خاص | مؤشرات حرب جديدة في الصحراء.. الموريتانيون نسوا مصاهرتهم مع العلويين وبيعتهم للسلطان محمد الخامس

قبائل موريتانية قصرت الصلاة ومنعت الحفلات والأعراس احتجاجا على نفي محمد الخامس

إعداد: سعيد الريحاني

   بعيدا عن الحسابات الانتخابية الضيقة، يبقى أكبر وأخطر حدث شهده صيف 2016، هو تحرك القوات المغربية، لتطهير منطقة “الكركرات” المعروفة باسم “قندهار” عند الحدود مع موريتانيا، وتقول مصادر إعلامية، “أن شاحنات تابعة لشركة مختصة بمدينة العيون، قامت بشحن مجموعة من السيارات التي تخلى عنها أصحابها بمنطقة قندهار، التي قامت قوات مغربية مكونة من 1000 عنصر بدعم آليات ثقيلة بالسيطرة عليها.. وتمكنت القوات المغربية، في وقت سابق.. من فرض سيطرتها على المنطقة  القريبة من الحدود المغربية الموريتانية، وضربت طوقا أمنيا حولها، دون أي مواجهة مباشرة مع تجار السيارات وبائعي المتلاشيات هناك من الصحراويين والموريتانيين، وذلك بعد أن باشر مسؤولون مغاربة، بإقامة حوار مباشر مع المعنيين، تمخض عنه منحهم مهلة زمنية لإجلاء سياراتهم وبضائعهم من المنطقة المذكورة”.

   حدث من هذا النوع، دفع جبهة البوليساريو، وأنصارها للحديث عن تحرك عسكري مغربي، وخرق لاتفاق وقف إطلاق النار بالصحراء، غير أن الجانب المغربي، بالمقابل يشرح “موقع 360″، الذي تصنفه وسائل إعلام فرنسية، بأنه موقع إخباري مقرب من القصر الملكي، بأن الأجواء “مشحونة بين المغرب وموريتانيا” (16/08/2016)، بعد قرار الرئيس الموريتاني القاضي بنقل منظومة الصواريخ إلى شمال البلاد عوض جنوبها، ومنع القنصل المغربي من دخول التراب المحادي للكويرة، بالتزامن مع العملية التمشيطية التي باشرتها القوات الأمنية المغربية بالمنطقة العازلة “قندهار”. حسب نفس المصدر.

   تحرك الآليات العسكرية من هذا الطرف أو ذاك لا سيما بين المغرب وموريتانيا، وتحرك الإعلام الموريتاني للهجوم على المغرب، قد يكون مؤشرا لحرب بالمنطقة، تلغي المعطيات التاريخية، وها هو أستاذ جامعي متخصص في شؤون الصحراء، نور الدين بلحداد يتساءل، عبر جريدة “الأسبوع”: “ما هذا الانحراف عن جادة الصواب يا أبناء عمومتنا بموريتانيا؟”.

   وكان بلحداد واحدا من الذين استغربوا للتوتر الذي تسببت فيه موريتانيا برفع العلم الموريتاني في سماء الكويرة المغربية، “بل تمادت الحكومة الموريتانية في غيها، وفي تطاولها بعد نشرها لخريطة المغرب مبتورة من صحرائه أثناء انعقاد مؤتمر القمة العربية فوق أراضيها، حسب قوله.

   انحراف السياسة الموريتانية إزاء المغرب، أكده بالملموس وقوف موريتانيا ضد المقترح المغرب المغربي لسحب العضوية من جبهة البوليساريو في الاتحاد الافريقي، وكذا فتح سفارة للجبهة الانفصالية، بعد سنين من التآخي مع المغاربة، وكمثال على “هذا الحب الذي ظل يجمع بين كل أبناء الإيالة المغربية في حدودها الجغرافية التي كانت قائمة لعدة قرون إلى حدود نهاية القرن 19، نستحضر تلك المصاهرة الطيبة، التي حضيت بها أسرة وقبيلة الزوجة الصالحة، خناثة بنت بكار المغافرية من بلاد شنقيط، زوجة السلطان الأعظم مولاي إسماعيل، وأم السلطان مولاي عبد الله، وجدّة السلطان سيدي محمد بن عبد الله، فهذه القرابة وهذه المصاهرة كفيلة لوحدها بأن تذوب جليد التنافر والتوتر بين المغاربة والموريتانيين”، يقول بلحداد.

