في الأكشاك هذا الأسبوع
بريجنسكي

الأخطار الخمسة على العرش المغربي

اعداد :  عبد الحميد العوني

                                             انطلاقا من القراءة الأخيرة لـ”بريجينسكي”

 تؤشر خمس حقائق تتعلق بتنزيل التقسيم الجديد للقوة السياسية في دستور 2011، ووجود حكومتين كما قال بن كيران، ونظام جهوي يقوده حزب الأصالة والمعاصرة الذي أسسه مستشار الملك فؤاد عالي الهمة، على أوان تحالفات وطنية جديدة.

الحقيقة الأولى، تتمثل في أن الإسلاميين لا يزالون قوة “انتخابية وسياسية”، وممثلين في حزب واحد، وإن خرج حزب العدالة والتنمية من الحكومة القادمة، نكون أمام إقصاء حساسية وشريحة واسعة، ويدفع النظام قرار تمثيله للإسلاميين في حزب واحد.

وبالنظر للمتغيرات الاجتماعية، فإن تمثيل “الإسلاميين” في حزب واحد، و”العرقيين الاشتراكيين” في حزب الأصالة يبني هشاشة شديدة للنظام، لأن الحسابات لا تسمح للملك بأن يكون مناطقيا، أو يميل إلى أنصار لغة رسمية محددة، أو يضع إمارته الإيمانية في رؤية حزب واحد.

الحقيقة الثانية، تتصل بكون المغرب يمر حاليا بآخر أطوار مخاض تفكك القرار الإمبراطوري من الداخل، حين أقر نظاما جهويا للتدبير، ويقترح حكما ذاتيا لجنوب المملكة، ويفكر في العودة إلى الاتحاد الإفريقي الذي يفترض في آخر المطاف استفتاءً للساكنة الصحراوية، وقد أقرت الرباط في رسالتها بالشرعية الدولية كما يقول بها مجلس الأمن، ولن يقبل الأفارقة بأقل من الاستفتاء لتحديد هل تكون الدولة في الجنوب أم لا، وهو خطاب 28 دولة التي ساندت المغرب في انتصار الاستفتاء على الدولة المعلنة من جانب واحد.

و”تعليق الدولة الصحراوية لعدم تعليق الاستفتاء” يقول به اليوم نصف الأفارقة، وتريده جنوب إفريقيا رسميا للنطق برأيها وعدم شتات القرار الإفريقي.

ويعيش المغرب مسارا شاقا في الوصول إلى “دولة قومية” قيادية في غرب إفريقيا، غير أن الواقع الحالي يبين أن الفيدرالية والاستفتاء خياران لم تقرر فيهما العاصمة الرباط بطريقة حاسمة، لأن الحس الإمبراطوري للدولة يموت بتبني أحدهما.

الحقيقة الثالثة، أن الأحزاب تواصل صعودها السياسي بوتيرة منتظمة، فحزب العدالة والتنمية يطرح مشكل إصلاح الدولة من أجل النظام أو إصلاح النظام من أجل نفسه، وكلا الرهانين يدفعان الملك إلى خيار واحد لمستقبله: الملكية البرلمانية، كي تذوب قوة مستشاريه وتذوب مركزية نظامه.

ويتجنب المتنافسان الحزبيان ـ الأصالة والمعاصرة والعدالة والتنمية ـ طرح أي تحد صريح للملك، أما استراتيجيا، فيبدو أن “المتدينين” و”العرقيين” متفقون على “تغيير قواعد اللعبة”، فبن كيران، يريد نظاما قويا برئيس دولة وحكومة قوية في ظل تبني نظام الجهات، فيما يريد العماري، نظاما لامركزيا ينتهي بإضعاف الحكومة المركزية لصالح الجهات، وأن يدير الملك 12 حكومة صغيرة في المستقبل.

