في الأكشاك هذا الأسبوع
إدوارد موحا

إدوارد موحا | من مستشار لجلالة الملك وعامل بوزارة الداخلية إلى فقير يكتري بيتا مع الجيران

 

بقلم: عبد الرحيم التوراني

 

بعد أن كان من المقربين من الملك الراحل الحسن الثاني، وأحد مستشاريه المهمين في الشؤون الصحراوية، وبعد أن كان الملك الراحل قد أنعم عليه برخصة مأذونية مقلع للرخام، وبست مأذونيات أخرى للصيد البحري، سيأمر إدريس البصري في سنة 1997 بإيقاف راتبه، والإلغاء العملي للظهير الملكي الذي تم بموجبه تعيينه عاملا بوزارة الداخلية منذ سنة 1987، إثر اطلاع الوزير القوي على تقرير سري حول ترويج المخدرات بالمملكة، كتبه إدوارد موحا وسلمه للعاهل الراحل، وتضمن هذا التقرير الخطير أسماء كبيرة نافذة في الدولة، وكانت غلطة العمر الكبرى التي سيؤدي عنها مقترفها الثمن غاليا.

بعد كل هذا يعيش اليوم إدوارد موحا، وهو في العقد الثامن من عمره، منعزلا، وحيدا، يعد أيامه البئيسة، يرعى الذكريات، ويتأسف لأيام العز، حيث يسكن حاليا بغرفة ضيقة بين الجيران بالحي الحسني بالدار البيضاء، يؤدي ثمن كرائها والد طليقته وجد ابنته الوحيدة.

فأين ذابت أموال رخصة مقلع الرخام وقبلها رخص الصيد البحري؟

——————-

 

لكن من هو “إدوارد موحا” أولا؟

سألني صديقي الصحفي الشاب، وقد طالع هذا الاسم المركب، ضمن حوار صحفي للزعيم الطلابي القديم والماركسي المعارض عزيز المنبهي المقيم حاليا بفرنسا.

فأجبته: – أوه.. لقد ذكرتني بهذا الرجل الذي لم ألتق به من مدة طويلة .

اندهش محدثي، وقال: – إذن أنت لا تعرفه فقط، بل يبدو إنك على صلة به..

لكن الذي لم أكن أعرفه وغاب عني، هو أن الأحوال المادية لصديقي إدوارد موحا ساءت أكثر، وزادت تدهورا، رغم أن هذا الصحراوي المحارب لا يتنازل قط عن كبريائه وعفته، ولا يفرط في أناقته، ولو وصلت به إلى العظم. كما أنه ظل دائما، وما يزال، منشغلا بتطورات ملف القضية الصحراوية، مهموما بها إلى درجة الهوس، يتتبع ما استطاع مساراتها وكواليسها، يكتب بلغة نابليون مقالاته حول النزاع المغربي الجزائري حول الصحراء، ويحلل ويفتي في الموضوع بين محدثيه وجلاسه.

اتصلت بموحا في الهاتف، فجاءني صوته مصحوبا بسعال التبغ الهولندي الذي يدمن على تدخينه في الغليون، وتواعدنا على اللقاء.

—————–

محمد وإدوارد ورشيد:

محمد الركيبي، هذا هو اسمه الحقيقي، أما إدوارد موحا أو أحمد رشيد فمن أسمائه الحركية وتوقيعاته التي دأب على تذييل كتاباته ومؤلفاته بها. كان مؤسس أول حركة تحرير في الصحراء الغربية، “الحركة الثورية للرجال الزرق”، التي تعرف باختصار الأحرف الأولى لاسمها اللاتيني ب”الموريهوب”، وذلك سنة 1969، أي قبل أعوام سبقت مبادرة المصطفى الوالي الركيبي، أحد أبناء عمومته، إلى تأسيس وتزعم حركة البوليساريو.

