في الأكشاك هذا الأسبوع

بداية الاصطدام بين “عصابة الدولة” ودولة المؤسسات في المغرب

اعداد : سعيد الريحاني

بغض النظر عما إذا كان هناك مستشارون ملكيون أو غيرهم قد استفادوا من بقع أرضية في تجزئة خدام الدولة أم لا، وبغض النظر عن اللائحة ككل التي بدأ تسريبها مع ظهور أول اسم من المستفيدين، وهو الوالي، عبد الوافي الفتيت، الذي يعاب عليه سوء تواصله، وهي نفس معضلة التواصل التي كان من نتائجها إصدار بيان شارد، يوم الأحد الماضي، بشكل مشترك بين وازرتي المالية والداخلية، بعد أن تداولت مواقع التواصل الاجتماعي واقعة استفادة والي الرباط عبد الوافي الفتيت، من بقعة أرضية مساحتها 4000 متر مربع بقيمة 350 درهما، مما يرجح احتمال استقراره في الرباط بشكل نهائي(..).

البيان الصادر عن المالية والداخلية بعث الحسن الثاني من قبره، على اعتبار أن الأمر يتعلق بتجزئة سكنية، مخصصة لخدام الدولة، من طرف الملك الراحل، وكان من “غباء” كتابه، اتهامهم لحزب العدالة والتنمية بالوقوف وراء استهداف الفتيت.. قبل أن يتأكد أن اسم الوالي لم يكن سوى مقدمة لتسريبات أخرى، وأن الجهة التي سربت الخبر، أكبر من أن تقف عند حدود تسريب خبر الوالي فقط، وهاهم المغاربة، وغير المغاربة يعرفون اليوم العناوين الشخصية لأصحاب مراكز حساسة في الدولة، وبغض النظر عن الخلفيات الشعبوية للموضوع، فإن كشف عناوين المسؤولين، يكتسي طابع الخطورة، فأصحاب المهام الحساسة لا يجب أن يعرف مقر إقامتهم من طرف العموم حفاظا على سلامتهم(..)، وهو الأمر المعمول به في جميع الدول سواء المتقدمة أو المتخلفة، علما أن التبرير الذي قدمته وزارتا الداخلية والمالية، لا يزيد الأوضاع إلا خطورة وقلقا نحو المستقبل، فحديث الوزارتين عن مرسوم للوزير الأول صادر بتاريخ 26 دجنبر 1995، ثم تكذيب ذلك من طرف وزير حقوق الإنسان في حكومة ذلك الزمن، المحامي زيان، يفتح الباب للحديث عن إمكانية تحالف جهات معينة، داخل الدولة باستعمال وسائل الدولة(..) لـ”فبركة” القوانين من أجل تبرير وضع معين، علما أن المرسوم المذكور لم يظهر له أي أثر في الجريدة الرسمية، التي تكمن قيمتها في منح المواطنين إمكانية الاطلاع على القوانين، والتأكد من وجود القانون من عدمه(..).

هكذا إذن، يظهر أن خطر التسريبات، التي لم يتبناها لا موقع “ويكليكس” ولا “كريس كولمان”، أكبر بكثير من قضية محاربة الريع، فحصول مسؤول في الدولة على “هدية من الدولة” ليس شيئا في نهاية المطاف، ومحاربة الفساد الحقيقي تبدأ بإعطاء الاعتبار للمؤسسات، وبإرساء قوانين تضمن العدالة الاجتماعية، وقد دخلت دولة المؤسسات في عهد حكومة بن كيران، إلى أسوإ مراحلها رغم أن دستور 2011 جاء لمحاربة أساليب الماضي، وها هو رئيس الحكومة نفسه يعترف أمام الملإ، بوجود دولة داخل الدولة في المغرب: “واحدة هي الدولة الرسمية التي يرأسها الملك محمد السادس، وأخرى لا يعرف من أين تأتي قراراتها وتعييناتها”، أليس هذا اعترافا صريحا بأن المغاربة لا يعيشون في دولة مؤسسات من طرف جهة رسمية؟