وفي الحالتين، يبدو أن الدولة لم تقرر طبيعتها الجديدة، وهي تمارس سلطاتها كما في السابق، كما لم يقلل القصر من تدخلاته على هامش حركة الحكومة، ويحاول أن يدير “نظامين” ويسعفه الأمر لضعف الأحزاب في الداخل، وضعف الجارة الشرقية إقليميا، لكن التطورات أدخلت “القلق” في نفوس أصدقاء المغرب قبل غيرهم.

وتتمثل الحقيقة الرابعة، في أن الوحدويين في الصحراء أو الوحدويين الأمازيغ، خصوصا في الريف، لا يعدون قوة مجتمعية، وبعيدون أن يصيروا إلى ذلك، فلا حلول قادمة أقل من الحكم الذاتي المناطقي لكيان المملكة.

وبناء دور أمني وريادي في كل ما يتعلق بالأخطار العابرة للحدود، نجاح مرحلي، ويكشف المملكة في المستقبل.

كما أن المغرب في تجربته الأخيرة، لم يستطع أن يستقل عن الغرب، لأنه منتسب سياسيا وثقافيا للثقافة الأطلسية ومنحاز وداعم للمصالح الأمريكية والفرنسية في المنطقة، إضافة إلى أن جاهزيته العسكرية تعتبر غربية، وسيكون بناء حل لأزمة الصحراء “غربيا مائة في المائة”.

أما الحقيقة الخامسة، فهي أن المغرب مهدد بانتفاضات عنيفة إن لم ينته إلى نظام جهات قوي يضمن الإجابة على الآمال المعقودة التي سوقها الرسميون منذ 2007 وإلى الآن.

و”بروباغندا” عقد من الزمن لن يمحوها قرار من هنا أو هناك في الجانب الآخر، ولم يبن المغرب حكومة قوية من دستور 2011، وكلا الخيارين محبط، فالمغرب انشطر إلى “حكومتين” بتعبير صادق لبن كيران، ورجع إلى ما قبل اقتراحه للحكم الذاتي، وهو ما كان واضحا في خطابه لمنظمة الاتحاد الإفريقي.

ولم يستطع المغرب أن يدافع عن مبادرته تجاه الصحراويين أمام المنتظم الإفريقي، ولم يتمكن من بناء شروط حل دولي عبر اقتراح الحكم الذاتي لرفضه توسيع مهام المينورسو (البعثة الأممية)، وفي هذه الضبابية الشديدة، تتغول الأهداف غير المعلنة لكل الأطراف.

بين اقتراح الحكم الذاتي، والجهات للإجابة عن مشاكل داخلية أو مأزق خارجي فقط، وبين الردة المتأخرة عن الحيف والاقتصاد العنيف الذي عرفته جهات بعينها، وأولها الصحراء التي تركها النظام من 1956 إلى 1975، نجد أن خيار الانتفاضات العنيفة ممكنة، خصوصا بعد فشل الحراك السلمي لـ 20 فبراير في الوصول إلى تنزيل دستور المرحلة.

ولأن الانتفاضات مؤجلة، فإن الإحساس العميق بالظلم يحركه الحافزان الديني والعرقي (الريف) والآخر الإقليمي (المتمثل في الصحراء)، ويشكل الجميع صندوق بارود.

ولا يخفي رئيس الحكومة على الجميع عدم وجود المغرب الحالي في حال المساس بالعرش، لكن الانقسامات تحته تتقدم، ومنها الانقسام حول قراءة الأزمة والتي لا تعدو أن تكون: حل حزب الأصالة والمعاصرة، كما يقترح رئيس الحكومة، أو حل حزب العدالة والتنمية كما طرحه البعض في 2003، ولا يزال للطرحين، أنصار داخل الدولة.

ولا يمكن للملك أن يلعب داخليا على حل أحد الحزبين الكبيرين في المملكة، أو المساس بشكل خطير بالتوازن الحزبي الحالي.

وتدفع الدولة مرة واحدة ثمن “حزب الدولة” وثمن تمثيل الإسلاميين بحزب واحد، والحزبان يحملان ضررا مباشرا على سياسات العرش.

