في الأكشاك هذا الأسبوع
من يضحك على من؟... السياسي على الدعوي أم أنه الدعوي يضحك على السياسي صورة تجمع بين رئيس الحكومة بنكيران ووزير الحكامة الوفا وشيخي الأمين العام لجماعة التوحيد والإصلاح

تحليل إخباري | هل يعجل الاصطدام مع إمارة المؤمنين بنهاية حكم جماعة “التوحيد والإصلاح” في المغرب

الفرق بين الإسلام عند الملك والإسلام عند بن كيران

إعداد: سعيد الريحاني

   هل سبق لكم أن تساءلتم، هل هناك خلاف في التصور فيما يتعلق بأمور الشريعة بين أمير المؤمنين، الملك محمد السادس، ورئيس الحكومة عبد الإله بن كيران؟ هل يحق أن يكون لرئيس الحكومة رأي غير رأي الملك فيما يتعلق بأمور الشريعة؟ الجواب الذي قدمه رئيس الحكومة لأحد الصحفيين يؤكد حصول هذا الخلاف في بعض الأحيان، إذ يقول بن كيران حرفيا: “إذا قال لي جلالة الملك شي حاجة، وكان عندي التيساع كندير الرأي ديالو، وكنتخلى على الرأي ديالي، وخا يكون فالجانب الشرعي، اللي هو العقلية ديالي أنا، والمرجعية ديالي وديالنا، وخا يكون رأينا هو الأرجح، كندير الرأي ديالو، لأنني كنقول هذا أمير المؤمنين، والموافقة ديالو هي الأصل، والطاعة ديالو مأمور بها، وإذا اختلفت معه كنراجعو بأدب، وبالتي أحسن.. العلاقة مع الملك مزيانة ولكنها كتطلع وكتهبط”. (هذا الكلام منشور على موقع يوتوب بالصوت والصورة، ويوثق لحوار أجراه رئيس الحكومة مع إذاعة ميد راديو).

   أن يقول بن كيران أنه يختلف مع الملك في الجانب الشرعي، فإن الأمر يستدعي وقفة تأمل، رغم أن رئيس الحكومة، غطى على خطورة كلامه، في نفس المقابلة، بقوله: “جلالة الملك يقوم بدور كبير في المغرب، الله ينصرو والله يوفقو، ويهديه، وإياكم أن يلعب المغاربة مع هذا الدور، غادي يشوفو العجب العجاب، اللي ميطيحش ليهم على البال”. (نفس المقابلة الصحفية)، ورغم هذا التصريح الإيجابي في ظاهره، إزاء الملكية، إلا أن بن كيران عاد ليمسح كل شيء، في حوار مع “موقع الأول”: “أنا ممطلوبش مني الرضا ديال جلالة الملك”.

   ولعله من الطبيعي أن يكون هناك اختلاف بين التصور الملكي للإسلام، وبين شخص قادم من حركة دعوية هي جماعة “التوحيد والإصلاح”، وهي جماعة من بين جماعات أخرى منتشرة في المغرب، لها تصورها الخاص وتعمل على تدريسه لأبنائها بشكل سري وعلني(..)، مع اختلاف في ما يتعلق بالموقف من النظام(..)، حيث أن جماعة “العدل والإحسان” مثلا، لا ترى مانعا في أن يفهم الناس من كلام أصحابها، أنهم مع الدعوة لإسقاط النظام، حسب ما أكده في وقت سابق أحد قيادي الجماعة لـ”الأسبوع”.

   قد يقول قائل، بأن هناك فرقا بين جماعة “التوحيد والإصلاح” وحزب العدالة والتنمية؟ وبأن الذي يسير الحكومة هو الحزب وليست الحركة؟ لكن سؤالا محرجا يطرح نفسه في هذا الصدد، هل رأيتم في حياتكم قياديا واحدا في حزب العدالة والتنمية لا ينتمي لحركة “التوحيد والإصلاح”؟ وقد يقول قائل إن ربط حركة “التوحيد والإصلاح” بالعمل السياسي، فيه ظلم للحركة، التي يقتصر دورها على العمل التربوي، وهذا أيضا مخالف للواقع، الذي يثبت مشاركة الحركة في الحياة السياسية عن طريق إعداد مذكرة للتعديلات الدستورية والسياسية سنة 2011، ما علاقة المنهاج التربوي بورقة دستورية سياسية؟

