ملف الأسبوع | في وثائق “أونوديسي”: الأمم المتحدة تعلن حكومة يرأسها إلياس العماري “حكومة سوداء” تهدد المغرب

إعداد: عبد الحميد العوني 

   لا يمكن للعاصمة الرباط أن تعلن مواجهة مفتوحة ضد الأمم المتحدة في موضوع الصحراء وموضوع المخدرات، واختار المكتب الأممي للمخدرات والجريمة “أونوديسي” توقيتا محسوبا قبيل الانتخابات البرلمانية للقول أن المملكة التي يدعو أحد أكبر أحزابها إلى “تقنين” القنب الهندي أو “الحشيش”، أنتجت 700 ألف طن منه، وتعد الأولى إنتاجا وتصديرا، وبين 2005 و2013، تضاعف الإنتاج سبع مرات، من 98 ألف طن إلى 700 ألف طن، أي 700 في المائة، وبرقم أعمال، وصل في 2005 إلى 13 مليار دولار، ويصل بالحسابات المباشرة إلى دورة استثمار عالمية في 2016 تقارب الـ91 مليار دولار بمعدل ارتفاع سنوي بـ5 مليارات دولار.

   وفي تثمين هذه الدورة المالية انطلاقا من “تقنين الحشيش”، قد يحصل المغرب على مليار دولار سنويا، وهو المعدل السنوي لحاجته إلى الدين الخارجي، كما قد يرتفع معدل النمو  بنقطة أو نقطة ونصف في الناتج الداخلي الخام.

   وهذه الخطوة المتوقعة دفعت الأمم المتحدة، قبيل الانتخابات البرلمانية، إلى نشر تقرير حول المخدرات في المغرب، وجاء تأكيدها على قرار تتسع قاعدته في أوساط جماهير المملكة لتقنين “الحشيش”، وإعلان عفو عام على مزاريعه البالغين 40 ألفا، وهي كتلة انتخابية هامة لحزب الأصالة والمعاصرة، الذي جدد عضو مكتبه السياسي، امحمد لقماني بمنطقة الوردزاغ بتاونات قوله، بأن الحزب سيعمل في حال وصوله إلى رئاسة الحكومة، على إخراج قانون يقضي بالعفو العام عن كل مزارعي الحشيش، وتوقيف جميع المتابعات والملاحقات القضائية، وإلغاء مذكرات البحث في حق جميع الأشخاص المتابعين قضائيا والصادرة في حقهم مذكرات بحث متعلقة بزراعة الحشيش.

   وقد يثير عدم العفو على 40 ألف مزارع “قلاقل اجتماعية” تهدد الدولة التي رأى أحد المرشحين لرئاسة الحكومة الدفاع عن تقنين (الحشيش) لحل مشكلة مالية للدولة قد تهددها بانحراف صياغتها الحالية لدولة القانون.

   وفي حراك 40 ألف شخص ومحاولة الإجابة المالية على ديون الدولة المغربية، قرر المكتب الأممي المختص نعت الحكومة التي تتبنى هذين المفردتين بالحكومة “السوداء” أو “البلاك نت”، وقد لا يختلف مصير المغرب عن مصير أفغانستان في صراع أجنحة الدولة حول هذه الدورة المالية الضخمة.

تقنين حزب الأصالة والمعاصرة للمخدرات يعتبر ضد ميثاق الأمم المتحدة ومقررات جمعيتها العامة، وبدأت هذه المنظمة بدق ناقوس الخطر، وضمت حكومة قد يرأسها إلياس العماري إلى الحكومات السوداء التي تهدد بانحراف  الدولة

   كشفت مصادر خاصة، أن نشر المكتب الأممي للمخدرات والجريمة لتقريره السنوي، ضم توصية غير منشورة تخوفت من إدارة أول بلد في إنتاج وتصدير الحشيش من طرف حكومة تريد تقنين هذه المادة، وإعادة تثمينها بما يصل إلى رقم معاملات يتجاوز المائة مليار دولار.

   وأطلقت على مثل هذه الحكومات “الحكومات السوداء نيت” لأنها قد تبيع غدا المخدرات في دوائر التجارة الإلكترونية وعلى النيت.