وكانت “الموريهوب”، قد استقبلت بدعم جزائري على أعلى مستوى، وتمكنت في وقت وجيز من مد تعاونها إلى قلب إسبانيا، حيث وجدت مساندة سياسية من الحزب الشيوعي الإسباني ومن حركة استقلال جزر الكناري.                                                                             وبعد ظهور نوايا الرئيس الجزائري الأسبق الراحل الهواري بومدين المناوئة لمغربية الصحراء، سينشق إدوار موحا عن الجزائريين، ويهرب إلى العاصمة الفرنسية سنة 1973 بجواز سفر تشادي مزور، حيث سيهرع الاتحاديون المنفيون حينها في فرنسا، المرحوم محمد بنيحيى ومولاي المهدي العلوي وعبد الرحمان اليوسفي، مع عبد الله البارودي، إلى مطار أورلي لفك احتجازه من سلطات أمن المطار، وتمكينه من مساعدة الاشتراكيين الفرنسيين للحصول على اللجوء السياسي، وهناك في باريس سيتعرض موحا إلى محاولة اغتيال حملت بصمات رجال صاحبه القديم قاصدي مرباح رئيس المخابرات الجزائرية وقتها.

عقب المسيرة الخضراء سيلتحق موحا بالمغرب ليواصل كفاحه من أجل استكمال الوحدة الترابية المغربية، لكن من موقع آخر، “موقع الجبهة السياسية والدبلوماسية والإعلامية” كما يقول، حيث شهدت أروقة الأمم المتحدة قامته المديدة لدحض وتفنيد أطروحات ومزاعم البوليساريو الانفصالية.

—————–

 

يساري في البؤرة الثورية:

 

ازداد موحا سنة 1943 وسط عائلة تنتمي لإحدى قبائل الركيبات المعروفة، (قبيلة أولاد الطالب). تابع دراسته بالمغرب وفرنسا، حيث سيتأثر بالحركات اليسارية في فترة شهدت تنامي المد اليساري التحرري، وهو ما دفع به إلى أن يجد نفسه في بؤرة العمل الثوري السري المسلح ضد القوات الإسبانية المحتلة للصحراء المغربية.

نشر إدوار موحا أزيد من 13 كتابا باللغة الفرنسية صدرت عن كبريات دور النشر في فرنسا وإسبانيا، وهي الكتب التي باتت مرجعية في قضية الصحراء المغربية، وتمت ترجمة بعضها إلى اللغة الاسبانية، ومن بينها:

– بوح صحراوي، منشورات ألبين ميشيل، باريس، 1983

– مرتزقة لبلد وهمي، منشورات ألباتروس، باريس، 1984

– الصحراء الغربية وحرب بومدين القذرة، منشورات جان بيكوليك، باريس، 1990 .

– العلاقات الإسبانية المغربية، منشورات ألكازارا، مالقا، 1992.

– العلاقات الفرنسية المغربية، منشورات جان بيكوليك، باريس، 1995.

———————-

فرنكو وأوفقير والموريهوب

 

حول الظروف التاريخية لتأسيس حركة “الموريهوب” تحدث إدوار موحا على أن الجنرال فرنكو والجنرال أوفقير كانا وراء هذا التأسيس، كيف؟!

يوضح إدوار موحا: “كان كلوس فوينتس الأخ غير الشقيق للجنرال فرنكو، وأحد رجال “لوبسدي”، وهي من أقوى كنائس إسبانيا، كان لها تأثير كبير على الديكتاتور الإسباني، لفرض تعاليمها لما كانت تخدمه في التحكم في الجماهير، ولما كانت تحميه من كل الاهتزازات. كان هذا الأخ غير الشقيق قد كلف في أوائل سنة 1968 بالاتصال بالجنرال محمد أوفقير ليهيئ معه مخطط تسوية في موضوع الصحراء الغربية، التي كانت مدريد تسعى إلى إدماجها في إسبانيا بمقتضى وضع قانوني شبيه بالوضع الذي يتحكم في جزر الخالدات. وعندما تم التعاقد على هذه التسوية أمر الجنرال أوفقير برسم الحدود بين المغرب وشماله، أي مع الصحراء المغربية بما يرضي الجنرال فرنكو.

