في الأكشاك هذا الأسبوع
sans-titre

الحقيقة الضائعة | وانظروا إلى هذه الصورة التي سبقت بلاغ الديوان الملكي

بقلم: مصطفى العلوي

   يعتبر البلاغ الذي أصدره الديوان الملكي عشية الثلاثاء 13 شتنبر 2016، متهما الوزير نبيل بنعبد الله بالتضليل السياسي، أول بلاغ يصدره أي ديوان ملكي في تاريخ المغرب، سواء التاريخ الحديث منذ عهد الاستقلال، أو القديم، أيام ما قبل الاستقلال، أو الأقدم، في عهد الدولة العلوية منذ 400 سنة، أو ما قبل ذلك.

   فمنذ تأسيس الديوان الملكي، أيام الملك محمد الخامس، ولا أيام الحسن الثاني، ولا حتى أيام محمد السادس، وحتى كرد فعل لأول ثورة مسلحة قادها القايد عدي وبيهي، وحتى عندما تسلسلت الثورات الاتحادية والمؤامرات العسكرية، فإن الديوان الملكي، وكل بلاغاته موثقة في الأرشيفات، لم يصدر يوما بلاغا باسم الديوان الملكي للرد على شخص(…)، لأن الديوان الملكي، لا يهتم إلا بالتحركات الملكية والحفلات الملكية وميلاد الأمراء والأميرات، حتى الأعياد الدينية، لم تكن إلا من اختصاص التشريفات الملكية، وطقوس الديوان الملكي متخصصة في شؤون البلاط الملكي، والسدة العالية.

   ورغم العجز الذي يطبع بيان هذا العهد(…) وقد صدر سبعة أيام بعد نشر جريدة الأيام، المتضمنة لتصريح أدلى به لهذه الجريدة، الوزير المثقف، المتزن، المحسوب على التيار المخزني(…) نبيل بنعبد الله، والذي قال فيه: ((بأن مشكلة هيأته السياسية ليست مع حزب الأصالة، بل مع من يوجد وراء هذا الحزب، والذي يجسد التحكم)) فإنه رغم التفكير الطويل، وربما انتظار عودة الملك المتحكم في الديوان الملكي، من رحلته الفرنسية، فإن إقحام الديوان الملكي في تسليط غضبة عبر قنوات التلفزة والوكالات والصحف الوطنية، على عضو في حكومة، هي عمليا حكومة الدولة المغربية، ربما كان الديوان الملكي سيكون محقا، لو تضمن البلاغ إعلانا عن توقيف الحكومة التي ينتمي إليها نبيل بنعبد الله، بل إن محرر البلاغ، زاد المشكلة تعقيدا عندما أقحم المؤسسة الملكية: ((وأن مستشاري صاحب الجلالة لا يتصرفون إلا في إطار مهامهم، وبتعليمات سامية محددة(…) وصريحة من جلالة الملك)) لإعطاء بيان الديوان الملكي، صبغة الأوامر الملكية.

   مؤشر واضح إلى أن ضرب الوزير بنعبد الله، من أجل تأييده لرئيس الحكومة بن كيران، يشير بما يكفي من العنف(…) إلى أن العدو الأكبر، هو رئيس الحكومة بن كيران، ولذلك نفهم حكمة الفيلسوف أرسطو، الذي كتب: ((إن من الغلط أن تعود الشريعة(…) لشخص يتصرف بمقتضى إرادته)).

   بن كيران، الذي ليس في حاجة إلى التمعن في الصورة المنشورة في الصفحة الأولى، كي يتعمق في الواقع السياسي(…) وفي ملامح الغضبة(…) التي يظهر أن أكبر مرتعش أمامها، هو وزير الداخلية حصاد، المشرف على تنظيم الانتخابات، وانظروا إلى يد وزير الداخلية، وهي تحاول تهدئة الأوضاع الغاضبة.

