في الأكشاك هذا الأسبوع

الحقيقة الضائعة | بين دستور 1908 ودستور 2011: انظروا إلى صورة محمد الخامس.. فهكذا يكون الملوك

بقلم: مصطفى العلوي

   يخيل إلى المتفحص في ثنايا هذه الصورة المنشورة في الصفحة الأولى، أنها ترجع إلى القرون الوسطى، وحتى إذا كان الأمر كذلك، فيا ليتنا عدنا إلى القرون الوسطى، حيث نرى في الصورة، مؤسس دولتنا هاته، الملك محمد الخامس، وهو يقتعد الأرض المجردة، بلا كرسي ولا صولجان، ولا كارد كور، ولا مهرجان، متفرجا في ملعب الكرة، وقد جلست الجماهير معه متزاحمة على الكراسي، وجلس هو بعيدا عنهم على الأرض، وبجانبه ابنته للاأمينة، التي ازدادت له في المنفى الذي كان يتواجد فيه بمدغسكر، بعد أن نفاه المستعمرون الفرنسيون.

   لا ترجع هذه الصورة إلى مئات السنين، فالجالس على الأرض، هو أب الملك الحسن الثاني، وجد الملك محمد السادس، وقد كانت هذه طباعه، وهذه طريقته في الحكم، فهو يعرف أن الشعب المغربي ضحى بكل شيء من أجل رجوعه، فبقي بعد رجوعه، جزءا من هذا الشعب، متوجا على قلوب هذا الشعب، لا تواجد في أطراف عرشه، لما يشغل هواة الكلام، والانتقاد، ولا تلميحات الفيسبوك، ولا مؤامرات الحراس، ولا مناورات المقربين، فقد كان وهو محاط بأقطاب الحركة الوطنية وضباط الجيش، والمخازنية والمتشبثين بعقلية المخزن، لا يتزحزح عن موقعه في القلب المغربي، واضعا نفسه في إطار الحدود التي خطها من سبقه إلى العلم والمعرفة، أستاذ الأجيال العربية والإسلامية ابن خلدون، الذي كتب للملوك دستورهم، وللسلاطين حدود نفوذهم، انطلاقا من أن السلطان، هو المتصرف الأكبر، والمؤمَّن على ثروات شعبه ((لا يمسها ولا يتصرف فيها، معتبرا ذلك التصرف من حدود الله))، لذلك نرى في بساطة الملك المؤسس محمد الخامس، امتثالا لما فسره ابن خلدون بالأمانة، وكأن الذين عاشروا محمد الخامس، يعرفون أنه كان يضع الموت نصب عينيه، فيكاد يعيش الطور الأول لدولته، كما كتبها ابن خلدون: ((حيث يتم أمر صاحب الدولة بقومه الذين هم عصابته وظهراؤه، بهم يقارع الخوارج على دولته، لأنهم أعوانه على الغلب وشركاؤه في الأمر)).

   ابن خلدون العظيم جمع بين المتواجدين في المحيط الملكي وتحولهم الحتمي، من أنصار للملك، إلى عبيد لمصالحهم الخاصة، يسهمون بلا شعور في تفكك الدولة، وخلد ابن خلدون: ((صار الكثير من أهل الدولة، ينزعون إلى الفرار عن الرتب، والتخلص من ربقة السلطان، بما حصل في أيديهم من مال الدولة، إلى قطر آخر، ويرون أنه أهنأ لهم، وهو من الأغلاط الفاحشة التي تؤدي إلى هرم الدولة، مثلما أنه من أثار الهرم في الدولة عندما يستفحل الملك ويبلغ من أحوال الترف والنعيم، ويستبد بالمجد)) (راجع مقدمة ابن خلدون. اختيار محمد جادور).

   بينما لم يعش محمد الخامس الطور الثاني الذي حذر فيه ابن خلدون الملك، من تجبر أعوانه حيث: ((يظهر الاستبداد(…) والدفاع بالمجد، ليرتبط ذلك التحول، إلى اهتضام الدولة علامة على المرض المزمن، ومرض قلوب أهل الدولة(…))) وحتى نجد لأقطاب السياسة في عصرنا الحاضر، مبررا في اعتبار محمد الخامس ببساطته وتأثره بالحكمة كما كتبها ابن خلدون، فندخل رأسا إلى حاضر الانتخابات التي ستجرى هذه الأيام، في إطار دستور 2011، يجب تذكير الغافلين(…) بأن الملك محمد الخامس، كان يرى في دستور زمانه، وكان الفرنسيون بعلمائهم وعباقرة الحكم في عهدهم، قد كتبوا للمغرب دستورا مؤرخا بـ11 أكتوبر 1908، على المهتمين بالسياسة أن يرجعوا إليه، ليجدوا فيه نصوصا متطابقة تمام المطابقة مع المصلحة الشعبية، بنصوص لا نجد لها مثيلا، بكل أسف، في دستور 2011، من قبيل ما ينص عليه الفصل 20، على أن: ((الفقراء، والمعطوبين، والعمي، هم فئة معفاة من دفع الضرائب))، والفصل 27 من نفس الدستور، الذي ينص حرفيا على: ((المنع المطلق في جميع أنحاء المملكة، لممارسة الضرب والتعذيب بأية وسيلة كانت مثلما تمنع كل التصرفات المتناقضة مع مقاييس الحضارة الإنسانية)) مثلما ينص الفصل 47 على حتمية: ((أن تكون شؤون كل دائرة سكنية موكولة إلى سكان المنطقة، المتأصلين من تلك المدينة أو تلك القبيلة)).

