في الأكشاك هذا الأسبوع

الحقيقة الضائعة | أقرب إلى الانقلاب التركي : بيان منسوب إلى القصر الملكي

بقلم : مصطفى العلوي

كان السلطان عبد الحميد، ينتشي دخان المجد عبر شيشة العفيون والندّ، عندما سمع سنة 1876، أيام الملكة فيكتوريا، وأيام أمجاد الفرنسي نابليون، أن أخاه السلطان العثماني مراد، قد أطلق صرخة هستيرية بعد إصابته بالجنون، كانت سبب أزمة قلبية، وضعت حدا لحياته، لتنطلق الأمجاد في شكل تعابير غاية في المبالغة، في حق السلطان الجديد عبد الحميد، الذي لم يكن يثق في نفاق أعوانه، وخدامه، ووزرائه، وهم يتسابقون في ابتداع التعابير التشريفية وقد سموه خليفة الله في أرضه، وسموه خليفة رسول الله، ثم سموه: ملاذ العالم، ثم ظل الله في الأرض، قبل أن يسموه سلطان كل سلاطين الدنيا، ليفاجئهم يوما بعد طول مراس، للمجد والعظمة، بما شاهده الكاتب الفرنسي “ميشيل دوكريس”، الصحفي الصديق الدائم للملك، بأنه شاهد صفا بعينيه متراصا لمائة ببغاء.. مصطفين رهن إشارة أحد أعوان التشريفات الملكية، الذي بعد إشارة منه، تنطلق الببغاوات المائة في نشيد واحد، وهم يصيحون: عاش الباديشا الملك.

وهو الملك الذي كتب عنه صديقه الفرنسي، في أيام منفاه في سالونيك، أنه ضرب الرقم القياسي في طول زمن ملكه، ثلاث وثلاثون سنة، مدة لم يسبقه لقضائها أي ملك أو سلطان آخر في الدنيا، ولو بقي الصحفي حيا بعد الحسن الثاني، لغير رأيه.

ملك الملوك عبد الحميد، وهو محاط بالزبانية، يكلمونه عن كل شيء، وقد دفعوه إلى دعم حزب الاتحاد والترقي، وتعديل الدستور، إلى أن صوت البرلمان بتنحيته عن الملك في 27 أبريل 1909، وهو المصير الذي كان أعوانه يخفونه عنه، لأنهم يعرفون أنه لا يقبل سماعه، حينما لاحظ في أيدي أحد مستشاريه غلافا ورقيا، يحمله منذ عدة مقابلات، ولا يفتحه أمام السلطان، ليسأله السلطان مرة: وماذا في هذا المظروف، ليجيبه المستشار: شيء غير مهم، وأصر عليه الملك، ليقول: إنه ضابط صغير في الجيش كتب هذا المنشور في هذه النشرة السرية، من خزعبلات الشباب، حيث كتب: ((إن السلطان بصدد امتصاص دم الأمة التركية، ولعلها ستموت، إذا لم نحقنها بدماء جديدة))، وسأله السلطان: ومن هو هذا الضابط الشاب، فأجابه المستشار بعد أن راجع المنشور: إن اسمه القبطان مصطفى كمال، فالتفت السلطان إلى مستشاره الدموي وقال له: اعتقل مصطفى كمال هذا في السجن الأحمر، ثم التفت إلى مستشار آخر، وقال له: وأنت وبعد أن تربوه وتؤدبوه حتى يفرغ من بريق وجهه، تستدعيه وتبلغه إني أصدرت عليه عفوي الملكي.