   وهو ما سيزلزل التجارة مع أوروبا والولايات المتحدة لارتباط الطرفين مع المملكة باتفاقيات تجارة حرة، وقد يضع المغرب على شركائه تحديا أخلاقيا وتجاريا يصل في رقم الأعمال إلى 3 مليارات دولار، وأرباحا تتجاوز المليار ونصف المليار دولار، وفي نفس الوقت، لا يستبعد المحللون أن يؤسس هذا المشروع الحكومي لدولة فاشلة في المغرب.

   تقول الصفحة 14 من “التقرير التحليلي للمكتب الأممي للمخدرات والجريمة” لعام 2016، “إن التوقيفات في القضايا المرتبطة بالحشيش والعمليات المعروضة على العدالة انخفضت في المغرب”، وهو ما يمس ولا شك دولة القانون ويضعفها، وقد تبدأ مع هذا الوضع معالم الدولة الفاشلة.

   ويمكن الجزم أن قرار حزب الأصالة والمعاصرة بتقنين الحشيش لا يمت للشرعية الدولية بصلة، أو البرامج العالمية، خصوصا برنامج التنمية المستدامة في أفق 2030، وتشرف عليه الأمم المتحدة.

   والتوتر المصطنع بين الرباط والأمم المتحدة، قد لا يتصل بمشكل قديم في الصحراء، بقدر رغبة المغرب في إطلاق إجراءات أحادية الجانب بشأن المخدرات.

   وستمس حكومة يرأسها إلياس العماري بجوهر الاتفاقيات الموقعة مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وأيضا الأمم المتحدة في خططها كما تتحدث عنها الوثيقة النهائية للجمعية العامة في لقائها تحت عنوان: “التزامنا هو إثارة المكافحة الفعالة للمشكلة الدولية الخاصة بالمخدرات”.

   وتنصيب حكومة من هذا الحجم، يمس من جهة أخرى بـ17 هدفا للتنمية المستدامة، حسب أولويات وأهداف الأمم المتحدة، وعلى رأسها “تحويل مجتمع الشمال ـ الريف ـ إلى مجتمع مسالم نزيه وتشاركي”.

   وعوض أن يبدأ حزب الأصالة بالهدف العاشر ضد الفجوة الكبيرة بين الأغنياء والفقراء، والهدف الثالث (الحياة الصحية والجيدة لكل الأعمال)، ودفع النساء الجبليات والريفيات إلى إعادة إنتاج استقرارهن كما في الهدف الخامس، نلاحظ أن تقنين المخدرات يمس التنمية المستدامة كما تخطط لها الأمم المتحدة، وتبدأ بالوصول إلى هدفها الأول، والقاضي بضرب كل أشكال الفقر.

دولة فاشلة في محاربة المخدرات، والدولة الأولى في مكافحة الإرهاب، تخلق أزمة بنيوية وستمس هذه المفارقة دولة القانون في المغرب وقد تحوله إلى دولة  فاشلة

   إن دولة فاشلة في محاربة المخدرات ومتقدمة في مكافحة الإرهاب، ستمس المملكة من واجهتين :

   أ ـ المساس بدولة القانون.

   ب ـ ضرب العدالة الجنائية(1).

   وتفرض المخدرات دورة كبيرة من تبييض الأموال، وقد ساد في فهم حزب الأصالة والمعاصرة: “أن المغرب لا يمكنه تمويل الديون الخارجية دون دورة مالية للمخدرات”.

   تقول المصادر: “إن المكتب الأممي يخشى من حكومة تقنن أو تشرع ما يكافحه، وهو مساس بالشرعية الدولية، ولا يمكن للمغاربة أن يعطوا الشرعية القانونية لزراعتهم مادة مخدرة، ومن غير الممكن التحكم في رد فعل 40 ألف مزارع حشيش، إن قرر إلياس وحزبه النكوص على وعوده التي أعطاها لأربعين ألف شخص.