ولأن الملك أقال عالي الهمة من أي منصب رسمي قبل إطلاق حزب الأصالة، وأسقط الحزب الموازي (البديل الحضاري) قبل وصول بن كيران إلى رئاسة الحكومة، كي لا يزعجه إسلامي واحد في الساحة الرسمية، فإن حزب الدولة الرسمي داخل صفوف الإسلاميين (العدالة) وحزب الدولة الرسمي خارج المتدينين المحافظين (الأصالة) لم ينجحا في إزالة التنازع داخل الدائرة الملكية، وترغب أطراف في الدولة بقاء الصراع لإدارته، لكن الصراع يدور في هوامش أخرى.

وإذا ما اجتمعت الأسباب المختلفة ستقول هذه الحقائق الخمسة، بأن على المغرب إعادة رسم موقعه انطلاقا من رسم هندسة القوة داخله لتكون له زمام المبادرة، فالرباط تخسر هجماتها في الداخل والخارج لأنها مترددة، فعشر سنوات من اقتراح الحكم الذاتي أضعفه، وأضعفت خمس سنوات دستور 2011 والنظام الجهوي مؤهل، من الآن، لفقدان سمعته الداخلية، فماذا بقي من تلمس لكل الحسابات التي وضعها النظام على نفسه وعلى المدى القصير والمتوسط.

توجهات جيوسياسية جديدة في الخارج وتوجهات وطنية جديدة في الداخل

أولا، لا بد من القول بأن ما يطرحه الاستقلاليون في الداخل غير مرتبط بشباط، بل الحاجة ماسة إلى فهم فئوي لتفكك البورجوازية “الوطنية”، وانتصار البورجوازية “الزبونية” في داخل المملكة والمستثمرة في غرب إفريقيا بتحالفات دولية، لا تعطي انتصارا حقيقيا، بل رقميا لعودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي

والارتباط بالمصالح، بطريقة متطرفة، لا يعني شيئا، فالمغرب لا يضخ المساعدات مع الاستثمارات كما يفعل الغربيون، ولا يجيب عن مظالم تاريخية، ويقدم التعاون الأمني قبل غيره، ولا يمكن في هذه الحالة أن يكون المغرب فعالا في إبرام تحالف يضم فرنسا وأمريكا وبدرجات متفاوتة الصين وروسيا، ويجب في هذه الحالة الثني على الاستعمال الأحادي للسياسة وتعزيز التنسيق المتعدد الأطراف والوصول إلى الخطوة السلمية التي تجيب عن حركة ومصالح الجميع، ومن داخلها مصالح المملكة.

وفي الداخل، فإن إطلاق توجهات وطنية جديدة لمنع السلبية الأنانية التي تجتاح الوضع الحزبي بما فيه تعامل الحزبين الكبيرين مع الملك يعتبر مهما، لأن العلاقات المباشرة بين الملك ورئيس حكومته لم تصل إلى العلاقات بين الملك ومستشاره علي الهمة، وفي وضوح شديد فإن هذه السياسات القصيرة المدى والجزئية التي تكرسها الأحزاب تحتاج إلى أن تندمج في رؤية بعيدة المدى يراها الملك، كما يدور في الإعلام الرسمي.

ولم يستطع حزبا الأصالة والمعاصرة أو العدالة التعديل الجوهري لرؤية الملك وتوصيف القيمة المضافة لوجودهما وخططهما في عمل الدولة.

ثانيا، إن “تمغريبيت” التي يقول بها مستشار الملك علي الهمة لم تحول المغرب إلى دولة قومية فعلية، وهي تخطو خطواتها نحو الجهوية أو تعد بحكم ذاتي للصحراويين.

وقد انتهت الإمبراطورية الشريفة في احتلال 1912، وفي نهاية الحرب العالمية الثانية  والاستقلال انتهت السلطنة، وفي 2011 انتهت الملكية التنفيذية لكن بناء المملكة الوطنية بشكل إرادي لم يتحقق مع اقتراح الجهوية والحكم الذاتي للصحراويين، لأن الجانب (الإرادي) لم تهتم له أجهزة الدولة الوطنية، وسيعسر هذا الوضع من ظهور دولة وريثة لدولة مركزية، قادها المخزن، والإمبراطورية الشريفة إلى 1912، ودولة لا مركزية قادتها البيعة والانتساب الديني في صحراء 1975، وكلما تقدمت مخزنة النظام ابتعدت الأجزاء الأخيرة التي التحقت بالدولة المغربية، وانتصار الدولة المغربية على المخزن ربح لمملكة وطنية قومية ولا مركزية.

