في الأكشاك هذا الأسبوع

جمهورية من أجل ملك

    اعداد : سعيد الريحاني                                  

                                     وصفة المزج بين الديمقراطية والديكتاتورية عند الحسن الثاني

لم يستثن الملك الراحل الحسن الثاني، إمكانية سقوطه يوما(..)، وقد ربط ذلك بإرادة الشعب: “فعندما يسود الشعور بأن الملك، لم يعد يعيش قضايا شعبه، وظروفه، وأنه لا يتصف بصفة الاعتزاز، التي يتسم بها شعبه، وهو شيء هام، فإني أعتقد أن الشعب سينبذ هذا الملك” (الحسن الثاني. التايمز.1981).

ولا شك أن كثيرا من المواطنين لم يطلعوا على هذا التصريح، الذي يعطي الدروس لكل الجالسين على العروش(..)، ولكن هذه الجزئية جاءت بالتفصيل في كتاب: “الحسن الثاني الملك المظلوم” لمؤلفه، قيدوم الصحفيين مصطفى العلوي، بل إن الكاتب نقل للقراء بعض صفات الحسن الثاني عبر شهادات، نادرة، فقد كانت حياته بالنسبة له رهانا قرر أن يكسبه، “وكانت له ثقة في نفسه، قل أن يتواجد نظيرها عند أي مواطن بسيط، لدرجة أنه كان لا يتناول مقويا، ولا يشرب فيتامينا، لأنه كان يريد وهو مريض أن يرى الموت بعينيه”، كما كتب عنه، ابن أخيه، الأمير مولاي هشام في كتابه: “الأمير الممنوع” (نفس المصدر).

يحكي مصطفى العلوي: “كان الحسن الثاني مرغما على التعامل مع أقطاب الحركة الوطنية، الذين لم يغامروا يوما بتقديم طلب من فرنسا للسماح لهم بزيارة محمد الخامس في منفاه، كان كل لحظة من لحظات منفاه، يتتبع ما يجري وما يدور في باريس… ويعرف أن رجلا واحدا في الساحة الفرنسية المغربية، هو الذي قال، أرجعوا محمد الخامس لعرشه، وكان هو الجنرال دوكول، كما حكى رئيس الحكومة، إدغار فور في مذكراته.

أما إخوتنا(…) الوطنيون، فقد لخص أول كتاب فرنسي نشر بعد استقلال المغرب، ألفه الوزير “بيير جولي”، الذي شارك في كل المفاوضات، وألف كتابه بعنوان يلخص ما جرى: “جمهورية من أجل ملك” «Une République pour un Roi»، فقد كان المفاوضون الشوريون، يتحدثون عن الجمهورية المغربية كأساس، وكان بوعبيد عبد الرحيم كما قال “إدغار فور” يطالب بتأخير استقلال المغرب، والبدء بتحضير المستقبل(…) وباندماج مع فرنسا قبل الاستقلال، وقال الرئيس بورقيبة، الزعيم التونسي في منفاه: ((ابحثوا عن رئيس جمهورية للمغرب، أما تونس فقد وجدت رئيس جمهوريتها الذي هو أنا)) (مذكرات إدغار فور). (نفس المصدر).

أما عن الحيثيات، والتفاصيل، فيقول العلوي: رجوعا إلى كتاب “جمهورية من أجل ملك”، الذي يعني كاتبه أن فرنسا أهدت الجمهورية المغربية التي طالب بها المفاوضون الحزبيون المغاربة للملك محمد الخامس، لأن كل السياسيين المغاربة المفاوضون ((وكانوا خمس مجموعات اتفقوا على برنامج من خمسة نقط، بعضهم لم يجرؤ على إعلان موقفه، على أن المنطلق هو عدم رجوع محمد الخامس إلى عرشه، وهو ما كان الكلاوي رئيس مجموعة مفاوضة متفقا عليه)) (جمهورية من أجل ملك. بيير جولي). إذن، المفاوضون الوطنيون يتفقون مع الكلاوي (نفس المصدر).

