في الأكشاك هذا الأسبوع

ملف الأسبوع | مراكز عالمية لا تستبعد عملا إرهابيا بالتزامن مع الانتخابات

لأول مرة.. اقتسام إدارة الانتخابات بين القصر وحزب العدالة والتنمية

إعداد: عبد الحميد العوني

   ما إن أشار رئيس الحكومة، أن الحرب على “الدولة الثانية” في بلده هي برنامج حزبه العدالة والتنمية، ذي الميول الإسلامي، حتى تحركت أطراف نافذة لمحاصرة هذا المشروع، خصوصا وأن الإصلاحات التي يمكن أن يقوم بها الشعب، وتدفع طبقته المتوسطة ثمنها،  انتهت، وجاء الدور على ميزانية القصر التي خرجت تظاهرات صغيرة لخفضها ومسايرة إجراءات التقشف، وأيضا مراقبة ميزانية الجيش ومختلف مكاتب الاستخبارات في المملكة، واستبقت خطط منها لعبد اللطيف الحموشي، هذه الأهداف في إدارة الأمن والاستخبارات الداخلية (مراقبة التراب الوطني)، وقاد الجيش على بعد 7 كيلومترات من الحدود الموريتانية، وباتجاه بوابة الصحراء (كلميم)، تفكيك شبكات كبرى للتهريب، وخشي الخطاب الرسمي من رد فعل إرهابي كبير لتداخل مصالح التهريب والجماعات المسلحة، وهو ما تفهمته الأمم المتحدة في عملية القوات المسلحة “الكركارات”، وجاء الخطاب الملكي ناصا على الموقف الثابت للمملكة ضد الإرهاب، وعن استهدافه وبلده، لكن شبكات وأنصار  “الدولة الثانية” أدارت هذه التطورات الموجهة ضد حزب العدالة والتنمية، ويقضي قرارها النهائي بعدم رئاسة أي إسلامي للحكومة المغربية القادمة.

   وشكلت إثارة الملك لموضوع “الإرهاب” في آخر خطاب له، التأكيد على التهديدات التي يواجهها المغرب، وسعي بلاده لإجهاض مثل هذه “السيناريوهات” الصعبة التي تربط الرباط بموجة إقليمية من التطرف والعنف، ولتأمين انتقال المملكة إلى مرحلة ما بعد الإسلاميين، فضلت الرباط فتح صفحة جديدة مع الجزائر في موضوع التعاون الاستخباري والأمني، وهو ما يعزز الحرب الثنائية (الجزائرية ـ المغربية) ضد شبكات التهريب ومحاصرة رد فعل الإسلاميين المغاربة في حال فشلهم في استحقاق يوم 7 أكتوبر القادم.

   ويبدو صعبا للغاية إدارة وضع مزدوج قد ترى فيه أطراف أن عملا إرهابيا هو الحل لإسقاط خيار عودة بن كيران وحزبه العدالة والتنمية لإدارة ولاية ثانية، وتعمل فيه أطراف أخرى على إدارة انعكاسات فشل الإسلاميين في الوصول إلى قيادة ولاية حكومية ثانية.

العمل الإرهابي في المغرب قبيل الانتخابات البرلمانية

أطروحة خرجت من الدوائر السرية إلى العمل الأكاديمي في الغرب

   يقول تقرير أخير لـ”فوديشن فورد ديفانس أوف ديموكراسيز”(1)، “إن المغرب يواجه تحدي التطرف بكل صوره في نهاية حكومة حزب العدالة والتنمية، وخرجت أطروحة العمل الإرهابي الذي تواجه الأجهزة على رأس كل ساعة من الدوائر السرية إلى العمل الأكاديمي في الغرب، لأسباب منها: التحول في علاقة حزب العدالة والتنمية والأمن والذي يعود إلى 2005 ولا يزال الصدام بين حزب العدالة  وحزب الأصالة استمرارا لهذه الحالة”.

   وتدخل الملك في خطاب الجلوس على العرش لتوضيح هذه العلاقة الملتبسة بين مستشاره، عالي الهمة والحزب الذي أسسه، وجاء نشر وثيقة لويكيليكس تعود إلى سنة 2009، في لحظة حاسمة ومدروسة كي يؤكد القصر على حياده تجاه كل الأحزاب واختيارات المواطنين بمن فيهم المقاطعون.