وقتل “الحكومة الموازية” خطوة لبناء دولة مرجعية تقبل التداول السلمي على السلطة وتساهم في منع النظام الجهوي أن يكون نظاما موازيا يدخل الدولة في متاهة كبيرة.

إن المغاربة ليسوا وارثين للمخزن بل وارثين دائمين للملكية، وهذه قناعة الملكيين الجدد في صفوف المتمردين السابقين على العرش، كانوا في الشبيبة الإسلامية، يتقدمهم رئيس الحكومة، أو كانوا في التنظيمات الماركسية كما في حالة إلياس العماري.

ليس هناك ملكي تقليدي في كل الخيارات المدنية الحزبية التي أمام الملك، والصراع ليس بن كيران والهمة، كما يعتقد البعض مولويين (خريجي المدرسة المولوية كما رسمها الحسن الثاني) وملكيين، ولن يختلف الوضع القادم بين إلياس العماري ومستشارين ملكيين آخرين.

ومن المهم أن تنصت قيادات الأحزاب إلى قواعدها، وبين اليوسفي وبن كيران لم يختلف الرجلان سوى في توقيت إعلان نفس التصريحات والمواقف، ويختلف العماري وبن كيران في شكليات أخرى لا غير.

ومن المهم الاهتمام بالدولة جامعا لكل الفاعلين، وبناء وطنية جديدة لن تكون دون دولة المساواة.

والغريب أن يكون نظام جهوي، لا مركزي دون وعي للنظام بالمساواة تفكيرا وتنظيرا وعملا.

وصراعات المخزن والسيبة لم تكن أكثر من عدم تجذير لوعي المساواة في المواطنة المغربية.

وقد عززت الدولة (السيبة) كما تعزز مركزها ـ المخزن ـ ورسميا ينقسم الحكم في نهاية المرحلة الأولى لدستور 2011، وأي تمدد للانقسامات سيفجر الدولة، فالشعب إلى الآن يعد الحارس الأول للوحدة.

ويستغل النظام هذه الحقيقة الجديدة في مشكل الصحراء، لكنه يستمر في الحفاظ على مواقعه المالية، وإعادة إنتاج الثروة الوطنية وتركيزها في يد لا تقبل تقسيما جديدا للثروة، وتريد تقسيم الوطن إلى جهات متمتعة بالحكم الذاتي وغير متمتعة بهذه البادرة، فمستقبل المغرب يعتمد على قدرته أن يصير دولة قومية، وعلى تفكيك اللوبيات لإنتاج “وطنية جديدة”، تكون جزء من محيطها المغاربي ولا تقبل أن تتجاوزه.

وقد يكون مشكل الصحراء فرصة وجزء من الحل في مغرب عربي واحد، وقد تكون الجهوية الشكلية والحكم الذاتي من دون معايير دولية بداية لفوضى لا غير، فإما انتقال سليم لأشكال سلمية معروفة ومجربة ومعيارية في إدارة الجهات والإدارة الذاتية أو الوصول إلى  انحراف عنيف.

