوع الانتخابات، ذلك الحياد الذي يضمن النزاهة المفترضة(..)، حيث أن الملك محمد السادس سبق أن شدد على ضرورة احترام نزاهة الانتخابات، مع إعطاء الإشراف السياسي عليها لرئيس الحكومة (يحصل ذلك لأول مرة في تاريخ المغرب)، كما أنه أعطى تعليماته من خلال مجلس وزاري لوزيري الداخلية والعدل، للسهر على سلامة العمليات الانتخابية، والتصدي لكل الممارسات التي قد تسيء لها (المصدر: بلاغ الديوان الملكي بتاريخ: 14 أكتوبر 2014)، وقد فهم من البلاغ الملكي الصادر منذ عامين تقريبا، أنه بمثابة إعادة الأمور إلى سكتها، عقب “التحايل السياسي” الذي لجأ إليه كل من حزبي الاتحاد الاشتراكي والاستقلال، من خلال مطالبتهما بإنشاء “هيئة وطنية مستقلة للإشراف على الانتخابات”، وكأننا في بلد غير مستقر، تعصف به الحروب الداخلية(..) (المصدر: مقترح قانون: قدمته البرلمانية الاتحادية حسناء أبو زيد أمام لجنة الداخلية بمجلس النواب يوم الأربعاء 15 أكتوبر 2014).

   وكتعريف بسيط لحزب المغرب، فهو “الحزب الكبير” الذي تذوب فيه كل الخلافات السياسية، والذي يضم كل الذين يساهمون في بناء الغد، بغض النظر عما إذا كانوا يمارسون السياسة أم لا، وبغض النظر عن مكانتهم داخل المجتمع، إنه ذلك الحزب الذي يمثل صوت العقل الذي يضمن وطنا للجميع، وبلغة أخرى، فهو ذلك الحزب الذي يمثل “الاعتدال”، والذي يوجد على رأسه بشكل اعتباري غير تنظيمي، الملك أمير المؤمنين وقائد الجيش.. فبناء نظام ينهل من الشريعة الإسلامية، “يستوجب التحلي، بالاعتدال في الأفكار والمواقف، وتلك هي السمة التي تميزت بها أفكار الملك الراحل الحسن الثاني، فما من فكر أو عمل صدر عنه إلا وحرص على أن يكون كل منهما مطابقا لها أو هاديا أو مرشدا إليها.. فاختياره المبكر للتعدد والتعددية الحزبية، ومجهوداته المتواصلة الرامية إلى إحلال السلم، وسعيه الدؤوب وراء استتباب سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط، ودعوته إلى حوار حقيقي وهادف بين الأديان، كلها اختيارات أملتها عليه روح الاعتدال.. لعل السر الذي كان يتمتع به هذا الملك العظيم.. هو الانفتاح على الغير ورحابة الصدر للاستماع إلى الآخر أيا كان.. (المصدر: مقتطف من شهادة الملك محمد السادس في حق والده الحسن الثاني في كتاب عبقرية الاعتدال).

   يمكن القول، إن “حزب المغرب” الذي يتحدث عنه الملك محمد السادس في خطبه، هو نفسه “حزب الاعتدال” الذي ميز فكر الملك الحسن الثاني، لكن الأمور لم تعد تسير كما كانت(..)، وها هو الديوان الملكي يوقع لأول مرة في تاريخه، بلاغا ضد رئيس حزب التقدم والاشتراكية، نبيل بنعبد الله، ويالها من فاجعة تواصلية(..)، فالديوان الملكي الذي يفترض فيه الحديث باسم ملك المغرب، أصر على “توبيخ” رئيس حزب، من خلال القول، إن “تصريحه، لامسؤول، ووسيلة للتضليل السياسي، في فترة انتخابية تقتضي الإحجام عن إطلاق تصريحات لا أساس لها من الصحة، واستعمال مفاهيم تسيء لسمعة الوطن، وتمس بحرمة ومصداقية المؤسسات، في محاولة لكسب أصوات وتعاطف الناخبين..”.

   الديوان الملكي عزا أسباب “توبيخ” نبيل بنعبد الله، إلى تصريح لصحيفة أسبوعية، اعتبر فيه “أن مشكلة هيئته السياسية ليست مع حزب الأصالة والمعاصرة، بل مع من يوجد وراءه، مبينا أن المقصود بذلك هو الشخص المؤسس لهذا الحزب، الذي يجسد التحكم، وأن الديوان الملكي إذ يصدر هذا البلاغ التوضيحي، فإنه يحرص على رفع أي لبس تجاه هذه التصريحات، لما تحمله من أهمية ومن خطورة، لاسيما أنها صادرة عن عضو في الحكومة، وأن الشخص المقصود هو مستشار لجلالة الملك حاليا، ولم تعد تربطه أي علاقة بالعمل الحزبي”.