   وتوضح الخلاصات الجديدة في الغرب: “إن حزب العدالة والتنمية، واجهة سياسية للمزيد من تجريف وتطهير (الإسلام السياسي) في المغرب”، وتضيف “التايمز” البريطانية في مقال لأمير طاهري، مدير برنامج الشرق الأوسط: “القانون الإسلامي مشروع السلام في (إن. سي. إي. إف. بي)(2): إن تجريفا نهائيا للإسلاميين في المغرب حالة ممكنة، وولاية ثانية برئاسة العدالة والتنمية انتصار لإمارة المؤمنين، بالضربة القاضية على الإسلام السياسي”.

   ويتخوف الجميع من عملية الفصل المتوقعة بين حزب العدالة والتنمية ورئاسة الحكومة فيما ينظر مراقبون إلى الذكاء التكتيكي الذي يمارسه الجميع بطريقة حادة ونفعية جدا.

ترتيبات قمة المناخ “كوب 22” تحرس المغرب، وسمحت له بضرب المافيات العابرة للحدود بين موريتانيا والمغرب، وفي الوقت الذي تدير فيه الرباط تصعيدها ضد نواكشوط، خفضت من رد فعلها مع الجزائر، بل طالبت بتنسيق “استخباري” مع الجارة الشرقية، حمله ياسين المنصوري إلى العاصمة الجزائر، وأكده  تواتر الخطابات الهادئة بين الجزائريين والمغرب، وعززت هذه التطورات من إجهاض مخططات إرهابية تحاول المساس بأمن المملكة

   زاد التنسيق الاستخباري الجزائري ـ المغربي عن مستوياته السابقة منذ زيارة ياسين المنصوري مدير “لادجيد” إلى الجزائر العاصمة، وغطت الأمم المتحدة (التطهير) على بعد 7 كيلومترات من الحدود الموريتانية، وهو ما يجعل المغرب في ظروف انعقاد قمة المناخ “كوب 22” في مراكش “أكثر أمنا” ومناعة من أي مخطط إرهابي إقليمي أو داخلي في المغرب.

   وتدير الرباط حساباتها في مكافحة الإرهاب بعيدا عن الحسابات الحزبية، فحزب العدالة والتنمية من هذا المنطلق، يغطي الخطط الموضوعة من دون الحاجة للمجلس الأعلى للأمن، المنصوص عليه دستوريا وغير المفعل على أرض الواقع، ومن جهة ثانية، لا يمثل حزب الأصالة والمعاصرة الوجه الحداثي الذي يريده الجيش، لكن ما سماه بن كيران حكم الدولتين في المغرب، وقد ظهرت الدولة “الموازية” أو “الثانية” قوية في مرحلة تصريف الأعمال، كشف صعوبة إدارة الوضع، وعطل “الموجة السلفية” لإسقاط بن كيران، وتقضي بإطلاق سلفيين من السجون لكبح الحكومة وعدم تجديد الولاية الثانية لحزب العدالة والتنمية، وهناك من اعتقد أن الأمر سيكون موجة إسلامية لدعم الحزب الحاكم وتحقيق إنجازات جديدة، لأن إطلاق سراح هؤلاء جاء في زمن رئاسة بن كيران للحكومة وقيادة الرميد لوزارة العدل.

   ورأت جهات تعطيل إطلاق السلفيين إلى حين رئاسة الرميد للحكومة باسم حزب العدالة والتنمية، بعد تنازل رئيس الحكومة الحالي علنا لوزير العدل بقيادة الولاية الحكومية الثانية، وقيادة العماري أو من يختاره الحزب (أخنوش) لقيادة الحكومة في حال فوز حزب الأصالة والمعاصرة بالانتخابات البرلمانية، وستكون المرحلة “جديدة” في إنهاء التوترات الحالية.

   والدفع بأسماء مفاجئة للحكومة في صفوف العدالة والتنمية “خيار متوقع”، وإن كشف أن هامش المناورة واسع، ويريد كل من بن كيران والعماري قيادة المشهد دون خيارات أخرى، وليس لهذه الترتيبات الحزبية تأثير في المعادلة، فيما تستثمر الرباط إقليميا لتسجيل نقط في عملها الجهوي على صعيد الأمن والاستخبارات، ولا تريد نواكشوط والجزائر العاصمة الإفراج عن أي رد فعل إلا بعد نهاية قمة المناخ في مراكش.