إما جهوية حقيقية وحكم ذاتي للصحراويين دون معايير دولية وبنيات مجربة ومعروفة وحقيقية وغير شكلية وإلا انتهى الانتقال الحالي إلى فوضى لأنه سيخلخل بنيات دولة الحسن الثاني ولن يستطيع إعادة إنتاجها لقرن قادم، ونحن على مشارف نهاية العقد الثاني منه

ينبغي حمل المغرب على استيعاب: “أن أفضل أفق سياسي بالنسبة له في المستقبل هو أن يصبح الشريك الرئيسي لاستراتيجيات الغرب وقيمه في إدارة الدول”، كي لا يلتحق بالفوضى العالمية التي تنتشر خارج الشرق الأوسط والتي تصل عدواها إلى كل مناطق شمال إفريقيا، ولن يتم احتواءها إن تواصلت مع العنف الإفريقي، وكان المغرب بابتعاده عن الاتحاد الإفريقي بعيدا من ردات فعل القارة السمراء، وفي عودته إلى الاتحاد، يعود الاتحاد الإفريقي إلى المغرب، وستعيش المملكة تحديات التحاقها بمشاكل قارتها السمراء، وهنا يجب النظر لعمل المغرب على تعزيز علاقاته مع غرب إفريقيا بالأمر الطبيعي للعلاقات الجيوسياسية المغربية، لكن يجب أن تكون هذه الأهداف في إفريقيا محط توافق مغربي ـ جنوب إفريقي ومغربي ـ مصري وجزائري أو مواصلة الخطة الأحادية للثلاثين سنة السابقة لأن المغرب، من الآن يقسم إفريقيا بمجرد نيته دخول الاتحاد، وسيتواصل نقل الفوضى الأفريقية إلى داخل المغرب في أي تصعيد جديد.

لم يستطع الحسن الثاني فعل ذلك وانسحب، واليوم يمكن القول بأن الأهداف المغربية في إفريقيا محط توافق فرنسي ـ مغربي أو صيني ـ مغربي، بل هي كل ذلك ولا شيء من ذلك أيضا.

ودخول المغرب بدون توافق محسوب خطر عليه لأنه سيساعد في نقل الفوضى الإفريقية إلى داخله، دون مواربة، وقد يشتبك مع تحولات داخلية ترمي إلى ميلاد دولة ثانية في المغرب باعتماد الجهوية والحكم الذاتي في جنوب الدولة الحالية.

وأي استقرار منشود لن يكون في المغرب اللامركزي ما دامت المملكة لم تصل إلى موائمة نظامها في إطار إعادة الهندسة الترابية للمنطقة، لأنها ستزيد من تغذية العنف المتطرف أو إطلاق عنف جديد على مستوى الصحراء، ولا يمكن احتواء قدرة تنظيم البوليساريو في المستقبل إن تحرك من خلال ميكانيزمات العنف والهندسة الترابية الجديدة، حسب تعبير “زيبينيو بريجينسكي”.

من الصعب أن ينتهي المغرب إلى حكومتين كما قال بن كيران في نهاية أول ولاية تنفيذية لدستور 2011، ونظامين يتجاوران من دون معنى، نظام جهوي وآخر مركزي، من مواصفاته البيروقراطية والزبونية المعبر عنها باللوبيات، وإلى دولتين: دولة في الدولة ودولة رسمية معروفة

إن الانشطار الحادث في ميلاد الدولة الثانية في المغرب والتي كان من شروطها عدم المساس بالنظام وكل صلاحياته في الممارسة كما في أول طبعاته في ستينيات القرن الماضي، يوحي إلى القول أن ما تعيشه المنطقة فرض، حسب الأمم المتحدة، خيار الحرب الشاملة بين الجزائر والمغرب وليست هذه الحرب سوى فوضى شاملة، ولا يمكن التحرك من داخل الاتحاد الإفريقي للتعامل، راديكاليا ونهائيا، ضد دولة اعترف بها (جمهورية البوليساريو) ويصطدم الاحتواء الجذري والتطرف الوحشي في كل مكان.

وإن كانت مواجهة المغرب والأمم المتحدة قد وصلت إلى “الحرب الشاملة” الجزائرية ـ المغربية، فإن من يعتقد أن المواجهة مع قسم من الاتحاد الإفريقي لن يتجاوز حربا محدودة مع البوليساريو، واهم، لأن الحرب القادمة ستكون بين دولتين إفريقيتين على أقل تقدير، ما دامت الحرب بين مملكة وجمهورية معلنة من طرف واحد في المخيمات، وإحدى الدول المؤسسة للاتحاد الإفريقي، فهي لم تكن طارئة على الاتحاد كما في حالة منظمة الوحدة الإفريقية، وهو ما يجعل انعكاسات انقسام إفريقيا خطيرة.