   ربما كان المنطق يقضي بتفادي إقحام الديوان الملكي في معركة الانتخابات المقبلة، ولو عقد المستشار الملكي، المقصود بكلام بنعبد الله، ندوة صحفية(…) احتج فيها بعنف على هذه التصريحات، لتهافتت الصحف كلها على نشر تصريحه، ولتجنب إقحام الديوان الملكي في جزئية انتخابية، وها هم أصحاب الفكر المتحرر من ضغوط التلفونات، وقد تعاطفوا كلهم مع نبيل بنعبد الله، وضربوا على أنامل المسماة نزهة الصقلي، عضوة حزب بنعبد الله، التي فقدت عضويتها في الحزب عندما خرجت وحدها عن إجماع حزب التقدم والاشتراكية، بعد أن ظنت أنها ستدعم بلاغ الديوان الملكي، متناسية أن الملك فوق الجميع، وأن استعمال بلاغ الديوان الملكي، للدفاع أو مساندة عضو في هذا الديوان، يعتبر خروجا عن القاعدة (…) بإدماج الديوان الملكي في خضم هذا الزخم من الإذاعات والصحف والقنوات الإلكترونية التي تقضي أيامها ولياليها في تحطيم معنويات رئيس الحكومة، من قبيل تلك القناة التي يسيرها مسؤول في حزب الأصالة، وقد أحضرت أحد الأجانب(…) للتعليق على تصريح لبن كيران، قال فيه بأن حزبه مستعد للتضحية بوجوده من أجل مبادئ الحزب، فعلق عليه المعلق الأجنبي بلغة فرنسية راقية بقوله: إن بن كيران يدعو إلى الحرب الأهلية(…) فلماذا التلميح إلى العنف والحرب الأهلية.

   وكيف يصنف بلاغ الديوان الملكي الذي جاء بعد هذه الإذاعة بساعات.

   ألم يفهم السي بن كيران أن القرار صدر بتصفية حزبه قبل الانتخابات، وبعدها، أم نسي أن إذاعة بيان للديوان الملكي بهذه الصيغة يعتبر في بلاد خاضعة سلطاتها لحكم المخزن، يعتبر رسالة واضحة لرجال المخزن، من عمال، وباشوات، وقياد، وشيوخ، ومقدمين؟ فأية مصداقية بقيت للمصوتين؟

   فقد كتب الخبير المتضلع في الشؤون السياسية المغربية محمد الحبابي، عن واحد من أوجه ما أسماه الديمقراطيات الستالينية(…) وهو يتحدث عن انتخابات حزبية حصلت مؤخرا في المغرب: ((أطلب من السيد الرئيس والصديق عبد الواحد الراضي أن يفتح تحقيقا في أقرب وقت ممكن، بين الحقيقة عن هذه الانتخابات التي في نظري، تجاوزت ما عرفته وعشته في الأيام التزويرية الكبرى، في وقت وزير الداخلية إدريس البصري الرجل الذي كان عظيما في الميدان(…) ولكن وجد اليوم أعظم منه في التزوير)) (كتاب الدرس. محمد الحبابي).

   فهذا الرئيس بن كيران، الذي قال يوما لنده شباط رئيس حزب الاستقلال، وها هي الاتصالات جارية معه، هذه الأيام، ليسند المخطط لإسقاط بن كيران الذي سبق أن قال يوما لشباط: ((إنك قلت أن هناك استعمارا جديدا سيعرفه المغرب(…) وأنت لا تدري أن البام (حزب الأصالة) متواجد داخل حزبك)).

   أم يجهل الرئيس بن كيران، أن المخزن لازال قائما صامدا منذ أيام الشاعر الشعبي، عبد الرحمن بلمجذوب، الذي قال:

   الشاشية تطوع الراس

   والوجه تضويه الحسانة

   ولن يقنعوا من بن كيران ومن معه، إلا إذا حلق لحيته ولبس الشاشية.