أحداث مثل هاته، كافية لدفع النظام إلى الانتقام من معارضيه، ولكن حسب الكاتب العلوي، فإن الملك الراحل لم يكتب، ولم يخطب يوما للإفصاح عن تفاصيل هذه المؤامرة، السياسية الحزبية على العرش المغربي، لم يفعل ذلك، لأنه يحتفظ لنفسه بالتهام طبق الانتقام، باردا.. وبدون خطب ولا تهديدات.

“الجمهورية من أجل ملك” أو “المؤامرة السياسية على العرش”، ليست سوى جزئية صغيرة ضمن، كتاب الحسن الثاني، الموصوف، بالمظلوم، رغم قوة شخصيته، الصفة التي ظلت لصيقة به طيلة حياته، حيث لم يكن هناك، لا قارئ ولا مقرئ، في مملكة الحسن الثاني، بقادرين على أن يقرؤوا من سورة النمل، الآية 34 التي تقول: “قالت إن الملوك، إذا دخلوا قرية أفسدوها، وجعلوا أعزة أهلها أذلة، وكذلك يفعلون”، فلم يكن خطيب جمعة ولا محدث لما بعد العصر، ولا محاضر من الشرق ولا من الغرب، بقادر على سرد هذه الآية في غيبة ولا بمحضر الملك الذي لم يكن يضاهيه أحد في سبر أغوار الفقه والدين، يقول العلوي، قبل أن يضيف، كان الحسن الثاني في أعماق فكره، يعرف أن الله لن يأخذه أخذا وبيلا، على إرغام المؤمنين، على أن يبتروا من كتابه المنزل، آية لأنها ترضي جلالته، وقد استأنس فأصبح لا يقبل أن يسمع أو يقرأ إلا وصفه بجلالة الملك، رغم أن الجلالة لله وحده، وتبارك اسم ربك ذو الجلال والإكرام، يقول الكاتب.

كتاب “الحسن الثاني الملك المظلوم”، جاء زاخرا بالشهادات، التي تترواح بين وصف الملك الراحل بالديكتاتور، أو العكس، حيث أن وصف الملك الراحل، بالملك المظلوم من طرف قيدوم الصحفيين سبب جدلا كبيرا، بالتزامن مع صدور الكتاب الحدث.

مواطن مغربي كبير في معارضته، هو اليهودي، الإطار السابق في الفوسفاط، أبراهام السرفاتي عاش في عهد الحسن الثاني، السجن ومرارة الاعتقال، وتحولت زوجته “دور” إلى أكبر حزب سياسي معارض للملكية في الخارج، حتى بعد أن أطلق سراحه سنة 1991، وقال الحسن الثاني، إنه مواطن برازيلي، وطرده بعد خروجه من السجن، إلى أن مات الحسن الثاني، وقرر ولده محمد السادس طي الصفحة، وسمح له بالرجوع إلى المغرب، وأهداه بيتا في الشاطئ، وأصبح المعارض السرفاتي سياسيا وديعا معتدلا، أوحت إليه عبقريته السياسية، بأن يبتدع لقبا مقاربا للمعنى(…) يصف به الحسن الثاني، فسماه “الملك الديموكراتور” ليجمع في تبرير الدفاع عنه(…) بين الديكتاتورية والديمقراطية، يقول العلوي، قبل ان يدرج شهادة أخرى، لمعارض، قال إنه عاش في إطار ظلم ذوي القربى(…) وهو الأمير مولاي هشام، ابن أخ الحسن الثاني مولاي عبد الله، وفي عز حملته على النظام المخزني، صرح مصدرا حكمه النهائي على الحسن الثاني بقوله: ((الحسن الثاني لم يكن ديمقراطيا، لكنه كان يعرف قيمة الحرية، بعد توطيد دعائم ملكه خرج من القبضة العاطفية لوالده، فأصبح حكمه يتراوح(…) بين الاستبداد الشرقي، والحكم المطلق، الذي يميل أكثر إلى القيصر الروماني، منه إلى الملك الأوروبي)) (الجريدة 23 يوليوز 2005)، حسب مقتطف من كتاب، “الحسن الثاني الملك المظلوم”.