ومن المعلوم أن العودة إلى الاتحاد الإفريقي نهاية لمشروع الحكم الذاتي، لأنه ليس خيار الأفارقة، بل خيار الغرب الذي التحق به المغرب قبل أن يفشل في تحول الدولة، وبقاء مبادرة الإدارة الذاتية “مجرد دعاية”.

وإن انتهى الوضع الداخلي في المملكة إلى حكومتين في نهاية أول ولاية تنفيذية لدستور 2011، وإلى نظامين: جهوي ومركزي، وإلى دولتين، دولة في الدول ودولة رسمية، فإن النكوص إلى إفريقيا يعقد الحل ويدفع باقي مناطق المغرب إلى الصوملة، فالنكوص من المثال الغربي إلى النموذج الإفريقي تراجع بين، فإفريقيا فيها دول ديمقراطية وفيدرالية قبلنا، وتسبقنا حاليا ولكنها بدون معايير تحميها، ولا يؤكد الوضع الداخلي عن حصانة كما يتوهم بعض المراقبين.

هناك قوات البوليساريو المسلحة ومطالبها في الصحراء وهناك على الحدود المغربية الجزائرية 1200 مهرب مسلح، وهناك 800 داعشي تدرب على السلاح في مناطق التوتر في شمال المملكة، وهناك عشرات من شبكات المخدرات وعشرات المتطرفين العرقيين والدينيين إن التقى هذا الخليط سيكون المغرب تحت طائلة التهديد دون نسيان أن الشواطئ المغربية نقطة ضعف في حال انطلاق العنف.

إن المواجهة الأخيرة مع الأمم المتحدة حرمت المغرب من خانة الدول الأكثر ثباتا في المنطقة للمشاركة في الاستعمال المسؤول للقوة، ولا يمكن مواصلة صدام المغرب والغرب بأي مبرر.

والقبول بخفض الحرب الشاملة بين المغرب والجزائر إلى حرب محدودة مع البوليساريو ليس قرارا حكيما أو في ظروف عادية، والمملكة متشددة في مركزة قرارها العسكري وبعدها السياسي والاقتصادي في وجه رئيس حكومتها، وفي الوقت الذي تبذل فيه الدولة جهودا تحديثية أولها: الحكم الذاتي والجهوية، تثير شكوكا حقيقية حول قدرة المملكة الشريفة على لعب دور محوري بناء.

إن الطعن الذي بدأ من جهات رسمية للنموذج الحالي هو جرس إنذار على فشل متوقع، وتصريحات بن كيران، رغم سوداويتها، تكشف أن النموذج المغربي لن يكون قادرا على الذهاب بعيدا دون “وحدة القرار”، ويمكن أن يختزل هذا العنوان الأزمة والحل في آن واحد، وتصريف قرار الملك عبر الحكومة فقط تطور مؤسساتي لا يشك أحد في فاعليته.

منذ أكديم إزيك لاحظنا أن المغرب غير الصحراوي لا يتضامن مع الجنوبيين في منطق الوحدة، وفي 20 فبراير تحرك المغرب من غير الصحراء، فالمغرب منقسم خارج الإدارة، والانتباه الخاص إلى الجماهير المسيسة في الصحراء والداخل قد يغذي على نطاق واسع انتفاضة لإعادة تصويب السياسات في الدولة أو يزيد من حالة الانقسام

في نظر كل الاستراتيجيين فإن إفريقيا والعالم العربي مهدد بانتفاضات أخرى “مفاجئة ومتفجرة” بتعبير “بريجينسكي”، وهي فرصة للدفاع عن المجتمعات الأصلية: الصحراوية والأمازيغية وغيرها من الهويات المناطقية، وعلى العرش التفكير في احتواء “القادم” لأن استمرار الخلفية الدينية لبن كيران أو الأمازيغية العرقية لإلياس العماري هي أصعب خيارات الدمقرطة التدريجية والبطيئة، لأن الخلفيات وإن سترها مستغلوها، لكنها تكشف إلى أي حد يمكن الوصول إلى صعوبة بالغة، إن بدأ المغرب يترنح في السياسة بين خلفيات دينية أو عرقية، فالإسلام السياسي والأمازيغية السياسية وجهان لعملة واحدة.