   وينبغي أن نكون دقيقين للغاية، فما تعتقده جريدة لوموند” الفرنسية(2) أنه خلاف في الأرقام بين الجهات الرسمية المغربية، ومكتب الأمم المتحدة للمخدرات والجريمة، والتقرير الاستراتيجي لضبط المخدرات الدولية ليس صحيحا، لأن المخدرات تقلصت في المساحات المزروعة، وزادت في الجودة وتسميد النبتة، فزاد إنتاجها، كما زادت زراعتها في المساحة السقوية.

   وكما تقول الإحصائيات، فإن المساحات المزروعة انخفضت من 134 ألف هكتار في سنة 2003 إلى 52 ألف هكتار في سنة 2012، و47.196 في سنة 2013، أي انخفاض في المساحة المزروعة بـ70 في المائة في 10 سنوات(3)، لكن الإنتاج زاد من 98 ألف طن في 2005 إلى 700 ألف طن في 2013، ليبقى المغرب أول منتج دولي للحشيش(4).

   ويأتي فك اللغز من التحقيق الذي أطلقته الأمم المتحدة عبر الأقمار الصناعية “سبوت 5” في 2005 ونشرته في 2007(5).

   يقول التقرير أن الزراعة المسقية زادت في سنة واحدة بين 2004 و2005 بـ8 في المائة ووصلت إلى 20 في المائة، ومن هذه السنة زادت المساحات السقوية وباقي وسائل الإنتاج، حيث زاد في المساحات من 1270 كلغ في الهكتار إلى 1821 كلغ في الهكتار في سنة واحدة، تحسن الإنتاج بـ550 كلغ في الهكتار الواحد، وارتفع ثمنه في سنة واحدة، بنسبة مائة في المائة، حيث بيع الكيلوغرام الواحد الخالص غير المصنع في 2004 بـ25 درهما وفي 2005 بيع بـ50 درهما، وزاد تصنيعه بـ186 في المائة، وهو ما يتجاوز في مستوى آخر البيع التجاري للمنتوج الطبيعي للحشيش.

   وانتقل مردود المزارعين في سنة من 2.9 مليار درهم إلى 3.5 مليار درهم، أي بإضافة 19 في المائة كل سنة، وحصر التقرير هذه الميزانية بزائد 19 في المائة، أي من 325 مليون دولار إلى 386 مليون دولار وزائد 24 في المائة باليورو، وتحسنت مداخيل 89.900 أسرة، وفي كل سنة تزيد مداخيل كل أسرة بـ8 آلاف درهم على المتوسط البالغ (30 ألف درهم).

   ويصل رقم المعاملات العالمية للحشيش المغربي إلى 13 مليار دولار، وبإقرار جودة المنتوج والتصنيع والترويج نحن أمام زيادة مقدرة بـ5.6 مليار دولار سنويا في رقم الأعمال، وبمضاعفة الإنتاج إلى 700 ألف طن، يدير المغاربة حوالي 100 مليار دولار سنويا.

تقنين رقم الأعمال متصل بـ700 ألف طن، يفضي بأطراف الدولة إلى إعادة تثمين هذه المادة لأن 100 مليار دولار رقم مهدور بالنسبة للدورة الاقتصادية، ومحاولة الوصول إلى ما بين 20 مليار دولار و30 مليار دولار يخدم تسوية الديون الداخلية على الأقل بسبب ارتفاع المديونية التي تضاعفت حسب إلياس العماري في عهد حكومة عبد الإله بن كيران لتفوق 83 بالمائة من الناتج الداخلي الخام، وهي متفرقة بين الخزينة والجماعات المحلية متجاوزة حاجز الـ840 مليار درهم بعدما كانت لا تتجاوز الـ420 مليار درهم سنة 2011

   قال الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة، “إن الحكومة كالمعطل الذي اقترض للعمل فتناسى عمله وذهب للاستجمام”، مسجلا أن الأموال المقترضة صرفت في الاستهلاك، وأن المغرب لا يملك ما يسدد به الديون، لأنه لم يستثمر في أي قطاع.

   وأكد أن المغرب ليس من مصلحته المماطلة في تسديد ديونه ولن يسعفه الاختباء، لأنه سيصبح مكشوفا أمام الجميع مع الوقت(6).

