في الأكشاك هذا الأسبوع

إيران: دور متعاظم و مخاوف إقليمية متصاعدة…

 

منطقة الشرق الأوسط كانت مند الأزل منطقة صراع و ستبقى كذلك رغم الحديث عن تحويل الولايات المتحدة الأمريكية لمركز اهتمامها منها إلى مناطق أخرى في العالم و على رأسها  المحيط الهادي و جنوب شرق أسيا. فسوريا, تحولت حاليا إلى حلبة صراع بين الغرب و روسيا بعد أوكرانيا و جورجيا، إلا أن الحزم الذي واجهت به أروبا و الولايات المتحدة روسيا في نزاع جزيرة القرم، لا يوازيه نفس الحزم في سوريا حيث غالبا ما يتفق الجانبين على تدمير هذه المنطقة أو تلك مع الحديث عن تفاهمات لدحر الجماعات المتطرفة التي يعرف الجميع أن الهدف منها تصفية رعاياها الموجودين بتلك الجماعات للحيلولة دون عودتهم، مهما كلف الثمن من المدنيين الأبرياء، نتيجة قصف سلاحه الجوي لمناطق مدنية. هذا التكالب الغربي على المنطقة تزامن مع رفع العقوبات عن إيران الذي زاد من مستوى تخوف المماليك الخليجية من المد الشيعي في لبنان و اليمن و العراق، وتدخلها في شؤونها الداخلية على أساس أنها المكلفة بحماية المذهب الشيعي بالعالم في كل من السعودية و البحرين، لدرجة تصنيف إيران كأكبر خطر يواجه المنطقة مكان الكيان الصهيوني الذي كان تاريخيا في المراتب الأولى.

في الواقع، لا يمكن أن ينكر إلا جاحد دور إيران المتعاظم في المنطقة، فإيران كانت ترهب منطقة الخليج و العرب ككل و هي تحت العقوبات الدولية فما بالك و هي خارجها و ستصبح لديها مداخيل مهمة من بيع البترول. فالوضع الآن تغير فإما أن تتحرك الدول الخليجية لمواجهة الدولار بالدولار أو تستقوي عليه إيران. فالعزلة الدولية لسنوات مكنتها من تطوير بعض القطاعات بنفسها و الآن أصبح بإمكانها الوصول إلى التكنولوجيا الغربية بكل يسر في جل المجالات الحيوية، مقارنة بما كان عليه الأمر سابقا. و بذلك ستدخل –إيران- في مرحلة تطور و نمو سريع لن تستطيع دول المنطقة مواكبته بسبب الاعتماد شبه الكلي على موارد النفط و موارد قطاع الخدمات. لضمان مستوى مقبول للأسعار داعت الدول المصدرة للنفط لتجميد الإنتاج في حدود انتتاج شهر يناير من السنة الجارية، إلا  تلك الدعوات اعتبرتها إيران “نكتة” على لسان وزيرها المكلف بقطاع النفط. منطقيا، لا يمكن أن يتقبل الإيرانيون القرار، إذ أن العقوبات التي كانت ترزح تحتها، أدت إلى فقدانها لحصة سوقية مهمة لن تستردها إلا بعد عدة سنوات من التجديد المستمر لوسائل الإنتاج برصد ميزانيات سنوية ضخمة للقطاع. في مقابل، سيطرة السعودية و الدول الأخرى على حصة الأسد من السوق الدولية للطاقة.

هذا التطور السريع لإيران و سعيها المتواصل لاسترداد ملياراتها المجمدة بالخارج لعصرنة نسيجها الإنتاجي. يقابله ضعف و تقهقر لدول في العالم العربي السني، رغم أنها تنصب نفسها كمدافع عن المذهب السني. فمعظم دوله تمزقت والباقي ينتظر دوره وبعضها بينها مشاكل بينية مزكمة للنفوس. هذا الوضع فتح المجال أمام إيران لتصبح قوة إقليمية لها ثقل جغرافي واستراتيجي مهم أهلها لتلعب دورا محوريا في الصراعات التي يعرفها الشرق الأوسط و على رأسها الصراع في اليمن حيث تزعمت السعودية “التحالف العربي لدعم الشرعية” الذي انسحبت منه الإمارات حديثا، لمواجهة الحوثيين المدعومين بدورهم من طرف إيران، فيما اعتبر مواجهة غير مباشرة بين الشيعة و السنة.

في نفس المنحى تدخلت إيران بكامل خبرتها العسكرية لحماية النظام السوري على أساس كون بشار الأسد من العلويين أو “آل البيت” عند الشيعة. هذا التدخل يوازيه دعم من مليشيات “حزب الله” اللبناني على الأرض. أما العراق  فمند سقوط نظام صدام حسين و هو تتقاذفه الطوائف المختلفة إلا أن الوضع هناك مختلف رغم الزيارات المتتالية التي يقوم بها الزعماء الشيعة لإيران، نظرا لبعض التوازن في القوى و كون الجميع لحد الآن متفق على وحدة العراق و تطبيق ما يسمى بالرئاسيات الثلاث المكرس للمحاصصة الطائفية.