وبغض النظر، عن الدور والصلاحيات الممنوحة لرئيس الحكومة، الذي قال، إن “النظام ملك للجميع وليس ملكا للملك وحده”، أو لمسؤول آخر في الدولة، مثلا الولاة الذين كانوا يسمون في الدساتير السابقة بممثلي جلالة الملك والحكومة، فإن أحد الأدوار الموكولة لهؤلاء هو “الوساطة” بين الملك وشعبه(..)، ولكن الخطورة تكمن اليوم في الكيانات الموازية، التي لا يعرف أحد أعضاءها، طالما أنها كيانات غير مرئية، فالمواطن المغربي لا يستطيع التمييز بين العضو في الدولة المرئية والمحسوسة، والعضو في الدولة الموازية، ولاشك أن الأمر يصبح أكثر صعوبة، عندما يتحدث مسؤول معين بقبعتين، بحكم انتمائه للدولة العميقة، وبحكم شغله منصبا في دولة المؤسسات(..).

وقد تركزت جل التسريبات في الآونة الأخيرة على ضرب الدائرة الملكية، بدأت أولا، مع تسريبات همت نفايات إيطاليا، حيث روج على نطاق واسع ومن طرف وزيرة في الحكومة، هي حكيمة الحيطي، أن المتعاملين مع أصحاب النفايات، هم أصحاب الهولدينغ الملكي(..)، ولم يكن ذلك إلا مقدمة لضربة أخرى، أكدتها حملة “زيرو كريساج”، فرغم نبل أهداف الحملة، الذي دفع المغاربة إلى التعاطف معها، باعتبارها لا تنشد سوى توفير الحماية للمواطنين في مواجهة مجرمين مفترضين، إلا أنها اتخذت بعدا آخر بعد أن تم تصوير المغرب في مواقع التواصل الاجتماعي، كدولة غير آمنة، يتعرض المواطنون للذبح والقتل والجرح في واضحة النهار، عبر الاستعانة بفيديوهات منها ماهو قديم ومنها ماهو جديد، ولاشك أن الأمر سيكون له تأثير كبير على السياحة، فضلا عن كونه يضرب في العمق، مهمة المدير العام للأمن الوطني، عبد اللطيف الحموشي، الحاصل هو الآخر على الثقة الملكية.

كان بإمكان المغاربة، تجنب هذه العودة إلى الوراء بتفعيل دور المؤسسات، الذي جاء من أجله دستور 2011، فالمجرم يجب أن يقدم للعدالة، والعدالة يجب أن تقول كلمتها، والحزب السياسي يجب أن يمارس مهمته في تأطير المواطنين، والتعبئة من أجل الوصول إلى الحكم عبر صناديق الاقتراع، لكن والحالة هاته، نحن أمام حكومة تقول بأنها حكومة جلالة الملك، والحال أن هذا المفهوم تم القطع معه في دستور 2011، فمفهوم “حكومة صاحب الجلالة” يعود بالمغاربة من الناحية السياسية والدستورية إلى ما قبل دستور 2011، رغم أن هناك عناصر حاسمة تجعل هذا المفهوم خارج دلالاته الرمزية، طالما أن دستور 2011 لم يترك أي شك في كون النظام الدستوري المغربي قد مر إلى لحظة التنصيب البرلماني للحكومة، وتأكد ذلك عندما نص في الفصل 88 منه على أن الحكومة تعتبر منصّبة بعد حصولها على ثقة مجلس النواب، المعبر عنها بتصويت الأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم، لصالح البرنامج الحكومي، ثم إن وضع المسؤولية السياسية للحكومة، يعتبر ترجمة لمبدإ المسؤولية المنصوص عليه في الفصل الأول من الدستور، وتنزيلا للمرتكز الرابع من الخطاب الملكي لـ9 مارس 2011، الذي تحدث عن “قيام حكومة منتخبة بانبثاقها عن الإرادة الشعبية، المعبر عنها من خلال صناديق الاقتراع، والتي تحظى بثقة أغلبية مجلس النواب” (المصدر: تصريح حسن طارق، أستاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري، بكلية الحقوق بالمحمدية نهاية شتنبر 2014).