   باعتراف عبد الرحيم شيخي، رئيس حركة “التوحيد والإصلاح”، المحسوب على بن كيران، فإن: “تطور الحركة (الإصلاح والتوحيد) على مستوى الفكر والاجتهاد والممارسة يفرض مراجعة ميثاقها ورؤيتها السياسية”، ويؤكد: “تجدر الإشارة إلى أن الحركة خلال مسارها هذا، بعد الوحدة التي تمت في سنة 1996، والتي تمتد إلى عقدين أنتجت وثائق وأصدرت مذكرات وبيانات واتخذت مواقف تعتبر مكملة أو موضحة أو مجددة لما جاء في الوثائق التأسيسية، مثل ما تم في سنة 2003، من خلال صياغة ورقة توجهات واختيارات، أو سنة 2011، بإعداد مذكرة بشأن الإصلاح الدستوري أو غيرها من الوثائق التي اعتمدها المكتب التنفيذي أو مجلس الشورى، وتضمنت عددا من الاجتهادات الجديدة ومزيدا من التوضيح لخيارات وتوجهات الحركة”(المصدر: حوار عبد الرحيم الشيخي، مع جريدة التجديد الناطقة باسم حركة التوحيد والإصلاح عدد غشت 2016).

   ما معنى أن يقول الشيخي أن حركة “التوحيد والإصلاح” تريد مراجعة رؤيتها السياسية، في غشت 2016، في نفس العدد الذي يحمل عنوان، “7 أكتوبر محطة مصيرية لتعزيز الإصلاح ودحر التحكم”، لعل التحليل الأقرب إلى التفاؤل هو الذي يقول بأن الحركة ستراجع أوراقها بعد 5 سنوات من العمل الحكومي، والجدل العقيم حول فصل الدعوي عن السياسي(..)، ولكن ماذا لو كان الهدف من المراجعة هو رفع السقف والتراجع، فهذه هي المرة الأولى التي تسمح فيها حركة “التوحيد والإصلاح” بإدماج عناصر من السلفيين في صفوفها، في إطار انتخابات 7 أكتوبر المقبلة..

   لا يوجد مصدر رسمي يمكنه أن يؤكد سوء علاقة الملك مع بن كيران، لكن مع ذلك، فإن الصحافة ما فتئت تؤكد وجود غضب ملكي إزاء تصرفات بن كيران وبعض المحسوبين عليه، من “غضبة ملكية على بن كيران بسبب أفتاتي” (الصباح عدد 4 يونيو 2015)، غضبة ملكية على بن كيران حيث أيقظه في السادسة صباحا (فيديوهات)، أسرار الغضبة الملكية على بن كيران (عدة مواقع)..

   يمكن القول إن الاعتقاد السائد عند بن كيران وجماعته، من خلال كلامه، هو أنه ساهم في الحفاظ على الاستقرار، أو على الأقل أنه قاد مصالحة تاريخية بين الملك والشعب، ما معنى أن يقول بن كيران، “نحن سرنا في اتجاه تصالح الشعب بملكه، والملكية بشعبها”؟ هل هناك خلاف بين الملكية والشعب؟ ولنفترض أن هناك خلافا، كيف يمكن لحزب طارئ على الساحة السياسية، أن ينسب لنفسه مصالحة تمتد لعشرات السنين، ما معنى أن يقول رئيس الحكومة، الذي قال إن هناك حكومتين في المغرب، أنه صالح الشعب والملك، بينما يشهد التاريخ الحديث على محطتين أساسيتين في تاريخ المغرب، يؤكدهما خروج الشعب للمطالبة بعودة الملك الشرعي محمد الخامس، وخروج الشعب في مسيرة خضراء للمطالبة بتحرير الصحراء..

   واحد من العارفين بالخبايا هو الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي، محمد اليازغي، سبق أن لخص مشكلة حزب العدالة والتنمية في كونه، حزب يفضل مصلحة الحزب على الوطن، وأوضح قائلا: “قد تنجح خطة العدالة والتنمية الذي يغلب مصلحة الحزب على مصلحة الوطن في استقطاب أصوات الناخبين والاستمرار في قيادة الحكومة، وإن كان سيعجز في الحصول على الأغلبية المطلقة، لكن السؤال الذي يثير القلق، هو ذلك الذي سبق أن طرحته سابقا، والمتعلق بمستقبل المغرب (المصدر: حوار اليازغي مع جريدة آخر ساعة).