   وفي حال حدوث أي تفجير ستكون المسؤولية كاملة على أجهزة الأمن المغربية ولن تستطيع في كل الأحوال أن تلوم الخارج.

   ويعرف الموريتانيون والجزائريون أن متنفسهم حاليا كامن في “العوامل الداخلية للمملكة”، ويراقبون أي انزلاق محتمل للوضع، من خلال حركة ما يسميه بن كيران “الدولة الثانية” أو “الموازية” في المغرب.

   وربط تقرير “29 ماي 2016” بين الجريمة المنظمة والإرهاب في 6 سفارات غربية وخلاصات أكاديمية أكدت على:

   1ـ محاولة “الجماعة المغربية  المقاتلة” تجديد نشاطها لإسقاط بن كيران، وفك الارتباط بين حزبه والأجهزة الأمنية في حال التضييق عليه للوصول إلى محاصرة الطرفين (المخزن والمرتدين) واستطاعت الجماعة المتورطة في تفجيرات 11 مارس 2004 في مدريد من محاربة لعنيكري وحزب العدالة والتنمية في مرحلة التطبيع الأولى بين حزب العدالة والتنمية والأجهزة الأمنية.

   وأخذ تنظيم “أنصار الإسلام” في الصحراء المسلمة، “بلاد” المسلمين على عاتقه مواصلة الحرب على المغرب في ظل تطور استثنائي علق عليه معهد “تيكنافيو” البريطاني بالقول: “إن شبح تنامي التهديدات ارتفع بعدما دخلت شبكات التهريب مجال الاتجار بالأسلحة، ولا يخفى على المتابعين الأهداف الاستراتيجية التي يمثلها الإجراء المغربي، بدءا بتعبير الكيلومترات الأربعة الفاصلة بين مركز الحدود المغربي، الكركرات، ومركز الحدود الموريتاني وصولا لتأمين هذه المنطقة وتأميمها لاحقا”.

   وهي ضربة قوية لخيار تقسيم الصحراء وأي آمال لجبهة البوليساريو على شطر الإقليم غرب الجدار، ويقطع هذا الإجراء بين الجبهة والمحيط الأطلسي.

   2ـ مساعدة الأمم المتحدة (من خلال تأمين قمة المناخ في مراكش) والدوائر الغربية في حرب المغرب على الإرهاب، وتزيد هذه المساعدات من “خفض التوتر الحزبي”، فمنذ 2005 لم يعد هناك حرج لدى دوائر الجيش المغربي في قيادة الإسلاميين للحكومة، ووصلت المساعدات في 2009، إلى 6 ملايير دولار لمساعدة الأجهزة الحاملة  للسلاح الداعمة للمسار الديمقراطي في المملكة، ومنذ 30 شتنبر 2008، استطاعت واشنطن القول، أن المغرب يمكن أن يعرف حكومة يقودها حزب إسلامي دون انعكاسات، ويوضح حاييم مالكا وزميله جون ألترمان،عن “مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية”، هذا المعطى بانخراط المغرب في التربية العسكرية الدولية “إميت” وحصوله على مليون و725 ألف دولار لهذا الغرض(3).

   وتقف الدوائر الغربية إلى جانب “الإصلاح غير العنيف” في المغرب ولا تريد انزلاق المملكة إلى العنف تحت أي ظرف، متخوفة من ثلاث خلاصات:

   أولها، أن المواجهة الشرسة بين حزبي العدالة والتنمية والأصالة والمعاصرة ستنتقل إلى معارضة شرسة ضد أي حكومة يقودها إلياس العماري، ولن يتحمل النظام إدارة مثل هذا الوضع إلا إن تمكن من إدارة “انتخابات نزيهة” لا يطالها التشكيك، وقد يكون الانقسام الاجتماعي مدعاة لانزلاق المغرب إلى العنف.

   وفي خلاصة ثانية، هناك من يريد أن يحرر الملك جهاز الحكومة من حزب العدالة والتنمية والإسلاميين، لكن ارتفاع التوتر وتأويل جميع الأطراف للخطابين الملكيين الأخيرين، قد يدفع بقواعد العدالة والتنمية إلى جماعة “العدل والإحسان”، ولن يعود هناك فارق بين مناهضي النظام ومناهضي حزب محدد (الأصالة).