   ويرفض حزب الأصالة الديون الجديدة أو المماطلة في تسديد الديون، فيكون أمام الجميع حل واحد: تقنين المخدرات لتثمين دورتها المالية وإن في حدود مليار دولار سنويا لمنع ديون جديدة والتمكن من تسديد الديون القديمة بـ20 إلى 32 في المائة على أقل تقدير.

   إننا أمام خطة ترفضها الأمم المتحدة، وهي غير مكشوفة بالكامل، لكنها عند بعض الملاحظين “مؤكدة ” كي لا تمس دورة اقتصاد الريع، بل يلتحق تقنين المخدرات بتقنين الريع لأن الكل يستدين للاستهلاك أو الرفاه من آخر مواطن إلى أعلى سلطة في المملكة.

   ولا يمكن الاستمرار في ديون تصل إلى ألف و200 مليار درهم إن واصل بن كيران ولايته الثانية، كما يجمع الخبراء، لكن الحل، كما يقترحه حزب الأصالة “معقد ويرهن المملكة للمخدرات والريع”.

الشق الثاني من خطة حزب الأصالة والمعاصرة تهدد بثورة 40 ألف مزارع إن لم يتحقق الوعد الحكومي بالعفو الشامل

   هذه القصة المؤجلة بين 40 ألف مزارع وأجهزة الدولة قد تنفجر في عهد رئاسة حزب الأصالة للحكومة القادمة، في حال فوزه في استحقاق 7 أكتوبر 2016، وقد بلغ المجتمع تفسخا غير مسبوق، وهو ما يوضحه اعتقال 26.000 شخص بسبب المخدرات في رمضان، وفي أجواء دولية، تؤكد على زعامة المغرب لإنتاج الحشيش (القنب الهندي) في العالم، تصل دائرة المستهلكين إلى 183 مليون نسمة أي حوالي 38 في المائة من مستهلكي المخدرات.

   ويزداد استهلاك الفرد للحشيش، ولا يتوسع الأفراد حسب آخر تقرير للأمم المتحدة عام 2016، مذكرا أن هناك صلة مباشرة بين المخدرات والسيدا، إذ أن 14 في المائة من المستهلكين للحشيش مصابون بهذا المرض، ووصل عدد صرعى الحشيش في العالم إلى 43 ألف و500 ميت في كل مليون نسمة على سطح الأرض.

   وهذه الإحصائيات تخص الحشيش، الزراعة الأولى بين المخدرات وتشمل المنتج الأول لها عالميا أي المغرب، و تكشف هذه المعطيات إلى أي حدود تربط الأمم المتحدة مكافحة الحشيش مع الأخلاق والقانون.

   وهذه المعركة داخلية وسياسية في المملكة رغم التمييع الحادث بخصوصها، لأن الأمم المتحدة لا تقبل حكومة تشرعن المخدرات في بلدها، وتدفع الدولة أن تكون درعا للمافيا المتطورة والمؤثرة على القرار والمنتجة لأنواع ومواد جديدة (244 مادة إلى حدود يناير الماضي بإضافة 10 أنواع عن 2014).

   إذن، نحن أمام صناعة “مافيوزية” في الظل، ولا يمكن في هذه الحالة سوى القول:

   أ ـ أن حزب الأصالة يدعم في خطته “تمردا” محتملا يقوده مزارعو المخدرات من أجل عفو عام.

   ب ـ أن رغبة الحزب وتمويله مرتبط بأجندة تقنين “الحشيش”، وهذا التمثيل المباشر لأباطرة الحشيش قسم المجتمع، وتخوف الجميع من سقوط الدولة.

تقنين الماريجوانا حول دولا، وأسقط أنظمة في شمال إفريقيا والشرق الأوسط، وسيكون لتقنين الحشيش انعكاساته السياسية الحادة على النظام المغربي

   إن التساهل الذي حدث مع المتورطين في إنتاج وتجارة الحشيش من 1998 إلى 2014 في المملكة، فرض توسعا ورؤية إنتاجية للحشيش، والمدخول الناتج عنه دون أي توسع في الأراضي المزروعة كي لا يثير المزارعون الأجهزة.

