في الأكشاك هذا الأسبوع

الحقيقة الضائعة | الملكيات في خطر… نموذج الحرب الأمريكية لإسقاط الشاه

بقلم: مصطفى العلوي

   لا مجال للتساؤل، عن الأسباب الخفية، لنفور الأجهزة الأمريكية، من عروش السلطنة والملكية، وهو نفور أصبح المغاربة هذه الأيام، يشعرون بخبثه، خصوصا بعد أن نبههم الملك محمد السادس، في خطبته الجريئة بالرياض، إلى ما سماه بصريح العبارة، الرغبة في إضعاف المغرب وتشتيته، الشيء الذي تطور إلى استدعاء السفير الأمريكي بالرباط، من طرف وزير الخارجية المغربي، لمواخذته على صيغة التقرير الأمريكي حول حقوق الإنسان بالمغرب، وهو ما جعل قيدومي السياسة الأمريكية المتتبعين لمراحل الحرب الأمريكية على الملوك والسلاطين، يتذكرون ظروفا مشابهة، ترجع إلى عهد شاه إيران، رضى بهلوي، بعد أن حرر وزير الخارجية الأمريكي، هنري كيسنجير تقريرا ينتقد تصرفات جهاز الديسطي(…) الإيراني وكان يسمى السافاك، أرقى وأقوى جهاز في إيران، لمضايقة حقوق الإنسان، الوسيلة الوحيدة لحماية الملكية، فاستدعى وزير الخارجية الإيراني، سفير الولايات المتحدة في طهران واسمه هيلميز، ليبلغه غضب جلالة الشاه، على التقرير الأمريكي الأخير، الذي يعتبره الشاه ((ضجة انتقادية علنية فاضحة، وأن جلالته أعطى تعليماته بأن أي إجراء أمريكي جديد ضد إيران، وجهاز مخابراتها، ستقابله إيران بتحرك مماثل ضد المسؤولين الأمريكيين وأنه سيفضح أوضاع سبعين عنصرا أمنيا أمريكيا في طهران، يقومون بنشاطات مضادة للقانون الإيراني)) (برقية الخارجية الأمريكية. 7 نونبر 1976).

   ولعلها كانت البرقية الأمريكية الأخيرة في تاريخ العلاقات الإيرانية الأمريكية، التي أخذت في البدايات ابتداء من عهد الرئيس الأمريكي نيكسون، طريقة النصح والإرشاد، التي تغلب عليها الشاه، بمخطط أطلق معه شعار، إن إيران ستصبح يابان الشرق الأوسط، أو أحسن من اليابان، ثم أطلق الشاه ما سماه الصحفيون الأمريكيون “عهد أنهار الشامبانيا وجبال الكافيار”، الشيء الذي لا يعرف المغرب بالتأكيد تداوله، كما أن بن كيران رئيس حكومة المغرب، ليس على مستوى رئيس حكومة الشاه، زاهدي، الذي كان عشيقا للممثلة إليزابيت طايلور في إطار الغزو العاطفي الإيراني، حين كان الثري الأمريكي روكفيلير، يسهر الليالي الطوال مع الشاه، ويسمي الشاه صديقه روكفيلير بالإمبراطور، وروكفيلير يسمي الشاه شرطي الخليج، ليحسب الشاه ومساعدوه الذين يعتبرون جيلا من الأقطاب الأذكياء، أنهم تغلبوا على الكراهية الأمريكية الدفينة للعروش والملوك، وخاصة ملك الملوك، الشاه الذي نسي أن أرجله الغائصة في وحل التاريخ، تمنعه من التحرك في الاتجاه الصحيح، خصوصا عندما سقط الشاه، في خطإ الدعم الأمريكي المؤكد، وأن أمريكا لا يمكن أن تخاطر بفقدان العرش الإيراني.