   وفي ثالثة، إن ربح المغرب لمعركة “الكركرات” وخسارة الإسلاميين المتطرفين والمعتدلين في كل الواجهات يحول المستقبل إلى المجهول.

   ويريد الغرب أن يمنح المغرب انتصارا على الحدود الموريتانية بعدما سقاه صعوبات عديدة في إدارة ملف الصحراء كي لا ينفجر الوضع الداخلي في المملكة، ولا يمكن الضغط على الرباط إلى حدود غير محسوبة أو معقولة، والثمن المطلوب: العودة الفورية إلى مسلسل المفاوضات مع البوليساريو، و”انتخابات برلمانية” لا تنزلق بعد إعلان نتائجها إلى العنف.

   وأجهزة الدولة، اليوم، مشغولة بالجنوب وبمهامها الأمنية تاركة الانتخابات لوزارة الداخلية ومخابراتها (الاستعلامات) إلى جانب وزير العدل.

   ولا تخفي مراكز دراسات ودوائر البحث، فرضية استمرار حزب العدالة والتنمية، أو على الأقل استمرار نهجه الذي غير لأول مرة، الحسابات السياسية، وقد مثل “حكامة بديلة” في الشكل والجوهر، لم تحدث طيلة عهد الاستقلال كما تقول مؤسسة “هودسون”(4).

   إذن، نحن أمام مواصلة حزب العدالة والتنمية لولاية ثانية أو مواصلة نهجه، لأن برنامج الأصالة والمعاصرة يطبقه رجال القصر، ويتابعه عالي الهمة، من دائرة موازية وعملية، دون أي تأثير على السلم السياسي والاجتماعي، المطبوع دائما بالصعوبة.

معركة تجريف بن كيران للإسلام السياسي يجب أن يواصلها حزب العدالة والتنمية، وتبدو انعكاسات نصف المعركة خطيرة، وقد تنتهي بانزلاق البلد سريعا إلى “العنف” رغم كفاءة الأجهزة الأمنية واستراتيجيتها الوقائية لأن كل معركة داخلية مفتوحة تستنزف الوقت والجهد، وهناك أطراف دولية تدعم هذه الحرب كي لا يتمدد العمل الخارجي لهذه الأجهزة، وقد كانت صفا واحدا طيلة الخمس سنوات الماضية

   يخاف الغرب من انكفاء الأجهزة المغربية نحو الداخل بزيادة متاعبها، ومواصلتها لمعركة تجريف الإسلام السياسي دون مشاركة الحزب الرسمي الوحيد للإسلاميين في المملكة.

   ولم تعرف مرحلة ما بعد حراك 20 فبراير، وقيادة حزب العدالة والتنمية للحكومة أي عملية إرهابية رغم رداءة التوقيت كما يقول “أسيف بايات” والمشاركة الضعيفة للإسلاميين، وإن كانت الثورات العربية في وقت سيء(5)، فإن تحالف الرجعيتين في الدوائر الأمنية والدينية شكل فرصة أخيرة لبقاء الدول العميقة ودوائر القرار نفسها في العالم العربي.

   وفي كل لحظة يتنازع فيها النظام وإسلاميوه، يحدث الانقسام والانزلاق المؤكد إلى العنف، ولا يمكن لنظام أن يفقد أو يخسر قوته لأن خيار العنف لن يتمكن منه الأمن دون تغطية سياسية وحزبية، وخسر النظام بعدم منح اليوسفي ولاية مستحقة، ولا يمكن الوقوع في خسارة أخرى كي لا تكون (الولاية الثانية) عقدة المرحلة.

   ولدى الرباط هامش مناورة جيد في التقطيع والتصويت والإجراءات المصاحبة لإخراج النتائج المرغوبة بطريقة لا تقبل الطعن والإدارة القبلية أو البعدية بطرق مكشوفة.

   يقول تقرير “المؤسسة الألمانية لقضايا الأمن الدولي”: “في المغرب، ليس هناك لعبة للدرجة صفر في علاقات العلمانيين والمتدينين”.