   وفي المراقبة الروتينية لمختلف أجهزة الأمن، حدثت مسارات حزبية وسياسية لمخدر الشيرا، الذي يزداد تأثيره على الساحة الحزبية بشكل مخيف، لأن الدولتين المنتجتين للقنب الهندي إما دولة فاشلة (أفغانستان) أو دولة ترغب في تقنين الحشيش ولا تخشى تبعات القرار، خصوصا وأن العاصمة الرباط ليست منتجا أولا للقنب الهندي، بل أيضا ضمن طريق إنتاج الهرويين بين إفريقيا الغربية وأوروبا الغربية.

   وفي شأن المحجوزات تأتي ثلاثة أرباعها في مادة الحشيش ومشتقاته من أمريكا و14 في المائة من إفريقيا و5 في المائة فقط من الأوروبيين.

   وتقنين القنب الهندي ليس سؤالا داخليا في المملكة، بل سؤال “جيوسياسي” أوروبي أيضا، ولا يمكن في هذه الحالة فصل الإسلاميين ومستقبلهم عن خصومهم الإقليميين، ولذلك  حرص حزب الأصالة والمعاصرة على تجاوز السؤال السياسي لتقنين الحشيش إلى المنحى الجيوسياسي في حرب تريد إسقاط الولاية الثانية لبن كيران، وهو ما يعتبره ملاحظون كثيرون في المغرب “تحصيل حاصل”، فيما يقاتل حزب العدالة والتنمية من أجل ولاية أخرى، لأن الفوز السياسي والحزبي في الانتخابات البرلمانية القادمة شفاف أكثر من أي وقت مضى، ولم يثر الحزب سياسات خاصة به إلى الآن، لكنه غير حسابات كثيرة في المملكة.

   وسؤال المخدرات ضمن التقديرات التي انتهى من خلالها حزب العدالة إلى خلاف جوهري مع حزب الأصالة والمعاصرة.

الإجابة عن سؤال المديونية بسؤال المخدرات جزء من الوعي العام المغربي

   تحولت المديونية الخارجية والداخلية في المملكة إلى سؤال إيديولوجي، وفي الوقت الذي زادت فيه مليارات المخدرات زاد تأثيرها السياسي على الأحزاب والمنظمات المدنية، وبدا أن تراجع الأراضي المزروعة، لا يعني تراجع جودة ومضاعفة الإنتاج والتصدير، وسيكون السؤال: هل إضافة نقطة ـ إلى نقطتين ـ في الناتج الداخلي الخام حالة ممكنة في المملكة؟ لأن حزب العدالة والتنمية لم يدر حربا ضد الفساد، ولا يمكن له تحقيق أي تطور خارج هذه الحرب، فيما يصالح إلياس العماري دولة الريع على المخدرات باسم تقنينها لإطلاق خطة إنقاذ، وإن تحول المغرب إلى دولة مارقة، فنحن لا نواجه الأمم المتحدة في ملف الصحراء، بل نواجه مكتبها الخاص بالمخدرات والجريمة وقرارات للجمعية العامة للأمم المتحدة.

   ليس في شمال المملكة جغرافية حزبية سهلة أو بليدة، لأن 11 في المائة هي مساهمة تطوان إلى جانب الحسيمة (16 في المائة) وتاونات (17 في المائة) وشفشاون (56 في المائة) في دورة المخدرات، وتبدو هذه النسب حاسمة في القرار المحلي والوطني.

   وندرك جيدا أن المخدرات لم تتراجع، وعندما نزلت المساحات المزروعة بـ46 في المائة، زاد الحشيش المسقي للنافذين بـ2 في المائة وتضاعف الإنتاج كل سنة.

   وفي الأفق، رأينا كيف يعيد الصراع في الشمال دورته القديمة، عندما اختار حزب العدالة والتنمية الدكتور نجيب الوزاني بثقل الزاوية والشوريين في مواجهة حزب الأصالة والمعاصرة.