   ولقد أسفرت نتائج الانتخابات الأمريكية في نهاية 1976، عن مجيء الرئيس كارتر، الذي بدأ مساره من أجل الانتقام من الشاه بقراءة مذكرات هنري كيسنجير، صديق الشاه كما كان يبدو، والذي كتب: ((إني لم أعط يوما للشاه شيكا على بياض)).

   ويبقى الأسلوب الذي اتبعه الرئيس كارتر لإبعاد الشاه، درسا لغيره(…) تماشيا مع العقيدة الأمريكية التي تعتبر الملوك والسلاطين، خارجين عن خط احترام الحقوق الفردية، وأخذ كارتر يتعامل مع الشاه تعامل القط والفأر.. رغم أن الشاه كان يثق ثقة عمياء في أصدقائه الأمريكيين الآخرين، ويحسب أن كارتر سيزول.

   ويروي الصحفي الأمريكي شوكروس صاحب كتاب الرحلة الأخيرة، حالات عاشها للطريقة المزدوجة الأوجه التي كان كارتر يتعامل بها مع الشاه، وقد حضر الكاتب مرة حينما بكى الشاه، من عنف التعامل السياسي للرئيس الأمريكي، وربما كان مرغما على مسح عينيه من الدموع، حينما كان رجال الشرطة يطلقون قنابل الغاز على المظاهرات المعادية للشاه، لحظة لقاء بين الشاه وكارتر، وهي الدموع التي نسيها الشاه في المساء، وهو يقيم حفلا على شرف الرئيس كارتر، وكتب الصحفي: ((إن الحفل كان غارقا بالشامبانيا، والحلوى المشتعلة بالكونياك، ويقف الضيف الملكي كارتر، ليتناول كلمة الشكر، ويستسمح مضيفه الشاه في قراءة شعر للمعارض الإيراني السعدي، وقرأ كارتر:

   “البشر كأعضاء الجسد الواحد

   وإذا كنت لا تبالي ببؤس الآخرين

   فإنك لا يمكن أن تدعي أنك بشر مثلهم

   وينزل كارتر من المنصة ليقول للشاه: إن زوجتي روزالين هي التي اختارت إيران لقضاء رأس السنة هذا في ضيافتكم)).

   وفي الصباح الموالي يقف الرئيس كارتر أمام الصحفيين ليقول: إن الولايات المتحدة تعتبر الشاه حليفا هاما لها، لكن عليه احترام حقوق الإنسان، ليعلن الشاه في اليوم الموالي إصدار أوامر بتخفيف أساليب جهاز ديسطي السافاك، ويطلق سراح بعض المعتقلين، لكنه في نفس الوقت أعطى أوامر للصحف التي يوجهها بإعلان حملة عدائية ضد الإمام الخميني، الذي كان مستقرا ببغداد.

   وقد سمع الأمين العام للأمم المتحدة، كورت فالدهايم بوعود الشاه حول حقوق الإنسان، فقام بزيارة لطهران طلب خلالها استقبال مجموعة من معارضي الشاه، وعندما استقبله الشاه قال له: ((إني لا اريد لأي واحد من ضيوفي أن يمضي ولو دقيقة واحدة من وقته مع هؤلاء السخفاء)) (كتاب شوكروس).

   وعندما كلف الشاه أخته الأميرة أشرف، بإقامة مأدبة عشاء، وكانت إحدى الحريصات على بورتوكول الدولة الشاهنشاهية وتقدم من المأكولات ما لا يوجد لها نظير في أي جهة من العالم، كتب فالدهايم في تقرير عن مأدبة الأميرة: ((لقد كان العشاء فخما، ولكن المحادثة والكلام كانا معدومين، وكل ذلك في جو ساحق من التعجرف ومظاهر التزويق العاهر(…) والتملق الذليل لصاحبة السمو)) (الرحلة الأخيرة. شوكروس).