   واليوم تظهر التطورات الأخيرة بين حزبي الأصالة والمعاصرة والعدالة والتنمية خارج السياق، وهي تهدد بحرب “إيديولوجية” تبدأ بتأهيل الساحة والشحن لعمل إرهابي كبير.

   ويصب العنف وحده في طواحين الحزبين، لأن هناك من يعتقد أن (عملا إرهابيا) وحده القادر على خلط الأوراق، وإدارة بديلة للحقل السياسي، ويعتقد الجانب الثاني أن العمل الإرهابي يكشف صواب الولاية الثانية لبن كيران.

   ويعيش العرش صعوبة إضافية، لأن التعاون يتلاشى بين الإسلاميين والعلمانيين، رغم تعاونهم في السابق في كل ما هو رسمي، فيما تصل القطيعة الآن بين الطرفين إلى السياسات الرسمية في ما يديره الملك ليس على نهج ما يدبره الرئيس الذي يعتبر جزءا من حركة الشارع واصطفافاته.

   وحاليا، يحاصر “الهوياتيون” القصر، سواء نجح حزب الأصالة أو العدالة، كما يحاصر الرد العنيف للهوياتيين (الإرهابيين) المجتمع.

   يقول مدير “س. دابليو. بي” في “مركز برلين”(7)، إن قوة المغرب في قيادته عبر اختيارات تكتيكية وقضايا محددة وقليل جدا من “الإيديولوجيا”.

   لكن الكثير من الإيديولوجيا أو تضخمها كما تطرحه مرحلة خروج العدالة والتنمية من الحكومة ومواجهته الأصالة والمعاصرة، ذي الخلفية العرقية، قد يفجر الوضع، ويدفع إلى إبعاد شخص عبد الإله بن كيران، ويرى البعض أن الحل في إبعادين مباشرين وضروريين لكل من بن كيران وإلياس العماري.

   وتقترح التنظيمات المتطرفة دخولها على الخط، ونبه الملك في خطابه الأخير إلى مخاطر الإرهاب، وتهديد الجماعة المقاتلة والملثمين يفرض على المملكة ضرورة مراجعة المسألة الخلافية بين القصر وحزب العدالة والتنمية.

   يقول تقرير “كارنيجي” (مركز أمريكي) ليوم 23 ماي 2015: “إن الانتخابات هي المسألة الخلافية الوحيدة بين القصر وحزب العدالة والتنمية الذي يقوده عبد الإله بن كيران”.

   وعاد الملك في خطاب العرش الأخير إلى “اتفاق أكتوبر 2014″(8) بينه وبين رئيس الحكومة، وقضى بعودة الانتخابات إلى لجنة للإشراف يترأسها كل من وزير الداخلية (مستقل مقرب من القصر) ووزير العدل (الرميد من حزب العدالة والتنمية).

   إننا أمام إشراف من رئيس الدولة وآخر من رئيس الحكومة، ومن رجليهما: محمد حصاد ومصطفى الرميد، وهذا التقسيم تقسيم متكافئ في الإشراف وتدبير الانتخابات على قدم المساواة بين القصر وحزب العدالة والتنمية، الممثل الوحيد للإسلاميين في البرلمان وباقي مؤسسات الدولة.

   ويعرف مهندسو النظام، أن عدم التفاهم العميق والواسع مع حزب العدالة والتنمية، الحزب الوحيد المعترف به للإسلاميين في المغرب، إنذار إلى صب الزيت على نار المعارضة، وأن تمثيل الحزب للإسلاميين أمام القصر وتمثيله لإمارة المؤمنين في الحقل الحزبي وتجاوزه إلى محاولة تمثيل الكل، محاولة رفضها المجتمع السياسي بعدما اقترح رئيس الحكومة الحالي حل حزب الأصالة والمعاصرة، وكان يمكنه ذلك، لكنه أراد أن يمر القرار عبر القصر وليس غيره.

   ومن الإشكالات المطروحة التي يطرحها تقهقر حزب العدالة والتنمية:

   1ـ إلحاق المغرب بتجارب الدول الأخرى، وضمه إلى دوائر الاستهداف في خارطة الجماعات المتطرفة، وأكد الملك شخصيا على استهدافه، وبالتبعية استهداف رئيس حكومته وكل أركان نظامه.