   وعاد مهما القول، أن الاختلاف حول المخدرات لم يعد سؤالا وجوديا للمزارعين، بل سؤال السياسة في المملكة بين تيارين: محافظ اجتماعي، وآخر ما بعد حداثي، خصوصا إجابته الراهنة على المخدرات في المملكة والتي يتجاوز فيها الأعراف الدولية والشرعة الأممية ومخططها إلى 2030.

الحشيش يصنع خارطة الرشوة في المملكة ويشكل “الدولة في الدولة”

   في العدد 93 من مجلة “بوليتيك أفريكان”، يجيء العنوان الداخلي شاملا: “اقتصاد المخدرات وشبكات الرشوة في المغرب”(7)، والعنوان الخارجي أكثر دلالة لإثارته العولمة.

   والرباط تجد وجهها العولمي في (تصدير الحشيش) قبل أي شيء آخر، وهو عنوان حداثة المدافعين عن تقنين هذه المادة، لكن هذا التقنين سيكون محليا، ويدفع إلى استثمار ما هو عولمي في تبرير إنتاج المخدر، وبناء شبكات مصالحه مع مصالح رجالات النظام.

   إن تقنين المخدرات آخر مراحل “الدولة الريعية”، و”النظام الريعي” في المغرب، ولا يمكن توقع ما بعده، وهو المجهول الذي تخشى منه الأمم المتحدة، لأن من الصعوبة رهن النظام بمصير المخدرات في بلده، واستمرار بعض الحدود الفاصلة بين الدولة والمخدرات واجب، وإلا ساد تبييض الأموال على (الأموال الشرعية) من الشركات، وقد يدمر الاقتصاد الأسود ما تبقى من قواعد ” قانونية “، وإن قنن الريع المخدرات فيبقى الإثنان “ناقصي الشرعية”.

   وحاليا، لا يمكن توسيع مصالحة (اقتصاد المخدرات) واقتصاد التنمية في شمال المملكة إلى باقي أرجائها، فالحسن الثاني ربح الاقتصاد السياسي لمنطقة الريف، وترك زراعتها للقنب الهندي “مؤثرة”، ولكن المخدرات لم تحكم، وحاليا، ليس لدى حزب الأصالة والمعاصرة سوى شيء فريد: تقنين المخدرات، وما تبقى يكاد لا يختلف فيه عن أي حزب آخر.

   وصناعة (الحشيش) للسياسة الجهوية كما يديرها إلياس العماري، قد تنتقل على الصعيد الوطني في أقل من سنة واحدة، ويبدو في هذه التقديرات: “أن العالم لا يريد تحت أي ظرف الضغط على جهة واحدة يرأسها إلياس العماري، وهي تنتج أكبر مخزون في العالم من مادة الحشيش، وأيضا لا تسعى الأمم المتحدة أن يدير الحشيش سياسة وطنية”.

   يعلق الكاتبان في مقال “السياسة الإفريقية” على هذا الوضع بالقول: “إننا أمام شبكات رشوة إقليمية إسبانية وفرنسية متداخلة مع نظيرتها المغربية، ولها مصالح في الدول الثلاث، وامتداد مؤكد في دوائر القرار في العاصمة الرباط”، لذلك فإن تخوف الأمم المتحدة واقعي لاعتبارات اقتصادية وجيوسياسية “عليا” حسب وصف المجلة.

   ويكتري الحشيش طرقه للكوكايين، ويتمدد من إفريقيا الغربية، العمق الاقتصادي الأول للاستثمارات المغربية، وباتجاه أوروبا الشريك الأول للمملكة.

   وبالتأكيد، لا شيء يخدم هذه الشبكات سوى حزب الأصالة والمعاصرة، وتقنينه للحشيش وباقي المخدرات، وهو يرأس حكومة المملكة وستشكل هذه الفرصة “ثورة” ستدمر ثوابت كثيرة.

   ويعرف المتابعون جيدا، أن المخدرات في المغرب أثرت في كل تفاصيل مجتمعه وسياساته  وإعلامه، وهو ما يدركه الغرب جيدا، إلى درجة قال فيها أن من منع جريدة “دومان”، وسجن مديرها، لمرابط، هي لوبيات المخدرات كما قالت “كوريي انترناسيونال”، (العدد 528 عام 2000)، ونفس الشيء مع باقي الجرائد والمجلات المغربية، وتلك كواليس أخرى.