   نفس المصدر يقول: “نستحضر كذلك تلك الوفود العالمة القادمة من الحوض، أدرار، تكانت، تشيت، تجكجة، أكجوجت، آطار.. في اتجاه عاصمة المغرب فاس، وقصد التحصيل أو التدريس في جامعة القرويين، أو في إطار وفد الحجاج المغاربة الذي لم يكن ليستكمل كل عناصره بدون أبناء شنقيط البررة.

   وحتى لو حاول المستعمر الأجنبي تكسير تلك الروابط الوحدوية التي ظلت تجمع أبناء شنقيط بإخوانهم بالشمال وادعاؤه باحتلال جزء من الأقاليم الصحراوية، فإن إخواننا بالجنوب كانوا أول من شق عصا الطاعة مع المحتل وأعلنوا مغربيتهم وانتماءهم للمغرب، وخضوعهم للسلطان المغربي، ولن نجد أحسن مثال على ذلك سوى الرسالة أو الوثيقة التاريخية التي تعبر عن مدى صدق وطوية أبناء شنقيط وهم يعلنون عن فرحتهم واستعدادهم لاستقبال السلطان مولاي الحسن الأول في ديارهم، بعد أن وصل في حركته الثانية إلى منطقة وادي نون سنة 1886، لتعزيز سلطته بالصحراء وتفنيد مزاعم إسبانيا القائلة باستسلام قبائل وادي الذهب لمبعوثها، إميليو بونيللي، الذي حط بهذه السواحل سنة 1884، حسب قول بلحداد.

   نفس المصدر يؤكد، أن الوثيقة التي بعث بها القائد، محمد بن أحمد بن الكور الزفاضي للسلطان مولاي الحسن الأول سنة 1886، تقول: “الحمد لله وحده وصلى الله وسلم على سيدنا وآله وعلى مقام سيدنا العالي بالله أفضل السلام وأزكى التحية والإكرام، أما بعد فالأهم المقصود من ناحية سيدنا نصره الله وأيده، الدعاء لنا بعز الدارين، والسلامة ومن وبالهما، وليكن في كريم علم سيدنا أيضا أن جميع قبائل الصحراء وأعيانهم كابن أحمد وعيد وقبائلهم وابن سويد أحمد وقبائلهم وكمثل أهل الزوايا، آل الشيخ المختار وآل الشيخ سيدي وأهل الحاج المختار وآل بارك الله وأهل التفغ الخطاط وتندغ جميعا وجميع الأبراكن وغيرهم من قبائل الصحراء، قد فرحوا بقدوم سيدنا لهذه البلاد، ويطلبون له النصر والظفر ويطلبون الله أن يمتعهم بلقائه في بلادهم، والحاصل أنهم يحبون سيدنا نصره الله وأيده وينصرون كلمته، ويحسنون إلى ما جاءهم بخيره، يسرهم ما يسره ويسوؤهم ما يسوؤه”. انتهى مضمون الرسالة.

   هذه الرسالة المشار إليها كان لها جواب واضح من السلطان، حسب بلحداد الذي أكد أن السلطان مولاي الحسن الأول بادلهم نفس المشاعر، وأثنى على مواقفهم الوحدوية وقطع الطريق على محاولات الإنجليز ببلاد أدرار، وأمرهم بعدم التعاقد مع التاجر الجاسوس “دونالد ماكينزي”، الذي وضع منذ استقراره بساحل طرفاية سنة 1878، بلاد شنقيط نصب أعينه مدعيا رغبته في إقامة علاقات تجارية مع قبائلها لمساعدتهم في الحصول على كل ما يحتاجون إليه من مواد غذائية وتجارية، لكن السلطان فطن لنواياه الاستعمارية، فبادر إلى تجديد ظهير تعيين الشيخ أحمد ولد عايدة كأمير على بلاد أدرار، بعد أمره بمنع القبائل من السقوط في حبال الجاسوس البريطاني، وعدم ربط أي اتفاق مع الأجانب إلا بعد الحصول على ترخيص أو إذن منه يسمح لهم بذلك، واستجابة لأوامر السلطان، مولاي الحسن الأول اعترضت قبائل بلاد أدرار طريق أعضاء البعثة الإسبانية المكونة من “خوليو ثيربيرا” و”فرانسيسكو كيروغا” و”فليب ريثو” الذين حاولوا خلال شهر يونيو من سنة 1886، عقد اتفاق مع بعض القبائل، واجتمع رأيهم على بعث رسالة إلى الأمير أحمد ولد عايدة ضمنوها موقفهم الرافض لعبور أعضاء هذه البعثة لأراضيهم، لأنهم بكل بساطة يعلمون بأن السلطان مولاي الحسن الأول لن يمنحهم أي ترخيص أو إذن بمواصلة رحلتهم.. وخوفا من وقوع مضاعفات خطيرة، أو حروب بين القبائل، تدخل أمير بلاد أدرار وأقنع شيوخ القبائل بعدم سفك دماء هؤلاء الأجانب، لأن ذلك سيجعل السلطان وقواده في مأزق أمام الأجانب، لأنهم سيجدون الفرصة مواتية أمامهم لاتهامهم بقتل رعاياهم، ومن تم سيطالبونهم بتعويضات مالية كبيرة، أو يهددونه بالتدخل العسكري في بلاده، وحينها، لن يجدوا بديلا عن المواجهة العسكرية المباشرة معهم.