تضاف إليهما “الحسانية السياسية” التي تأخذ مكانها ضمن قولبة السياسات الجديدة في المملكة، وليست أكديم إزيك إلا مظهرا لها من إقصائها للأطراف الأخرى، ومن دفاعها عن إعادة تقرير وضعها.

جروح الريف وجروح الصحراويين من الحرب وإلى أكديم إزيك، وجروح الجهات الفقيرة في المملكة في ظل حرب فاشلة على الفساد، هي في الحقيقة جروح واحدة من وحشية الاستعمار إلى وحشيات أخرى، والذي يدير الخارطة على “ذاكرة الضحايا” وليس عقل العمران النفسي الاقتصادي فاشل

تجاوز العرش جروح الاستعمار والانقلاب لكن وحشية الاستعمار والليبرالية المتوحشة لبعض الحكومات والأمن في سنوات الرصاص، عزلت جهات ومناطق ولم تتمكن من تجاوز وضعها إلى الآن، ويمكن أن ينفجر الضحايا، واليوم تعد معركة إثبات الذات سياسيا من طرف الملك في تنزيل دستور 2011 وأخرى لنفس الغاية يقودها رئيس الحكومة فشلا في إدارة الدولة، وضحايا “التوحش” بما فيه التوحش الداعشي يقودنا إلى تستر على الانتقام، ولا يخفي بن كيران انتقاد هذه الأوضاع خوفا على استقرار العرش والبلد، ولا يختلف رئيس الحكومة عن آخرين يخافون من غرور (الاستثناء المغربي).

وحاليا يقول المغربي بمغاربة مخيمات تندوف لكنه لا يعمل على دعمهم “الإنساني” استمرارا لمقولة فاسدة: “جوع كلبك يتبعك”، لذا ففي مغرب اليوم، هناك ما بعد الحداثة وما بعد الإسلام السياسي وما بعد الحرب وما بعد السلام البارد مع البوليساريو وما بعد الديمقراطية وكلها حالات تثبت الفشل وتبرر الإحساس بالحرمان.

عقد اجتماعي جديد

بدا أن المغرب لم يؤسس تحوله السياسي وتعاقده عبر دستور 2011 على أساس اجتماعي أو عقد اجتماعي جديد إن دققنا في هذه التطورات السريعة.

ويبقى الطريق طويلا لتجاوز التسييس العرقي (الحساني والأمازيغي) فالأول تسييس عربي في مقابل تسييس الأمازيغية، وفي إطار عام لتسييس الدين.

والخيار الموثوق هو بناء عقيدة اجتماعية مبنية على ديمقراطية غير شكلية أو سطحية وعلى مواطنة كاملة وأيضا على بناء الدولة لعلاقات استراتيجية جديدة تنفي التطرف.

ولا يمكن تحريك عقد اجتماعي جديد إلا بدولة المساواة، فالعدالة لا تعني المساواة، ودعم هذه الفكرة تدفعنا إلى عدم التوجس، وعدم الانزلاق إلى حرب داخلية، لأن الحروب الجديدة في المنطقة تحمل ثلاث خاصيات، منها خاصتين في الحرب الجزائرية ـ المغربية، أي  المنافسة الإستراتيجية كما في حالة إيران والسعودية أو الإيمان بعقيدة  التدخل لمكاسب محددة، كما في حالة مصر وشرق ليبيا، والدخول الأمريكي إلى المنطقة يمكن المغرب من  ديمقراطيته، ومن فكرة أن المغرب مكانه شمال إفريقيا وليس غربها فقط والشركات المتعددة لا تعني شيئا، لأنها علامة فوضى أيضا.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!