   وكما ينص هذا الدستور على تأسيس مجلس استشاري يكون مكلفا بتسيير شؤون الدولة يجتمع دائما بعد أداء القسم، لا يحصل إلا على عطلة عشرة أيام بعد التاسع من شعبان، وعطلة في عيد المولد، وعطلة في عيد الأضحى، على أن تبقى جلسات هذا المجلس معقودة طول السنة.

   ويحدد هذا الدستور، على أن السلطان لا يتدخل في شؤون التسيير، ملمحا إلى أن السلطان مولاي عبد العزيز، تمت إقالته مباشرة بعد موافقته على عقد الجزيرة، الذي أساء إلى السيادة الوطنية.

   حيث أن مهمة السلطان، هي مهمة إمارة المؤمنين وهو الدستور الذي يطعن في ميزة انتماء السلطان إلى النسب النبوي، منبها إلى أن ((المغرب حكمته قبل العلويين، دول لا علاقة لها بالنسب النبوي، هي دول، المرابطون، والموحدون، والمرينيون، والوطاسيون، الذين لم يأخذوا شرعيتهم إلا من مساندة السكان والقبائل)) (انظر كتاب: الحكومة المغربية. محمد الحبابي).

   وكان مؤرخ فرنسي، قد أصدر كتابا عن ميزات هذا الدستور التقدمي ملمحا إلى ميزات تحديد المهام السلطانية، بهذه الصيغة: ((النفوذ السلطاني مرتبط بامتثاله بالمسؤوليات المسندة إليه، مثلما أن امتثال الشعب مرتبط باحترام السلطان لتلك المقاييس)) (جاك روبير. الملكية المغربية).

   والذين عاشروا الملك محمد الخامس، كانوا يلاحظون أن تصرفاته كانت متطابقة مع دستور 1908، وربما لذلك لم يصدر دستورا جديدا، معتبرا أن نصوص ذلك الدستور، كانت متطابقة مع المصلحة العليا للملك والشعب، خصوصا وأن هذا الدستور، صدر قبل فرض الحماية الفرنسية على المغرب، وتصرفت الحماية الفرنسية على أساس تجميد ذلك الدستور.

   ولكن لكل زمان ظروفه.

   كما أن لزماننا هذا ظروفه التي انطلقت في عهد الملك محمد السادس، على ما كتبه أحد أولاد الجنرال أوفقير، رؤوف، مؤخرا في موقعه الإلكتروني حيث قال: ((إن الملك محمد السادس، اختار أن يكون محبوبا على أن يكون مهابا(…) معتقدا أن هذا الرصيد من الحب يضمن الاستقرار)) (رؤوف أوفقير. الفيسبوك 30 يوليوز 2016).

   لكن ماذا يقصد ولد الرجل القوي، المجرب، باستمرار الاستقرار على حساب الهيبة، في زمن معروف بالفوضى، وقد لاحظنا مؤخرا هذا التراكم الفوضوي، واستفحال الجرائم بشكل مخيف، في شمال المغرب وجنوبه.

   وهل لا يخيفنا هذا التهديد، الذي يطال الانتخابات المغربية، حيث أعلنت الداخلية أن خمسة عشر مليون مغربي سيصوتون، إذا صوتوا(…) في هذه الانتخابات، علما بأن المصلحة المكلفة بالإحصاء لم تكن أبدا، متأكدة من العدد الحقيقي لسكان المغرب، مادام صاحب العين المجردة يرى أن خمسة عشر مليونا من المغاربة، متواجدون في الدار البيضاء وضواحيها، فقط، وخمسة عشر مليونا متواجدون في منطقة الشمال وحدها، وأن المغرب في الواقع يسكنه أكثر من خمسين مليونا من السكان.

   حقيقة أن المغرب، وخاصة في العشر سنوات الأخيرة، اختار الخضوع والوفاء للملك محمد السادس في إطار من الوفاء، ليس فقط لهذا الملك وإنما أيضا لمبدإ الملكية، وقد أصبح المغاربة يقشعرون الجلود، مما يجري في ليبيا، وفي سوريا، وفي العراق، وحتى في مصر واليمن، وهي الخريطة التي كان يحكمها في استقرار نموذجي، ملوك عرفت شعوبهم في ظلهم الاستقرار الكبير، لكن كثيرا من الملوك أخطؤوا، وفيهم من تجبروا، فغادروا وتركوا دولهم عرضة للفوضى، غادروا، وكثير منهم طردوا… ورحم الله ابن خلدون.   

   صحفية من الجيل الجديد المتأثر بهذا التعاطف مع الملك محمد السادس، فكتبت، وكل كتاباتها من محبرة الخوف على الملكية، كتبت في هذا الأسبوع الذي سبق الانتخابات:  ((اليوم.. وقد كانت تأثيرات الملك محمد السادس، تحظى بالقبول، ها نحن نرى هذا الاختيار منهكا، حيث انهارت التوقعات الاقتصادية، فلابد من تحديد مخطط آخر للاختيارات الاقتصادية، مثلما أن تحديات عهد محمد السادس ملزمة بانبعاث جيل من المواطنين الأحرار، بينما – وبدون نقاش – كان هناك الفشل الذريع)) (عائشة أقلعي. تيل كيل. فاتح شتنبر 2016).

   فهل يرجع محمد السادس بالمغاربة إلى ذلك الماضي الذي شرف فيه جده الملك محمد الخامس، الملكية وشرف المغاربة.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!