   وكان جل الفاعلين قد اتفقوا على وجود رسائل سياسية إلى الفاعلين السياسين، خلف خطبه الأخيرة، من خطاب عيد العرش إلى خطاب ثورة الملك والشعب، الأخير، الذي خصه لمهاجمة التيارات التي تتحدث باسم الإسلام، فهناك: “عدد من الجماعات والهيآت الإسلامية تعتبر أن لها مرجعية في الدين، وأنها تمثل الإسلام الصحيح، مما يعني أن الآخرين ليسوا كذلك، والواقع أنها بعيدة عنه وعن قيمه السمحة.. وهو ما يشجع على انتشار فكر التطرف والتكفير والإرهاب، لأن دعاة الإرهاب يعتقدون بأنه هو السبيل إلى الإسلام الصحيح. فعلى هؤلاء أن ينظروا إلى أي حد يتحملون المسؤولية في الجرائم والمآسي الإنسانية التي تقع باسم الإسلام.. فكلنا مستهدفون، وكل من يفكر أو يؤمن بما قلته هو هدف للإرهاب، وقد سبق له أن ضرب المغرب من قبل، ثم أوروبا والعديد من مناطق العالم” (مقتطف من الخطاب الملكي لثورة الملك والشعب).

   حزب العدالة والتنمية، كما هو معروف ليس سوى عنوانا لجماعة دينية، ولذلك لا غرابة أن نقرأ عن الذين فسروا الخطاب الملكي بأنه موجه لبن كيران وإخوانه: “إن الأسلوب الذي تصاغ به الخطب الملكية عادة، في شقها المتعلق بالشأن الداخلي للبلاد، أو التدافع السياسي بين الفرقاء الحزبيين على الأقل، يكون أسلوبا مرنا ينطوي على توجيهات وإرشادات تستوجبها المرجعية الدستورية التي أقرت الاختصاص التحكيمي لجلالته قصد تخليق الممارسة السياسية وتقويم الأخطاء التي قد يسقط فيها أحد أو بعض هؤلاء الفرقاء السياسيين.. بيد أن غالبية المحللين أو حتى المواطنين العاديين الذين تابعوا الخطاب الملكي الأخير بمناسبة الذكرى السابعة عشر لعيد العرش (على سبيل المثال)، أكدوا على قوة الشق المتعلق بالتدافع الحزبي في الخطاب وكثافة حمولته الإيحائية وحتى الإشارات السياسية التي يستبطنها. حسنا، هذا كله تحليل منطقي ومطابق للواقع، لكن هل حاولنا التساؤل عن العلل أو العوامل والأسباب التي أرغمت جلالته – على غير عادته – على معالجة موضوع على هذه الدرجة من الخطورة، وبهذا الأسلوب من التقريع والاستنكار والتوبيخ؟ محاولة منا للإجابة عن هذا السؤال، يتوجب علينا العودة إلى نص الخطاب الملكي السامي لنقرأ فقرة قال فيها جلالته بالحرف والكلمة ما يلي: “ما يبعث على الاستغراب، أن البعض يقوم بممارسات تتنافى مع مبادئ وأخلاقيات العمل السياسي، ويطلق تصريحات ومفاهيم تسيء لسمعة الوطن، وتمس بحرمة ومصداقية المؤسسات، في محاولة لكسب أصوات وتعاطف الناخبين”.

   كلام الملك هنا واضح لا لبس فيه ولا يحتمل تعدد التأويلات، إنه توبيخ وتقريع صريحين للأمين العام لحزب العدالة والتنمية ورئيس الحكومة عبد الإله بن كيران، الذي لا يتوانى في تسفيه الممارسة السياسية في البلاد والتشكيك في مصداقية المؤسسات الدستورية بما فيها المؤسسة الملكية نفسها..” (المصدر: عبد الله الفرياضي: هل يسعى بن كيران للانقلاب على الملك؟ عن موقع أنفاس).

   وكان الملك محمد السادس قد قال أكثر من مرة، أنه هو المختص بشؤون إمارة المؤمنين، غير أن علاقة حزب العدالة والتنمية بالملك ظل يسودها منطق التجاذب، فوزير العدل مصطفى الرميد، مثلا لم يتخل عن مطلبه بالملكية البرلمانية إلا عندما تم منحه منصب وزير العدل في حكومة بن كيران، لتظل صوره في حركة 20 فبراير شاهدة على الفرق بين الشق النظري والشق العملي عند واحد من منتسبي حركة “التوحيد والإصلاح”، بغض النظر عن ذلك الخلط بين الدعوي والسياسي، وحتى عندما يقول بعضهم إن حزب العدالة والتنمية قد انفتح على التيار السلفي على سبيل المثال، خلال الانتخابات التشريعية المقبلة، ممثلا في شخص حماد القباج، فإن هذا الإدماج كان عبر بوابة جماعة “التوحيد والإصلاح”، والقباج معروف بقربه من الحركة، بل إنه شارك كمحاضر، في مؤتمرها الأخير الذي أسفر عن انتخاب الشيخي أمينا عاما، و”الأسبوع” تنشر الصورة التي تؤرخ لذلك، فعن أي فصل بين الدعوي والسياسي يتحدثون؟ وهل يملك حزب سياسي الحق للحديث باسم الدعوة في بلاد إمارة المؤمنين(..).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!