   بلغة أوضح، الشخص المقصود في تصريحات نبيل بنعبد الله، وفي بلاغ الديوان الملكي، هو المستشار فؤاد الهمة، والكل يعلم أن الهمة، الذي كان يوصف بصديق الملك في مئات القصاصات الإخبارية، هو مؤسس حركة لكل الديمقراطيين، وهو من مؤسسي حزب الأصالة والمعاصرة، لكن من غرائب هذا الحزب، الذي نجح رئيس الحكومة عبد الإله بن كيران في تحويله إلى رمز للتحكم، هو كونه، مشروع منحرف للفكرة الأصلية(..)، وتبقى إحدى أكبر مساوئ بلاغ الديوان الملكي الأخير، بالإضافة إلى لغته الرديئة، هو إحياؤه للارتباط الذهني بين الهمة وحزب الأصالة والمعاصرة، بمعنى أن “اللي جا يكحل ليها عماها”، ألم يقل الهمة نفسه: “إن المشروع السياسي الذي تم على أساسه بناء الحزب، قد تعرض لانحرافات كثيرة.. مما يشكل انهيارا للأمال المعلقة علينا في لحظة سياسية دقيقة تمر منها بلادنا” (المصدر: مقتطف من رسالة استقالة فؤاد عالي الهمة، موجهة إلى محمد الشيخ بيد الله الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة السابق، مؤرخة بتاريخ 14 ماي 2011)، (انظر الاستقالة رفقته)، والكل يعلم أن استقالة الهمة، من مشروعه(..)، مهدت لتصفيه تنظيمية لأنصاره داخل الحزب، والمقتنعين بالمشروع الكبير(..) وهاهو إلياس العماري، واحد من المعارضين لفكرة تأسيس حزب سياسي، في زمن حركة لكل الديمقراطيين يوجد على رأس الحزب، بل إنه يسعى إلى قيادة تجربة حكومية خلفا لحزب العدالة والتنمية.

   إلياس العماري نجح في الانقلاب على أصحاب الهمة، بعد استقالته(..)، لكن النجاح الأكبر سجله بن كيران بتحويل حزب الأصالة والمعاصرة، إلى رمز للتحكم.. حيث أنه لا يتردد في الإعلان أن “حزبه، كما أحزابا سياسية أخرى، يعاني من التحكم الذي يمارسه قياديون في حزب الأصالة والمعاصرة المعارض”، مشيرا تحديدا إلى نائب الأمين العام لـ”الأصالة والمعاصرة”، إلياس العماري… ويشرح بن كيران ما الذي يقصده بـ”التحكم”، قائلا إن “حزب الأصالة والمعاصرة يسعى للتحكم في الواقع السياسي، ويخطط لأن يجعل الأحزاب السياسية كلها رهن إشارته، وفي خدمته، ومنخرطة في برنامجه ومشروعه”. ويشدد على أن “من صوتوا للعدالة والتنمية في الانتخابات، إنما فعلوا لاقتناعهم بأنه حزب وقف في وجه التحكم” (تصرحات بن كيران وجدت صداها في مواقع إخبارية دولية).

   وتبقى أخطر مظاهر “انحراف” حزب الأصالة والمعاصرة، ليس فقط في تحوله إلى رمز للتحكم، هو احتضانه، لكافة الفعاليات المهاجمة لإمارة المؤمنين(..)، بل إن الذين تابعوا فكرة تأسيس الحزب منذ بدايتها، لاحظوا كيف أن الهمة كان يقول: “جئنا للدفاع عن مشروع جلالة الملك” (المصدر: برنامج ضيف خاص على القناة الثانية، يوم الإثنين 10 شتنبر 2007)، بينما يقول إلياس العماري: “حزب الأصالة والمعاصرة لم يسبق له، أن أعلن أنه جاء ليدافع عن المشروع الملكي، وإنما جاء للمساهمة من موقعه في تطوير البلاد.. ولأن الأمر كذلك، فقد أعلنّا منذ البداية أننا ضد خوصصة القضايا والثوابت المشتركة بين المغاربة” (المصدر: تصريح إلياس العماري: جريدة المساء 17 فبراير 2012).