   واليوم، كل الأحزاب تستجيب لتأثير دوائر المخدرات، واختراق هذه اللوبيات لحزب العدالة والتنمية ضعيف وفي حدود 3 في المائة، بما يشكل صعوبة إضافية لهؤلاء في الخمس سنوات قادمة، إن تمكن بن كيران من ولاية ثانية.

الأمم المتحدة تفضل عدم تراجع المغرب عن دولة القانون في مقابل تعايش قائم مع دولة الريع، دون أن يقنن النظام المخدرات ويدمج لوبيات في آلة التدبير الحكومي، لأن المخاطر متعددة، وقد تؤدي به إلى الانحراف

   لم يرغب الملك الحسن الثاني في تسييس “الحشيش” أو تحزيبه فكيف بـ “تقنينه” لأنه منع لعبته من أن تنحرف، ولذلك اختار التكنوقراط أو اليسار الوطني في حكم بلاده، دون أن تهبط لعبته السياسية إلى الدرك الأسفل.

   وبوعي دقيق منه، فضل أن يناور الأمم المتحدة، لأنه ضمن للمخدرات الوجود “البدائي المتسع وغير المنتج”، وفي لحظة تحولت المخدرات إلى رؤية إنتاجية وتصديرية جديدة طالبت بتقنينها ليس للخروج على النظام، بل للتأثير على القرار.

   ويعرف الجميع المسارات التي تعتبر حاكمة، أو حاسمة في خارطة المخدرات في المملكة، وحاليا، لم يتمكن أي طرف دولي من الضغط على المملكة لإطلاق حملة تطهير، لأن نفس الشبكات بامتداداتها في فرنسا وإسبانيا لم تتمكن من إطلاق هذه الدعوة.

   فمنذ 1995، تحدث الباحثون عن “جيوسياسة المخدرات”، والآن نتحدث عن رهانات تقنين المخدرات في السياسة والانتخابات، وهي مرحلة أخيرة للسطو على القرار، وسكتت باريس عن التأثير الجيوسياسي للمخدرات، كما عرضها مركز أكاديمي معروف(8) منذ تسعينات القرن الماضي في مقابل ما سمي: “منع التأثير الجيوسياسي للإسلاميين”، وترفض الأمم المتحدة هذه القراءة الفرنسية.

للمخدرات رهانات حزبية وسياسية منذ منتصف تسعينات القرن الماضي

   بظهور التقرير الذي طالبت به السكرتارية العامة للاتحاد الأوروبي عن تأثير “المخدرات المغربية” في السياسات عام 1994، عرف الأوروبيون كيف يدمجون المغرب في مسار أتى بالاشتراكي، عبد الرحمان اليوسفي بعيدا عن تأثير دوائر المخدرات، وعملت الحكومات بعدها على منع توسع (الأراضي المزروعة بالحشيش)، ومنذ وفاة الحسن الثاني، لم يقم المغرب بأي حملة تطهير، ويحتفظ أصحاب المخدرات لعبد الإله بن كيران بنفس الخطوط الحمراء الموضوعة بين الحكومات ولوبيات المخدرات  في البلد.

   ووصل الوضع مؤخرا إلى اقتراح حزب الأصالة والعاصرة تقنين المخدرات، فكسر خطا أحمر قد يقلب اللعبة والدولة إلى مسار يرفضه الكثيرون، وفي مقدمتهم الأمم المتحدة التي نعرف تأثيرها الضعيف على العاصمة الرباط منذ الخلافات الأخيرة مع المنظمة وأمينها العام بان كيمون.

   وخوفا على استقرار النظام في المغرب، فضلت المنظمة الأممية إرسال إشاراتها لدوائر الحكم في المملكة، مؤكدة أن عدم الوفاء بوعد العفو العام على 40 ألف مزارع للمخدرات من طرف حزب الأصالة والمعاصرة، إن ترأس الحكومة، سيكون مقلقا للغاية، ولا ضمانة في عدم انجرار المملكة إلى دائرة عدم الاستقرار، فيما سيكون تنفيذ هذا الوعد هزة ستمس مصداقية المغرب في الداخل والخارج.