   وفي رسالة مباشرة لكل من يريد أن يلعب بنار الفتنة، اعتبر الملك أن كل عملية إرهابية في البلد تستهدفه بما يمنع أي طرف من انزلاق اللعبة إلى العنف تحت أي مبرر، ولا يمكن بعد هذا التنبيه، أن يسكت حزب العدالة والتنمية عن انزلاق قواعده أو جماعته إلى العنف، وفتحت هذه التطورات الأفق للجماعات المتطرفة للعب على أي توتر، رغم سيل التحذيرات المصاحبة لتدبير الخلاف حول الانتخابات بين القصر والحزب الإسلامي.

   2ـ إن لم يتقدم حزب العدالة والتنمية تقدمت جماعة العدل والإحسان صف الإسلاميين، ومن المخيف في حسابات النظام، أن يركن حزب الجماعة المعارضة لأمير المؤمنين، فالمشكل أن يظهر الإسلاميون ضحايا لفيتو في القصر.

   ويسهل في هذه التقديرات رفع مستوى العنف، ووضع الإسلاميين في مواجهة أمير المؤمنين، ويستفيد الغرب من تراجع موقع أمير المؤمنين، ومن انحراف قواعد العدالة والتنمية، لأن المرونة جاءت مع السلطة، وتذهب معها، وفي الحقيقة لم تستهلك السلطة الملكية الإسلاميين بعد.

   ومن الغريب أن يكون الوضع الحالي فاتحا خياراته على:

   ـ فساد الجميع بمن فيهم حزب العدالة والتنمية.

   ـ توشيح الفنانين وبعض الأسماء الحرة.

   ـ القضاء على حراك 20 فبراير بما يبيح رئاسة حزب الأصالة للحكومة.

   وهذه الأمور المثارة تكشف عن ردود منها:

   ـ أن حزب العدالة والتنمية الذي تخلى عن أجندته السياسية عام 2015(9)، لن يسمح لنفسه بالخسارة، لأنها ليست خسارة انتخابات، بل خسارة استراتيجية ترمي بجزء منه إلى التطرف، والواقع في كلمة جامعة: “إن خسر حزب العدالة والتنمية شعبيته سيربح راديكاليته”.

   وتختلف إدارة نهاية المرحلة الأخلاقية وبداية المرحلة البرلمانية عن إدارة نهاية المرحلة “الحكومية”، يقول تقرير “بروكينغر”: “إننا في الحقيقة أمام اختبار أو امتحان استمرارية حزب العدالة والتنمية”، يقول “أفي شبيغل”: “إن النموذج المختلف لمشاركة الإسلاميين في النموذج الوحيد بين الملكيات العربية طرح مشكل (خلافته عبر مقاومته)”(10).

   لكن الملك أجاب بقوة عن خيار صناديق الاقتراع تحت أي ظرف، لأنه حارس للخيار الديمقراطي، وحراسة الملك والشعب لصناديق الاقتراع، لا تمنع الإرهاب الذي ذكره في نفس الخطاب، والاستهداف، لا يعني التنازل عن خيارات الدولة التي اعتبرها (ما يختاره الشعب) لا غير، ويمكن أن يدافع النظام عن صناديق الاقتراع وإن انزلق الوضع إلى العنف لثقته الكبيرة في الأجهزة الأمنية.

 بن كيران أو الإرهاب

   رغم أن بن كيران لا يمثل “الإسلام الشاب”(11) المنطلق من حراك 20 فبراير أو المعارض لإمارة المؤمنين كما في جماعة “العدل والإحسان” أو جماعة “الخلافة” التي تبايع أبي بكر البغدادي في سجون المملكة، لكنه شكل معادلة أمنية قائمة: بن كيران أو الإرهاب في أسوإ السيناريوهات التي تريد إعفاء حزب العدالة والتنمية من ولاية حكومية ثانية.

   والصراع بين أن يحكم الملك ولا يحكم أمير المؤمنين كما حملها العلمانيون، وبين الإسلاميين يؤكد أن ظهور “الملك” على أمير المؤمنين في صالح الأمن القومي المغربي، وهذه الخلاصة ضعيفة لأن النظام لم يصنع “ممثلا” آخر للإسلاميين في الساحة الرسمية، وإن لم يقبل القصر حزبه فليس له من سبيل.  