   من حيث الشكل، فإن صدور بلاغ من الديوان الملكي، موجه ضد أمين عام حزب من “الدرجة الثامنة”، يمكن اعتباره كارثة تواصلية(..)، شأنه شأن المسيرة الأخيرة، التي شهدتها مدينة الدار البيضاء، والتي زادت من تعقيد الأمور(..)، حيث تم الهجوم، بشكل علني، على الإسلام، في لافتات مكتوبة في بلاد “إمارة المؤمنين”، تصوروا خطورة الموقف بعد تجييش عدد من المواطنين من طرف مقدمين وشيوخ ومجهولين.. لقيادة مسيرة ضد حزب العدالة والتنمية في مدينة محسومة انتخابيا لصالح حزب العدالة والتنمية، ولاشك أن تداعيات المسيرة التي تورط فيها، منتسبون لحزب الأصالة والمعاصرة(..) أعطى لبن كيران فرصة تسجيل مزيد من النقط، في مرمى ما يسميه التحكم، ولمن يريد التأكد من ذلك، ما عليه سوى أن يقرأ التدوينات المساندة لبن كيران، ولنبيل بنعبد الله، فيما بات يعرف بمعركة ضد التحكم… وانظروا للبهدلة التي تعرض، المشاركون في المسيرة التي نظمت يوم الأحد 18 شتنبر الماضي على مواقع التواصل الاجتماعي.

   سواء تعلق الأمر ببلاغ الديوان الملكي، أو بمسيرة الدار البيضاء، فإن عددا كبيرا من المواطنين أصبحوا، يضعون أيديهم على قلوبهم، من خطر مواجهة تلوح في الأفق(..)، “ما أمسيت وأصبحت أخشاه اليوم، بل أكاد أشتم رائحته، هو عودة سيناريو 1965 بعد انتخابات أكتوبر المقبل: شلل حكومي قطاعي، ارتفاع موجة الاحتجاجات، اعتقالات سياسية واسعة واغتيالات، تدخل الجيش وبداية مسلسل دموي تخللته حلقات انقلابية على الملك.. هناك من هو متحمس جدا للمواجهة، ولكن من سيفتح المواجهة، يتعين عليه أولا أن يكون متيقنا كيقين الزهاد في الله، أنه لن يستطيع التحكم في مآلاتها، وسيكون أول من ستعصف به ولو تحصن في أعتى الأبراج.. على العقلاء في عقل الدولة الباطن أن يتدخلوا قبل فوات الأوان، فالدولة لا تسير بالانفعالات الشخصية والمزاجية، أو الرغبات الفردية.. لا ينبغي أن نساهم مع أعدائنا وأعداء الإنسانية في تخريب بيتنا بأيدينا، فهم ينتظرون فقط اندلاع الشرارة الأولى مهما صغرت حتى يصبوا عليها سفنا وبواخر من الزيت.. على الشعب المغربي كله، أن يقف وقفة رجل واحد وألا يترك فئة قليلة من السياسيين تتحكم في مصيره.. الشعب وحده هو من يمكنه إرغام الجميع على المهادنة التوافق والتعاون من أجل المغرب ومن أجل الأجيال الحاضرة والمقبلة”، هكذا تحدث، باحث في العلوم السياسية، وهو شاب مغربي، اسمه إدريس بنيعقوب، فمن يسمع بنيعقوب؟

    إن سيناريو المخاطرة، يطل برأسه عند محاولة تكرار تجربة حزب الدولة أو دولة الحزب، “ففي تونس، كان التجمع الدستوري الحاكم هو الحاكم، هو المهيمن على الحياة السياسية، وكان يحقق نتائج وصلت إلى 90 في المائة، وهي نفس النسبة التي كان يحققها الرئيس المخلوع بنعلي عند نجاحه(..)، وفي مصر، كان الحزب الذي أنشأه وترأسه الرئيس الراحل محمد أنور السادات في عام 1978، على أنقاض الاتحاد الاشتراكي العربي الناصري.. ثم ترأسه حسني مبارك، وكان قد حقق فوزا بنسبة وصلت إلى 97 في المائة.. لكن سعي هذين الحزبين إلى الهيمنة على كل مفاصل الدولة، وعلى كل جوانب المشهد السياسي والاقتصادي والإعلامي وحتى الفني، دفع إلى تحولهما من حزب الدولة إلى دولة الحزب، وقيام دولة داخل الدولة، دولة تفرض على الجميع الانضمام إلى أجهزتها وأدرعها الأخطبوطية، أحزاب أصبحت تمتلك مخابرات، وأصبحت تتحكم في البورصة والمؤسسات العمومية الكبرى، أحزاب لم يعد الفصل فيها ممكنا بين المال الخاص لقيادتها والمال العام، أحزاب سيطرت على كل شيء فأصبحت اجتماعات مكاتبها السياسية أهم من اجتماعات الحكومة.. الغريب في الأمر، أن الرئيس بن علي لم يجد أيا من المليونين و900 ألف منخرط في حزبه ليتظاهروا من أجله عندما اندلعت الثورة، ومثله لم يجد حسني مبارك من يقف إلى جانبه من ذلك المليون و900 ألف عضو في الحزب الوطني عندما وصل الربيع العربي إلى ميادين مصر..”، (المصدر: حمدي عمر حداد) فهل من متعظ.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!