يقول صاحب الكتاب: “هذا التراوح(…) بين الديكتاتورية والممارسة الديمقراطية عند الحسن الثاني، هو الذي طغى على حكم هذا الملك، حيث كانت تجاربه القديمة ومعاناته، تفرض عليه التراجع عن مواقفه، بطرق مفاجئة في كثير من الحالات، فلم يكن إذن ديكتاتورا على طريقة النماذج التي حكمت بديكتاتورية وإعدامات جماعية، وهذا أمامنا نموذج الرئيس العراقي صدام حسين، فالحسن الثاني مرة، قدم شكاية إلى محكمة كان يرأسها القاضي محمد بناني، بعد أن رفض سكان عمارة يملكها الملك زيادة قيمة الكراء وكان سكانها يدفعون أكرية من قبيل خمسين درهما في الشهر للشقة، لكن القاضي بناني، حكم لفائدة السكان، ضد الشكاية الملكية، وبقي القاضي ينتظر العقاب، إلا أن الحسن مرة غضب على القضاة في اجتماع له معهم، فقال لهم: خذوا الحكمة، من نموذج القاضي بناني”.

يؤكد العلوي، بأن الأمثلة السالفة الذكر، مجرد نموذج فقط، كان أعظم منها، تلك السلسلة المتوالية لقرارات العفو الملكي، على السجناء السياسيين، وعن هذا الاعتراف بتكرار نموذج السجن والعفو، الصحفية “سيمون لاكوتور”، زوجة مدير جريدة لوموند “جان لاكوتور”، تكتب مقالا عن تقلبات سياسة الحسن الثاني، الذي استقبلها وقال لها ما يفسر طريقة حكمه: ((لا تكلميني عن طلبتنا الباريسيين، كلهم شيوعيون، أما حين يعودون إلى المغرب، فإني أمنحهم وظائف بدخل محترم، فلا أحد يبقى يسمع عنهم شيئا)).

وكان العلوي قد كتب ما يلي: عندما يتحدث الحسن الثاني، بهذه الحدة، عن “طلبتنا الباريسيين” فإن صورة واحد من أولئك الباريسيين، ترتسم على ملامحه فتوجعه وتكاد تظلم له الرؤيا، وهي صورة الطالب الثوري حميد برادة، الذي لم يفلح قريبه عائليا، المقرب من الحسن الثاني، مستشاره عبد الهادي بوطالب، في ترطيب موقع حميد برادة في الموقع السياسي، فقد كان أول رئيس لاتحاد الطلبة المغاربة بباريس، أصدر منشورا يطالب فيه بالجمهورية المغربية، وحكم عليه بالإعدام (لوموند. عدد 23/4/1963) نشرت ((بيانا طالب فيه برادة من جميع قوات العالم، أن تحارب الملكية المغربية وأن القضاء على الملكية المغربية وحده الكفيل بتحقيق وحدة المغرب الكبير))، وكان حميد برادة يعتبر التلميذ المطيع للمهدي بنبركة، لتحصل المعجزة(…) ويتحول حميد برادة، إلى بوق العرش المغربي بفرنسا، بل ويكذب نفسه فيما يتعلق بالمهدي بنبركة الذي قال عنه: ((إن المهدي بنبركة لم يكن ديمقراطيا، بل تواقا إلى السلطة، مذكرا بأن صورة للحسن الثاني سقطت يوما في مكتب المهدي بنبركة الذي التفت إلى الصورة وقال: ليس هذا وقتك بعد.. وأضاف فيما يتعلق بما سبق نشره عن مقابلة الحسن الثاني للرئيس الإسرائيلي “ناحوم كولدمان”: إن الوحيد الذي يمكن أن ينصت إليه العرب واليهود، هو الحسن الثاني، وأنا أعرف رأي الاتحاديين الأقحاح في الحسن الثاني، لقد ظلمنا الرجل)) (الشرق الأوسط. 19/7/2006).