المأزق الذي نبهت إليه كواليس الأمم المتحدة يربك وصول حزب الأصالة والمعاصرة إلى رئاسة الحكومة القادمة

   التحقيق الذي أجراه “لابروس ورميرو” حول المخدرات في المملكة عام 2002(9)، هيأ لتحقيق بالأقمار الصناعية من طرف الأمم المتحدة، كشف الأهداف السياسية للوبيات المخدرات في المغرب، لكن فرنسا أوقفت هذا التأثير بشراسة، وتساءلت الأوساط، جراءها، عن وجود سياسة مغربية لفرنسا(10)، أما حاليا، فإن وسائل الإعلام تعبد المخدرات وتخضع للوبيات عوض أن تكون في مواجهتها(11).

   والتحالف الذي حدث على الأرض بعد أن حاكمت الدولة عملاءها المتاجرين للمخدرات في الشمال، كما قال بنشمسي تعليقا على محاكمة الرماش (تيل كيل، 25 فبراير 2004) تعزز بسط نفوذه على الشمال، وأصبح واضحا أن البارونات لا يخسرون الشمال كما قالت “ماروك إيبدو”(12)، بل يربحون المغرب، وستكون رئاسة إلياس العماري للحكومة انتصارا لهذا التوجه، ولهذه الاستراتيجية التي تسكت عنها فرنسا وإسبانيا وتدعمها جهات نافذة، لكن الحسابات لا تخدم بالضرورة هذا التقرير أو بالأحرى القرار، وتصنع الكواليس خطا ثالثا يمنع الوصول بكل الأهداف إلى نهايتها، وتحذيرات الأمم المتحدة واعية بدقة المرحلة، لأنها ليست أوراقا، بل استشارات هادفة، وترفض المنظمة الأممية استصدار تقييمات بخصوص الوضع الداخلي في المغرب، كما ترفض نشر خلاصاتها الأولية.

   وفي هذا السياق، نجد أن تحذير الأمم المتحدة (غير الرسمي والمفترض أنه استشارة لتقييم موقف داخلي لدولة عضو) له مفاعيله بشأن رئاسة إلياس العماري للحكومة القادمة في المغرب، لأن من يقنن وضعا مرفوضا ـ في موضوع المخدرات ـ كمن يقتل القانون باسم القانون.

هوامش

1_ UNUDC, rapport mondial sur les drogues (2016). 
2_ le monde, Maroc: la culture de cannabis est vraiment partie en fumée (9/ 7/ 2015).
3_ media 24.com. (163492).
4_ Telquel.com (le Maroc reste le premier producteur mondial de cannabis (24/6/2016).
5_ 21 Ikonos /Quick bird images (archive, pan band).
6_ Lakom2 (28 /8/2016).
7_ Economie de la drogue et réseaux de corruption au Maroc par Philipe bordes (journaliste) et Alain Labrousse (sociologue), politique Africaine n°93 (globalisation et illicite) n°93. 2004, éditions Karthala.
8_ Observatoire géopolitique des drogues (O G D) rapport d’enquête sur les enjeux politiques économique et sociaux de la production du trafic des drogues au Maroc, réalisé à la demande de l’unité drogues du secrétariat général de la commission des communautés européennes, mars 1991.
9_ A. Labrousse et l. Romero, enquêté sur la situation de cannabis dans le rif Marocain, juin –aout 2001, saint Denise – la – plaine. OFDT.2002.
10_ H. Durand, la France – a – t – elle une politique Marocaine? confluence méditerranéenne, n° 23, Automne 1997.
11_ Fondation Charles – Léopold Mayer, pour le progrès de l’homme, les médias face à la drogue, dossier pour un débat, n°76, Mars 1997.
12_B Al .AZIZI, les barons perdent le Nord, Maroc hebdo, 25 janvier 2004.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!