   اللهم إلا إذا راجع بن كيران، دروس الحكمة، وعرف ((أن السياسة ليست من السهولة بمكان، وأن أبواب القصر الملكي أكثر من أبواب جامعة القرويين وسر دخولها لا يعلمه إلا الله)) (العقباني، العدالة والتنمية. بداية والنهاية).

   لقد كاد نبيل بنعبد الله أن يقترب من باب الأمر الواقع(…) في زمن المعارضة المفقودة، واقترب من باب الزعامة عندما تصلب شيئا ما(…) ورد على بيان الديوان الملكي بأن ((دعا حزبه إلى الصمود على المبادئ))، بعد أن سجل انتصارا على نوايا كاتب(…) بيان الديوان الملكي، الذي لمح إلى ((تضامنه مع أفراد حزب التقدم والاشتراكية))، انطلاقا من عقيدة فرق تسد(…) لكن مناضلي حزب علي يعطة دعموا زعيمهم الجديد، ليبقى عبد الإله بن كيران، وكأنه يلحس بشفتيه، بقايا حلاوة الحكم، وسيكون مخطئا إذا لم يعد لأصول العمل السياسي، وقد ظهرت بوادر هزم حزبه بجميع الوسائل، رغم اتفاق المنطق معه، بمصداقية شعبية حزبه المنطلقة من العامل الديني، الذي له وحده الغلبة التي تتحول إلى أغلبية، كلما لوح معارضوه بإطلاق شعارات معادية للدين الإسلامي، المرتبط بإمارة المؤمنين، مادام المعارضون للإسلام إذا انتصروا فإنهم سيلغون إمارة المؤمنين.

   ولو كان المحاربون لحزب العدالة والتنمية يتوفرون على عقيدة ديمقراطية منهولة من القيم التي تهيمن على الشعب المغربي منذ قرون وأجيال، لكانت الغلبة للتوازن الديمقراطي المأمول.

   وإذا لم يحصل تجاوز الظروف التي واكبت بلاغ الديوان الملكي، أو فرضت الأطراف التي مهدت لإصداره من وجهة نظرها، فإن دفع الحزبين المتباعدين عقائديا، العدالة والتنمية، والتقدم والاشتراكية، إلى ما قد يبلغ حد مقاطعتهما لهذه الانتخابات، لاقترب المستقبل المغربي، ليجد نفسه أمام واقع سياسي جديد، تظهر فيه زعامات جديدة، في مغرب انعدمت فيه الزعامات، وانقرضت فيه الأحزاب.

   منطقيا.. ومرة أخرى، فإن استغلال المحيط الملكي، لدعم اتجاه معين، ضد اتجاه آخر، يحتم مراجعة منطقية، تعيد القصر الملكي إلى وسطيته(…) وها هو الماضي يذكرنا بضخامة الخطإ الذي يسخر الدولة لخدمة طرف ضد آخر، وقد كان أحد الباحثين الفرنسيين الكبار، المؤرخ الكبير “طيراس”، عندما تعمق في شؤون ضعف المغرب(…) رغم عظمة سلاطينه، ما جعل مؤرخ المملكة، الوفي للسلاطين، عبد الرحمن بن زيدان، يترجم في كتابه الحكمة التي كتبها طيراس: ((إن العمل بالرأي الواحد مذموم، ولو بلغ صاحبه ما بلغ، فلا يسوغ أبدا أن يسلم أمر المملكة لإنسان واحد، بحيث تكون سعادتها وشقاؤها بيده، ولو كان أكمل الناس، وأرجحهم عقلا وأوسعهم علما، إن الذي له القدرة كي يفعل ما يريد، هو داء لا دواء له، الأهم أمر واحد، وهو أن لا يطلق أمر الوطن لإنسان واحد، كائنا من كان، وعلى أية حال كان)) (إتحاف أعلام الناس. عبد الرحمن بن زيدان).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!