اتحادي آخر أكثر واقعية، وأكثر مصداقية، لانعدام أية مبررات مصلحية، هو الباحث عبد الله العروي، صاحب “الإيديولوجية العربية” كتب مؤخرا: ((إن بعض القوى تريد أن تقنعنا بأن الحسن الثاني مازال يقود حياتنا حتى بعد مماته، ونؤكد أنه لا يمكن وضع كل شيء في حساب الحسن الثاني، الرجل، فقد كان ضحيتنا بقدر ما كنا ضحاياه)) (كود. 23/3/2014). (نفس المصدر).

ورغم أن فصول العلاقة بين الملك الراحل والصحافة، منتشرة بين كتاب “الحسن الثاني الملك المظلوم”، إلا أن فصل:”الحسن الثاني.. الديمقراطور”، يتضمن عدة محطات وشهادات يمكن أن تلخص هذه العلاقة، إذ يتساءل مثلا، كيف نصنف ذلك التعليق الذي كتبه صحفي استقلالي في جريدة “لوبنيون” حول “نازية الديكتاتور الجبار هتلر”، ولكن الصحفي المغربي نشر مقاله بالعنوان التالي: “مولاي صاحب الجلالة هتلر” لينبري صحفي فرنسي آخر في جريدة “لوماناتي” الفرنسية (عدد 2 جوان 1982) ويكتب ((عجيب أن يشبه صحفي مغربي الملك بهتلر، وهذه الجريدة لوبنيون مشارك حزبها في الحكومة، ووزير خارجيته هو امحمد بوستة)).

صحيح ما قاله المثل المغربي، من أن الميت، تطول رجلاه بعد موته، ولكن ها هو نابغة آخر من الجيل المغربي، يسمى الأستاذ محمد ضريف، يخوض في عملية تصحيح صورة “الملك الديموكراتور” ويبرز في أطروحة علمية (مجلة الزمن 11/7/1994) ((مادام أن تاريخ المغرب هو تاريخ ملوكه، فإن للملك حقوقا لا يمكنه التنازل عنها وواجبات من واجب أي ملك، أن يفعل أي شيء، إلا شيئا واحدا هو الاستقالة)).

نفهم لماذا لم يتحدث الحسن الثاني يوما عن الاستقالة، فالذين عاشروه طويلا، وحتى إلى آخر أيام حياته، كانوا شهودا على تشبث الرجل بعرشه، لدرجة أن رجولته، وقوته وعناده، اختفوا عندما هوجم في قصره بالصخيرات يوم 10 يوليوز 1971، فاختبأ في حمام، وكان لا يتوقف عن قراءة اللطيف، ومن يدري، ربما ساندته تلك النفحة الصوفية التي لازمته عندما أصبح ملكا، وجعلته يرصد جموعا من الصغار والكبار في عشرات الزوايا والمساجد بالمغرب، يقرؤون القرآن ليل نهار، وصدق أو لا تصدق، فقد أعطت الأيام ما يكفي من نماذج البركة التي لفت الحسن الثاني بأردية الحفظ، سواء هناك في الصخيرات، أو في الأجواء بطائرته المقصوفة بالصواريخ في السماء يوم 16 غشت 1972، صدقوا أو لا تصدقوا، فالقرآن الذي يصدح به طلبة صغار وكبار في ضريح سيدي الزوين بمراكش، ظهرت بركته يوما عندما كلف الحسن الثاني أقرب الناس من مخزن القصر، بأن يحمل حقيبة جلدية مشحونة بالأوراق النقدية، لطلبة وفقهاء سيدي الزوين، وفي منتصف الليل رن جرس تلفون الحسن الثاني ليخبروه بأن الشريف الذي أرسله بالأموال إلى سيدي الزوين فقد حياته في اصطدام خطير، وعندما صاح الحسن الثاني متألما لفقدان أعز مكلف(…) عنده، عاجله مدير الدرك بقوله: وقد عثرنا في بقايا سيارته على حقيبة مملوءة بالأوراق النقدية، وكان هذا الصديق المكلف قد أعطى بعض الأوراق للفقهاء والطلبة في سيدي الزوين، واحتفظ بالحقيبة مملوءة لشخصه، وحصل له الحادث أثناء الرجوع، فمات أشنع موتة، نجانا الله وإياكم. (المصدر: مقتطفات من كتاب: الحسن الثاني الملك المظلوم).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!