جل الممارسات تؤكد هذا النكوص، إلى ما قبل الدستور، أي العودة إلى الوضع الخطير الذي ساد في المغرب إبان انطلاق الحراك الاجتماعي الذي شهده المغرب، والذي لم يتوقف إلا بتدخل الملك عبر خطاب دعا فيه إلى تعديل الدستور، الذي يفترض أن يوفر كل الضمانات للاحتكام إلى الديمقراطية، لا إلى سلطة مناطق الظل، أو البنيات الموازية، التي صار الحديث عنها على كل لسان، حيث أن هناك “بنية موازية” عادت مجددا لتزحف على المغرب، هذه البنية تريد أن تعود من جديد لتزحف على المشهد السياسي المغربي، وتهدد بإعادة إنتاج تجارب عاشتها إحدى مناطق إيطاليا وتعيشها حاليا تركيا، بسبب صراع بين الحزب الذي يقود الحكومة وشبكة فتح الله غولن، التي يصفها أردوغان بالبنية الموازية (قبل الانقلاب) (المصدر: تصريحات سابقة للناطق الرسمي السابق باسم القصر، الأستاذ الجامعي حسن أوريد).

يقول أوريد، إن اصدام الدولة العميقة والدولة الموازية، حدث لا مفر منه(..)، ولا شك أن هذا الاصطدام بدأ فعلا، علما أن المغرب لم يعد بمنأى عن تشكل دولة عميقة، أي ذلك التحالف الخطير بين “رجال أعمال وسياسيين، وموظفين في الدولة، ورجال أمن وفنانين، وإعلاميين، وقضاة، للدفاع عن المصالح خارج إطار القانون والدولة والمجتمع”، ولاشك أن الدولة العميقة عندما تبالغ في نشاطها تتحول إلى عصابة داخل الدولة، والخطير في الأمر، أن أهدافها لا تلتقي بالضرورة مع الدولة المعلنة على أرض الواقع، وقد يتطور الأمر إلى اصطدام مع النظام نفسه(..).

يمكن القول، إن بروز كيان موازي وتضخمه داخل الدولة، هو أحد أخطاء الدولة نفسها، ولعل أحد أبرز عناوين نشاط اللوبي المهيمن في المغرب، هو أن عددا كبيرا من التعيينات التي تشهدها المملكة تخضع لمنطق المحسوبية والزبونية، وكذا تأثير العائلات والقرابات.. فما يناهز 26 في المئة من التعيينات والتوظيفات، لا يوجد تفسير لها، ويوجد من بين المعينين أشخاص بدون كفاءة وبدون خبرة، بل وبدون شهادات أحيانا.. (المصدر: تقرير سابق للمندوبية السامية للتخطيط وهي مؤسسة رسمية).

هناك معضلة أخرى تنضاف إلى أخطاء الدولة، “لقد وقعت الدولة الجديدة” في العشرية الأخيرة في متاهات تجريبية تتراوح ما بين الخطإ والصواب.. إن سهو الدولة الجديدة، عن بناء قلاع فكرية صارمة في تدبير شؤونها وسياساتها أوقعها باطراد في الارتباك وإضاعة الطريق ما بين الرجوع إلى الوراء أو التوقف أو التقدم إلى الأمام.. لقد تلازم هذا الخطأ بخطإ أفدح منه، وهو اجتهاد الدولة الجديدة في دعم صعود فئة من الماكرين السياسين الذين يحسنون الالتفاف على نتف الأفكار والمواقف، ويتفنون في تصريفها ويدعون إزاء ذلك، امتلاك ناصية الفكر وقواعد النظر في السياسة وشؤونها.
إن صعود هذه الفئة حدث يتدرج من إطارات مختلفة، أهمها إطار الأحزاب في بلادنا، وبمراكمتها لتجربة المناورة ورغبتها في الانجذاب الطوعي إلى السلطة، قبلت بلعب مختلف الأدوار والاجتهاد في أدائها، بما في ذلك لعب دور الوسيط ما بين الشيطان والشيطان. يقول “Luc Rouban”، قد يبدو بروز هذه الشريحة من الوسطاء مسألة عادية، حاضرة في كثير من الأنظمة السياسية، ولكن المسألة غير ذلك، بوصفها أولا، منعدمة في الأنظمة الديمقراطية والشبيهة بالديمقراطية، وبكونها ثانيا، قادرة على الضرب في العمق منزلة الدولة ومشاريعها السياسية، لأن دور الوساطة الذي تلعبه ما بين الدولة والمجتمع دور غير مؤسساتي، يقوم على الفردانية المتشبعة بالتضليل واستغلال قرابتها من صناع القرار للتمويه والانتفاع الذاتي (مقتطف من مقال نادر، كتبه الأستاذ الجامعي محمد المعزوز).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!