دينيا، إيران متهمة إقليميا باستعمال الطائفية لزعزعة استقرار دول المنطقة و التدخل في شؤونها الداخلية. فإيران تعتبر أي شيعي أو منتسب للعلويين في العالم أحد مواطنيها و يجب الدفاع عنه. وقد، ظهر هذا جليا في طريقة تعامل السلطات الإيرانية مع إعدام السعودية لنمر باقر النمر، حيث أدى ذلك إلى اضطرابات في المنطقة و اقتحام السفارة السعودية في طهران. في حادث آخر، نددت ايران بسحب الجنسية البحرينية من أحد النشطاء الشيعة ،بل، دعا أحد مسؤوليها إلى إعلان الثورة فيها. على اعتبار أن مملكة البحرين ليست إلا مقاطعة من مقاطعاتها. كما طفت إلى السطح مؤخرا مشاكل مرتبط بالحج لرفض السعودية رفع الشعارات السياسية في موسم الحج و منع بعض الطقوس التي يؤديها الشيعة.

من جانب آخر، فالأنظمة التي تستمد شرعيتها من الدين تعتبر المساس بعقيدة الشعب خطا أحمر يهدد وجودها. و بالتالي فهي تواجه بحزم كل ما من شأنه أن يؤدي إلى زعزعة معتقدات رعاياها. لكون الدين يسهل عملية تدبير شؤون الجماعات و يوحدها، و غالبا ما يحترم الجميع الرؤى التي تستمد شرعيتها من الأسس التي بنيت عليها عقيدتهم، و هنا يكمن الخطر في المد الشيعي الذي يدين فيه المريدين لولاية الفقيه. إذ، بتصريح واحد من الفقيه من قلب طهران يمكن أن يزعزع استقرار المنطقة ككل.

الجزائر نظرا لسوء الفهم الموجود بينها و بين السعودية بخصوص أسعار النفط، قضية الصحراء و سوريا، قررت التخندق مع إيران و عدم المشاركة في التحالف الإسلامي ضد الإرهاب و التحالف العربي المساند لعبد ربه منصور هادي، ضد الحوثيين بحجة احترام الدستور الذي يمنع ذلك. كما قام وزيرها المكلف بالشؤون المغاربية والاتحاد الإفريقي و الجامعة العربية بزيارة لسوريا لعرض تجربة الجزائر في تصفية و قمع الإسلاميين إبان سنوات التسعينات. أو ما يعرف داخليا بالعشرية السوداء. هذا التوجه يفسر بكون الجنرالات في الجزائر لا يتخوفون كثيرا من المد الشيعي، كما أن جل السياسيين هم من دوي الميول الاشتراكية الدين كانوا مع المعسكر الشرقي إبان الحرب الباردة.

أما المغرب، فهو تاريخيا ينحو منحى السعودية بحكم المذهب  الملكي السني السائد بالمملكة و كونها حليفا استراتيجيا في منطقة الخليج. بالإضافة إلى المساعدات المالية لدول مجلس التعاون لدعم السياسات المغربية في المجالين الاجتماعي والاقتصادي. بل ويسعى المغرب لتعزيز الحضور الخليجي في المؤسسات الاستراتيجية للدولة بتفويت حصص مهمة منها تحت غطاء تغطية عجز الموازنة العامة.

بالنسبة لمصر، فهي عانت و لا زالت تعاني من تبعات عدم الاستقرار الذي أثر على السياحة، المورد الأساسي للعملة الصعبة، كما يعاني الاقتصاد المصري من أزمة خانقة لضعف مداخيل قناة السويس نتيجة الأزمة الاقتصادية العالمية و ظهور طرق إمداد عالمية جديدة. مما أدى إلى شح الدولار و ارتفاع قيمته مقابل الجنيه مما أثر على القدرة الشرائية للمواطن المصري بسبب التضخم المستورد. لإخراج مصر من المأزق  أغدقت عليها السعودية المليارات على شكل مساعدات و استثمارات فسرها البعض بالنهج الجديد للسعودية لتنويع مداخيل اقتصادها في أفق 2030. في حين، اتهم البعض الأخر نظام السيسي، ببيع جزيرتي تيران و صنافير الاستراتيجيتين مقابل حفنة من الدولارات. بالنظر لهذا للدور المهم للسعودية في الشأن الداخلي مصر، فإنه من الطبيعي أن تكون مع الخليجيين لمساعدتهم في التغلب على مخاوفهم من إيران.

ختاما، فإنه لا يسعنا إلا أن نقول، أنه  من المخزي أن تخاف دول عديدة غنية لديها من السيولة النقدية ما لا يتوفر للكثير من الدول، من دولة واحدة لم تخرج إلا مؤخرا من عقوبات دولية انهكت بنيتها الاقتصادية. فهي على كل حال تدافع عن الشيعة بما استطاعت في حين أن هناك مجازر في بورما كما في الصومال و مناطق أخرى في العالم لم ينتفض ضدها أحد. و هناك مشاكل بنيوية في المنطقة، فلكل دولة مشاكلها الداخلية و مشاكل مع الجوار أكثر إلحاحا. هذا الواقع المبكي للمنطقة، لا تنبعث منها أي إشارات أمل، لبناء أي مستقبل يوافق تطلعات الحركات الشبابية الصاعدة، التي أصبح سقفها يرتفع يوما بعد يوم، مما يندر باضطرابات جديدة تلوح في الأفق. فهل يحق للساسة و المسؤولين من المحيط إلى الخليج اعتبار إيران خطرا داهما يهدد استقرار المنطقة ؟

 

عبدالرحمان اوبيلاني

 

 

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!