   وهذه الحدية جعلت بعض التنظيمات ترمي إلى المزيد من التطرف، فيما يرمي الحزب إلى التأثير مستقبلا على المؤسسات الأمنية على مستوى تدبيرها، ومن ثم أهدافها.

   ومن الصادم أن يقول “بارك تيسلير” في الصفحة 93 من كتابه “الإسلام، الديمقراطية والدولة في شمال إفريقيا”(12): “أن جذور الدعم الشعبي للحركة الإسلامية مؤسسة على الاقتصاد السياسي، ورغم تفجير (فضائح أخلاقية) لرؤوس الإسلاميين، فإن الفضائح المالية هي الشيء الرئيس في تقييم أي شعب، وفي كلمة شاملة لـ”جون واترباري”: فـ”إن الإسلام السياسي يواجه الاقتصاد السياسي للأنظمة”(13).

   وفي رد الفعل على أراضي لـ”خدام الدولة”، وفيديو مزوار والهمة، لاحظنا قضية عمر وفاطمة، ودخل القصر ضامنا مرات لما سيصوت له الشعب ومذكرا باستهداف الإرهاب للملك.

   وأيا يكن الحال، فإن المجتمع الغربي دعم كل الإجراءات التي قررتها الأجهزة المغربية لإسقاط مقولة: بن كيران أو الإرهاب في ترتيبات مباشرة من القصر، إتماما للدور الجديد للأجهزة الأمنية الذي بدأ منذ تسعينات القرن الماضي(14)، وقد زاد تنسيقها إلى حدود تؤكد أن المغرب لا يمكن أن ينزلق من داخله ومن خلال أحزابه، بما فيها حزب العدالة والتنمية، إلى العنف، فيما يجد بن كيران نفسه خاسرا مرتين، ويمكن لمن يريد حل حزب الأصالة والمعاصرة، أن يحل حزب الإسلاميين إن قاد البام الحكومة، ويعرف عبد الإله بن كيران أن حل حزبه إن لم يرأس الحكومة القادمة أو يشارك فيها شيء متوقع.

   وتريد أوساط تسويق هذا السيناريو لدفع بن كيران إلى الخروج من الساحة والدخول في فترات الصمت التي انتهجها اليوسفي وعباس الفاسي، ومشاركة حزب العدالة في الحكومة القادمة لطي الصفحة الحالية تماما.

   وللإشارة، يدعم الغرب تأمين الاختيارات التي تقررها صناديق الاقتراع في السابع من أكتوبر ودعم النظام الأمني لاحتواء رد الفعل.

   وسبق لبن كيران وحزبه أن قبلا تسويات قبلية وأخرى بعدية بما يستبعد هذه الخلاصة “السوداء”، لكن الخوف الشديد من أجندة ولاية ثانية بدون قوانين تنظيمية وتنزيلات، وتطمح أن تدخل في إجراءات “عملية ومباشرة”، وقد تمس أو تفكك الدولة “الريعية” أو الدولة “الثانية” بتعبير رئيس الحكومة الحالي.

   من جهة أخرى، يعرف إلياس العماري وحزبه هذه التبعية بين الدولة والرأسمال، ويعمل على ترك الريع في مكانه.

   وفي كل الأحوال، فإن حكومة اليسار الممخزن أو اليمين الديني تسيران في اتجاه واحد، لكن أطرافا لها القرار تريد أن تنهي الحكومة التي يرأسها الإسلاميون منذ منتصف ولايتها الأولى ولن تسمح بولاية ثانية تحت أي ظرف.

   والصراع لم يعد انتخابيا أو سياسيا، بل يفكر الغرب في عدم نقل الصراع تحت أي ظرف إلى الجيش المغربي والأجهزة الأمنية المرافقة وتدخل الملك مرتين للتأكيد على هذا المعطى.

المغرب في حكومة الأصالة أو العدالة والتنمية يواجه اقتصادا سياسيا للهوية، وستختنق المملكة لخمس سنوات قادمة، وقد يؤدي الحزبان، في حال عدم ضبطهما، إلى انزلاق أمني “واسع”

   أشار “جون روبرت” في إحدى دراساته إلى خطورة الاقتصاد السياسي للهوية(15) الذي دخله المغرب من بابه الواسع إن رأس حزب الأصالة والمعاصرة أو حزب العدالة والتنمية الحكومة القادمة، والفارق سيكون في تحرك الحسيمة كما تنبأ “روبرت” بمدينة معان الأردنية، أي حركة مدن أو مستوى من العنف كما في تجارب الإسلاميين.