   ولقد وجد كارتر في التقارير الممهدة لإبعاد الشاه عن عرشه ظاهرة كلف بتحليلها خبراء علم النفس الذين راقبوا نفسية الشاه وكتبوا: ((فيما يتعلق بنوبات الاكتئاب، التي تصيب الشاه، تؤثر تأثيرا هاما على زعامته، فهل كانت تبدو غير متناسبة مع الظروف، أم أنها حالات القنوط، والإحباط، وخيبة الأمل، تتزامن مع مشاكل سياسية حادة، وهل يصبح مشلولا بعدم القدرة على الحسم، فيميل إلى تفويض آخرين.. لاتخاذ قرارات هو الذي يتخذها بنفسه)) (نفس المصدر).

   وهي وضعية، وربما كانت متطابقة مع معنوية الشاه وحالته النفسية، وقد لاحظ الطريقة التي أبعدت بها الولايات المتحدة أقوى ملك في أوروبا، قسطنطين، ملك اليونان، ففهم أن دوره قادم، ليستدعي مستشاره الزاهدي، ليطلب منه تحضير سفر الشاه لسويسرا والتي صرف فيها أموالا خيالية، وله بها قصر في منطقة التزحلق على الثلج، وفيلا في سان موريتز، وقصر فوق بحيرة جنيف، لتتعرض السلطات السويسرية، ويقول رئيسها للزاهدي: إنه لا محل عندنا للشاه الصديق الذي سقط.

   وكان الشاه قد ربط على مدى سنوات طوال، علاقات مالية واستخباراتية مع إسرائيل، وأدار معها منذ الخمسينات التقارير السرية حول القضايا الداخلية للدول العربية(…) فلما بعث مرسولا لاستشارة أصدقائه بإسرائيل، كتب رئيس المكاتب الإسرائيلية في طهران “أوري لويراني”: بكل أسف، فقد اصبح الشاه المثال النموذجي للانحلال الإيراني.

   ويبقى الصديق الوفي الحسن الثاني، الذي استقبل الشاه في قصر السلام، وكان يلعب الكولف مرة حينما طلبه تلفونيا صديقه الرئيس الفرنسي جيسكار ديستانغ، ليرفض الشاه مكالمته قائلا: لقد كنا شديدي اللطف مع فرنسا، وفعلنا الكثير من أجلها، والآن غيروا رأيهم، فماذا أقول لجيسكار.

   لكن الرئيس الفرنسي، استقبل مدير مخابراته، دومارانش الذي جاء للمغرب لمحاولة إقناع الملك الحسن الثاني بإبعاد الشاه، وجاء دومارانش عند ملك المغرب ليقول له: ((إن تواجد الشاه سيخلق مشاكل خطيرة للمغرب، ليقول له الحسن الثاني إن الشاه ضيفي، وكفى، ليرد عليه دومارانش: إن واجبات ملك المغرب وهي حراسة مضيق جبل طارق الشديد الحيوية بالنسبة للمعسكر الغربي، وله أسبقية على كرم الضيافة، ثم دخل دومارانش على الشاه ليقول له: إن مضيفك الحسن الثاني في خطر، فإن الخميني يمهد لاختطاف أفراد عائلة الحسن الثاني، انتقاما لاستقبال الشاه، هناك قرر الشاه مغادرة المغرب)) (نفس المصدر).

   وحاولت أجهزة الرئيس كارتر تبرير محاربتها للشاه والتنكيل به، وفي ختام تبريرهم حملوا المسؤولية مرة أخرى لأغلاط الجهاز المخابراتي للشاه: ((إن الوكالات الغربية كلها كانت تستمد معلوماتها من مخابرات الشاه، السافاك، التي كانت ظاهريا تحت سلطة الشاه، بينما لم يكن أي شخص من السافاك قريبا من الشاه، وفي الواقع لم يكن هناك أحد مقرب من الشاه(…) حتى ولا زوجته الإمبراطورة)).

   ذلك أن عداوة الأمريكيين للملوك والسلاطين، مرتبطة بالتناقض الواضح بين الديمقراطية الحقيقية وعظمة عجرفة الحكم الفردي.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!