   الوضع في الصحراء لم يكن بعيدا عن التطلعات الاستعمارية، يقول بلحداد، فقد تمادت فرنسا في سياستها التوسعية وظهرت نواياها الإستعمارية جليا في اقتطاع بلاد أدرار من الحدود المغربية، وأعلنت جهرا رغبتها في تشييد خط تجاري يربط عين صالح، التي اقتطعتها من صحراء المغرب الشرقية وألحقتها بمستعمراتها بالجزائر، ومدينة تمبوكتو بدولة مالي، ولامتصاص غضب الشيوخ، قررت فرنسا الاعتماد على وساطة الشيخ سعدبوه، الذي سقط في أحضانها لإقناع أخيه الشيخ ماء العينين بالتعاون مع السلطات الفرنسية والسماح للقبائل بربط علاقات تجارية مع مراكزها الموجودة ببلاد السنغال تمهيدا لتحقيق مشروعها التجاري الكبير.. لكن الشيخ ماء العينين آثر الواجب الوطني على المصلحة الذاتية، واستحضر وظيفته المخزنية المتمثلة في الدفاع عن حوزة الوطن وحماية حدوده الجنوبية.. وأخبر بذلك باحماد، في رسالة قال فيها، حسب نفس المصدر (الباحث نور الدين بلحداد): “ليكن في كريم علمكم أن الفرنسيين، كثيرا ما يطالبونني بالعهد معهم، وأنا أمتنع عن ذلك، إلا إذا كان على أيديهم، وفي أيامنا هذه القريبة، أتاني كتاب من عند أخينا الشيخ، سعدبوه، أنه يريد مني أن أعاهدهم، وقلت له إني لا أعاهدهم إلا إذا أرسلوا لي، وإن فعلوا فإني أعطيهم لهم على الوصف الذي يعطيه لهم محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وقصدي بذلك أنهم إذا أرسلوا لي، أقول لهم: إن الله تبارك وتعالى قال: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، ونحن أولوا أمرنا السلطان نصره الله، وأنا لا أعطيكم عهدا إلا به..” (المصدر: مقتطفات من كلام بلحداد).

   سقطت بلاد أدرار (موريتانيا) في يد الفرنسيين سنة 1909، وانتقمت فرنسا من بسالة المقاومين، وظنت أن المواجهة انتهت باحتلال بلاد أدرار وبفرضها لمعاهدة الحماية على المغرب في 30 مارس 1912، لكن الحقيقة التاريخية التي تحاول فرنسا التكتم عليها إلى حدود الآن، أنها رغم احتلالها لبلاد شنقيط وفصلها عن الدولة المغربية، فهي تعلم أكثر من غيرها الثمن الباهض الذي دفعته في هذه المواجهة لتحقيق حلمها الاستعماري، لأن المواجهة ستستمر باسم قبائل الصحراء المغربية، وسيتزعم المقاومة قبائل الركيبات وأولاد ادليم للدفاع عن إخوانهم أهل شنقيط، وستجري معارك طاحنة بين الطرفين خلدها مجاهدون أشاوس، أمثال إسماعيل ولد الباردي وأحمد ولد حمادي وعلي ولد ميارة والشيخ لجرب ومحمد المامون… وعبرت مورتانيا عن استنكارها لنفي فرنسا للملك الشرعي، محمد الخامس سنة 1953.. ودخلت قبائلها  في عصيان وتمرد، مثلها مثل قبائل الساقية الحمراء وادي الذهب، وقصرت الصلاة وامتنعت عن إقامة حفلات الأعراس والأفراح تضامنا مع ملكهم، وظلت العديد من هذه القبائل تحتفظ في منازلها بصور محمد الخامس كتعبير عن ولائها وارتباطها بالمغرب، وشاركت بعض الوفود منها أثناء الزيارة الملكية لمحاميد الغزلان سنة 1958، فجددت لمحمد الخامس البيعة والولاء، يقول بلحداد، الباحث المتخصص بشكل كبير في ملفات ووثائق الصحراء.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!