   ومن المهم في التقارير الغربية أن يسيطر الملك على الوضع الأمني، ويضمن أجندته وانسجامه وقدرته والأهم عدم تسييسه تحت أي ظرف.

   وهذه النصيحة القادمة من الدوائر الفرنسية عززتها ملاحظة (ساركوزي) الذي قال:

   “إن قدرة المغرب في السلاسة الانتخابية وليس في السيولة التي ستعرفها الانتخابات البرلمانية لـ 7 أكتوبر القادم”.

خروج حزب العدالة والتنمية من رئاسة الحكومة لا يهدد بانزلاق أمني لكن خروج الإسلاميين من كل دوائر التأثير والقرار دفعة واحدة خطر محقق

   يقول ساركوزي: “لا يجب أن يخرج الإسلاميون من دوائر التأثير والقرار إن خرجوا مهزومين من صناديق الاقتراع، فحزب الأصالة والمعاصرة في المعارضة قوي جدا، ويمكن الوصول إلى هذه الحالة مع الإسلاميين أيضا في جملة موحية نقلها عنه دبلوماسي غربي كبير، ومن المنطقي عدم دفع الأمور في انتخابات مصيرية ودقيقة سوى إلى نهايتها، دون انزلا قات أو خروقات.

   والخطة الموضوعة حاليا تحت سيطرة واسعة لوزارة الداخلية، فيما يتقدم الهاجس الأمني على باقي الهواجس انطلاقا من فعل “المربع”: رئيس الدولة ورئيس الحكومة ووزير الداخلية ووزير العدل، وإشراف هذه القيادة على الانتخابات البرلمانية لن تكون حاسمة إلا في حالة واحدة: تحول الحياد السلبي للداخلية إلى حياد إيجابي تحت سلطة القضاء لا غير.

   ومن المهم أن نختم بخلاصة أمريكية: “إن خروج حزب العدالة والتنمية من رئاسة الحكومة حالة ممكنة إن لم يثبت أن المسألة تتعلق بـ”إخراج”، لأن انعكاسات تكتل الإسلاميين المعتدلين والراديكاليين في جبهة واحدة مجددا سيناريو ممكن ومتوقع”.

هوامش

1_ fondation for defense of dimocracies (islamist exteremism’s rising challenge to Morocco) by DR  Anour boukhars, director of wilber force university’s, center for defense and security policy.
2_ the national Committee on american foreign policy.
3_ HAIM MALKA and John ALterman, arab reform and foreign aid: lessons from Morocco, center for strategic and international studies. (report).
4_ (the PJD has changed the political calculs in Morocco presenting a governance alternative uparalleled in its style and subsatance in post-indepandence Morocco) islamism and state in Morocco, hudson tnstitute.
5_ Asef bayat: revolutios in bad times, new left review 80 (march- april 2013).
6_ Islamist and Secular forces in Morocco, not a zero- sum Game report, German Institute for international and Security Affairs (SWP- berlin.org).
7_ (Driven by tactical choices and specific issues and much less by ideology). swp (stiftung wissenschat und politik).
8_ His Majesty’s islamists: the Moroccan experience carngee endowment international peace (23/05/2015).
9_ Morocco: the kings Islamists (paper) wilson center.
10_ Succeding by surviving: Examining the durability of political islam in Morocco avi spiegel).
Project on U.S Relations with the Islamic world at Brookings (2015).
11_ Young islam: the new Politics of Relingion in Morocco and Arab world, (Newyork) princeton university press 2015.
12_ mark tessler: islam, Democracy and state in North africa, edited by John P.entelis, Idiana University Press 1997.
13_ John waterbury, from social contacts to extraction contacts, the Political economy of authoritarianism and democracy (paper).
14_ Elizabeth picard, state and society in the Arab world towards a new role for the security services in bahjat korany faces of national security in the Arab world, houndmills, mamillan, 1993 p: 258.
15_ John roberts, the Political Economy of Identity: state and civil society in Jordan, University of Chicago, 1993.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!