وقد تم وضع علامات الحدود سنة 1969 تحت قيادة الكولونيل إدريس امبابا الذي كان يشغل مهمة قائد عسكري وعامل على إقليم طانطان. وتم رسم هذه الحدود على بعد 40 كلم جنوب مدينة طرفاية، بما يحقق للجنرال فرنكو مطامعه في الصحراء. كذلك فإن تورط الجنرال أوفقير في محاولة الانقلاب الفاشلة ضد نظام الملك الحسن الثاني، أتاح للديكتاتور الاسباني تنفيذ مخطط إدماج الصحراء والبدء في تنظيم إحصاء للسكان الصحراويين، وتعمد فرض رقم 73 ألف نسمة. وعلى إثر هذه المناورات سعيت مع ثلة من الرفاق من الشباب الصحراويين إلى تأسيس “الحركة الثورية للرجال الزرق” (الموريهوب)، التي تعد أول حركة تحرير نشأت في الصحراء لمقاومة المحتلين، وهي الحركة التي ستتحول لاحقا إلى اسم “الأوزاريو”، أي رابطة المتحدرين من الصحراء الغربية، وذلك سنة 1976. وللإشارة فقد حظيت حركة (الموريهوب) باعتراف الأمم المتحدة، بينما لم تكن منظمة الوحدة الإفريقية تجاوزت منحها صفة ملاحظ سنة 1973”.

إن حركة “الموريهوب”، التي كان مقرها في الجزائر، سعت إلى إصلاح الخطأ الذي أدى إلى تحكم فرنكو في مصير الصحراء، إلى جانب إقرار علاقات واتصالات مع المغرب ومع موريتانيا. ولم يكن هذا العمل، حسب إدوارد موحا، يتطلب سوى الإيمان والمواطنة ليكون واضحا، ولم يكن بحاجة إلى صناديق سوداء تساعد على التحرك. ومن المؤسف أن ذلك لم يعد قائما بعد سنوات التسعينيات التي سادت فيها روح الانتهاز والأطماع المقيتة، بل إن الأخطر من ذلك أن الذين تولوا الأمر فيما يتعلق بهذا الملف كانت مهمتهم تخريب كل ما كان قد ضحى به كل الرجال والنساء من أجل هذه القضية المقدسة، ناسين أن القاعدة السائدة هي أن الشعوب لها ذاكرة الأفيال، وبمعنى آخر، فإن “ينتظر الوقت المناسب ليصفي الحسابات. إن التروي يفرض عدم الاستهانة بالخصم، ذلك أن القاعدة التي توجه السلوك هي أساس كل استراتيجية”.

———————-

الرد على جيل بيرو

 

كان إدوارد موحا قد نشر كتابا يرد فيه على كتاب “صديقنا الملك” للفرنسي جيل بيرو، وهو الكتاب – الرد الذي لم يكتب له الانتشار، ويبدو أنه لم يستطع قطف النتائج التي كانت خلف الإيحاء بنشره، في هذا الصدد يقر مؤسس “الموريهوب”: “فيما يتعلق بجيل بيرو أعترف بأنه ليست هذه هي المرة الأولى التي يطرح علي فيها هذا السؤال، سواء في أوروبا أو في إفريقيا أو غيرها، فالكل يريد أن يعرف كم ربحت من وراء أولئك الذين حاولوا تلطيخ سمعتي. ولكل أولئك الذين سألوا كنت دائما أجيب بأنني نجحت في إبطال مفعول الأذى الذي أراد جيل بيرو أن يلحقه بالمغرب.. وجوابي على بيرو، لكل أولئك الذين طالعوه، بأن صاحبنا كان يستهدف شيئا آخر، وأنه لم يكن في المكان الذي يسمح له بإعطاء الدروس، نظرا لماضيه الأسود الحالك، وتواطؤاته مع الاستخبارات السوفياتية (الكاجيبي)، ومخابرات ألمانيا الشرقية (الستازي).

 إن كتاب “صديقنا الملك” صدر في وقت حاسم، وكان هدفه خلق مواجهة بين الحسن الثاني والشعب المغربي، وذلك بغاية النجاح في خلق انفجار تمرد يحوله عن هدفه الأساسي. ولكي لا أتناول ما كشف عنه بيرو على الأقل في الوقت الراهن، أكتفي بالقول بأنني دافعت عن الحسن الثاني لأجنبه الأهداف التي كان يسعى إليها جيل بيرو.

– لكن هل الملك الحسن الثاني هو من كلفك بالرد على جيل بيرو؟

يجيب إدوارد موحا بالنفي، ويقول: “لما صدر كتاب “صديقنا الملك” قمت بنشر عدد من المقالات بكبريات الصحف الفرنسية والبلجيكية والسويسرية، أرد فيها على جيل بيرو الذي كنت أعرفه من قبل، ولما قدموا مقالاتي إلى الملك، أخبره مستشاره المرحوم محمد عواد بأن إدوارد موحا بصدد تأليف كتاب في الموضوع، وهو ما لم يكن صحيحا البتة. هكذا وجدت نفسي أعكف على تحرير كتاب الرد على بيرو. ولما صدر الكتاب عن دار نشر باريسية، ووصلت نسخ منه إلى الملك الراحل، وكان يجتمع مع حاشيته، الذين كان حاضرا من ضمنهم الجنرال حسني بنسليمان والجنرال عبد الحق القادري، رفع الملك الكتاب بيمناه وهو في غاية الانشراح والاعتزاز، قائلا بالفرنسية عن شخصي المتواضع: “ها هو مغربي حر…”. مع العلم أن هناك من هم من حاشية الملك ومن المستفيدين من النظام، من نصحني تلميحا أو صارحني بالابتعاد عن الخوض في الرد على جيل بيرو الذي أغضب كتابه الحسن الثاني غضبا لا يمكن تصوره.

——————–

إخفاء شجرة الأنساب…

 

فيما يتعلق بإحجامه عن نشر مؤلف حول شجرة أنساب القبائل الصحراوية، يوضح محمد الركيبي: “إن الكتاب الذي اعتزمت نشره تحت عنوان “إعادة تشكيل شجرة أنساب القبائل الصحراوية” الذي يحدد مهد الأجداد، هو في الواقع كتاب رفضت أن أتممه في الوقت الحاضر، وذلك تجنبا للتشويش على مسلسل الحكم الذاتي الذي انخرط فيه المغرب بالنسبة للصحراء الغربية، كذلك اخترت أن أترك للذين تكلفوا بملف هذه القضية أن يتحملوا كل مسؤولياتهم. وكسند لهذا الكتاب قدمت أيضا اقتراحات مختلفة من بينها جمع المليونين من الصحراويين، والتأكيد على انتسابهم لهذه المنطقة، وهم يعيشون على تراب يبتدئ من بويزكارن، وينطلق من منطقة واد نون لينتهي في الكويرة. والجغرافيا والتماسك بين القبائل يعمل كلاهما على تأكيد ذلك. وبعد، فإن كل الذين يتجرؤون على رفض هذا الحق المقدس أي العودة إلى مهد الأجداد، عودة المئات من الآلاف المنتسبين إلى الصحراء، والذين تفرقوا عبر أنحاء بلاد المغرب، يحاولون إبعاد كل الذين تشتتوا في المغرب، ويستهدفون الطعن فيما لا شك فيه أمام العالم.

—————–

… وإفشاء السلام للماركسي

 

وأنا أهم بتوديعه أمام موقف الحافلة رقم 35 بشارع يعقوب المنصور- المعاريف، الرابطة بين وسط المدينة والحي الحسني، لم ينس إدوارد موحا وصف الرئيس السابق للاتحاد الوطني لطلبة المغرب عزيز المنبهي له بالمخزني على صفحات جريدة “المساء”، وقال لي وهو يخفي مرارة وراء ابتسامة ساخرة: “أبلغ صاحبك الثوري الذي ينعم اليوم بملذات باريس ويستحم بأنوارها عن إدوارد موحا العميل المخزني، الساكن في غرفة مع الجيران في دار بالحي الحسني، وقل له لقد رفض إدوارد موحا التصرف من منطلق مبدئي ثوري في مأذونيات الصيد البحري والرخام وأعادها لمن وهبها له. مبدأ ثوري نقي نقاوة رمال الصحراء والصحراويين الأصلاء، وبلغه تحياتي النضالية”.

دنت الحافلة من محطة الوقوف، فاقترب إدوارد موحا مني ليختم لقاءنا بالقول: أتعرف .. هناك حكمة صحراوية قديمة يرددها الصحراويون بالحسانية في صيغة دعاء، ومفادها: “الله لا يعطيك حال المخلصين”.

حكمة شعبية، مثل سائر الحكم الشعبية البسيطة والعميقة، غنية بالدلالات والمعنى، وفي غنى عن كل تفسير. فهل سيتم الالتفات إلى حالة موحا الركيبي وإنصافه، وإعادة الاعتبار إليه وهو في آخر العمر، من طرف أصحاب الشأن والقرار في هذه البلاد، أم ستظل حالته مثلا من الأمثلة المرعبة والمثيرة على الغبن والجحود المخزني؟

 

تعليق واحد

  1. الله الله تحية لك ادوارد موحى

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!