كان لابد من هذه المقدمة، عن الفترة التاريخية التي جمعت السلطان عبد الحميد، بقائد الثورة التركية مصطفى كمال، الذي ترك السلطان المطرود تحت الإقامة الجبرية في أحد القصور الفرنسية، حيث كتب عنه صديقه الفرنسي “ميشيل دوكريس” كتابه المشهور: “آخر سلطان”، ليتفرغ مصطفى كمال بعد ثورته لإقامة الأمجاد التركية، خارج الإمبراطورية العثمانية، التي كان السلطان عبد الحميد، يحكم بها العالم الإسلامي، من وهران، إلى القاهرة، ومن أفغانستان، إلى كازاخستان، ليعوض مصطفى كمال الأمجاد العثمانية، بالمجد الثوري الرافض لكل ارتباط بالعقائد، وبالديانات، وبالحرف العربي الذي يربط المسلمين بالقرآن، وهي أمجاد بقيت قائمة على الحديد والنار، والحكم العسكري، الذي شاءت لنا الظروف، أن نعيش كيف انطلق من الرماد الإسلامي، حزب إسلامي يسمى العدالة والتنمية، الحزب الذي حضر احتفالات مولده وانتصاراته، حشد من الإخوان المسلمين(…) المغاربة(…)، الذين تعاهدوا مع حزب الزعيم أردوغان، على تأسيس حزب مغربي، اسمه العدالة والتنمية، حيث يؤكد الباحث، العقباني الرداد، أن حزب العدالة التركي، مرتبط باجتماع في بيت الدكتور الخطيب بالرباط، لتوأمة الحزبين، انطلاقا من تسمية الحزب المغربي: حزب المصباح، والحزب التركي: حزب اللامبة، بحضور عبد الله بها، والرميد، وسعد الدين العثماني، وعزيز الرباح، ولحسن الداودي، ومحمد يتيم، وكأن الأمر يتعلق برسم خريطة متشابهة مع الرغبة الأمريكية الإمبريالية في إصلاح العالم العربي بالعدالة والتنمية، حسب التقاليد الإسلامية، وليس مجرد كلام، ما يقال من أن حزب العدالة والتنمية المغربي، أخ العدالة والتنمية التركي، إنما حصل بالدفع(…) خطوة أو خطوتين على الأغلبية البرلمانية سنة 2011، مثلما حصل العدالة والتنمية التركي على الأغلبية في حكم أنهى إمبراطورية مصطفى كمال.

وقد افترقت طرق العدالة والتنمية المغربي مع العدالة والتنمية التركي حينما استولى حزب أردوغان على الحكم، بينما العدالة والتنمية المغربي اكتفى بأطراف الحكم، فكادت العلاقات بين الحزبين المغربي والتركي أن تنقطع، رغم أن مسالك الحزب التركي، لم تكن من السهولة بمكان.

ويشاء القدر، أن يضع حزب العدالة والتنمية التركي، أمام حصار قوة ثالثة، سرية هي قوة الجيش التركي، الذي لا يرى من حق أي كان أن يتطاول على حكم تركيا، تماما كالمخزن المغربي التقليدي، الذي لا يرى من حق أحد، أن يحل محل المخزن في الحكم، الحكم في تركيا، كما في المغرب، مجبر على قبول الحتمية الديمقراطية المفروضة بحكم النظام العالمي الجديد، ولكنها مفروضة لفائدة حملة الاتجاه الإسلامي في المغرب وتركيا، وليس المخزن المغربي بقابل أن يتعدى الاختيار الديمقراطي جانبه الشكلي(…)، مثلما ليست القوة العسكرية التركية بقابلة لها. صورة زعيم الحقيقة التركية، مصطفى كمال، تهيمن الآن بالممارسة على كل مكاتب الحكومات التركية، مثلما صورة الملك المغربي، وإن اختلفت، تهيمن على جدران المملكة. وراء صورة الملك المغربي، ووراء صورة مصطفى كمال، مغزى يجمع بين صعوبات الحكم في تركيا، والمغرب.

وتريثوا.. فالحجة الدامغة كما يلي:

فعندما لم يخف القطب التركي الإسلامي، أردوغان تبرمه من نفوذ القوة الثالثة التي تنسف جهوده، بدعم من الأنظمة العسكرية في العالم، وكان يتوقع دائما، أن تشن هذه القوات السرية بواسطة جيشها، هذا الانقلاب العسكري، الملازم خطره المستقبلي للحاضر التركي، مثلما القوات السرية التي يشتكي رئيس العدالة والتنمية بن كيران، من تدخلها لدرجة أنه صرح أخيرا بأنه لا يعرف من يحكم المغرب، هو أو حشد(…) القوة الحقيقية الفاعلة(…) المتصرفة(…) المهددة، خوف تحول إلى أمر واقع، بالمحاولة الفاشلة للانقلاب الأخير في تركيا، مستحيل إذن في المغرب، أن نرى الجيش المغربي ينظم انقلابا على حكومة بن كيران، ولكن تعددت الأسماء والموت واحد.

وحيث أن المغرب معروف بخاصياته.. ولا فرق بين الجيش والمخزن(…) فإن الصدفة شاءت(…) أن يتحرك المخزن، في حركة انقلابية هو أيضا مواكبة مع المحاولة الانقلابية للجيش التركي، نعم، الانقلاب التركي كان يوم الجمعة 15 يوليوز 2016 ليلا.. والانقلاب المخزني(…) المغربي ضد العدالة والتنمية المغربي، كان الجمعة 15 يوليوز، لكن صباحا، فما هي التفاصيل، تفاصيل المحاولة الانقلابية المغربية ضد حزب بن كيران، وقد نظمها الجيش السري.

لقد فجرت إحدى الصحف المغربية، انقلابا من الضخامة، بحيث أخبرت قراءها، بأن تحركها الإعلامي، كان ((مصدرا مقربا من القصر الملكي)) في شكل شبه بلاغ رقم واحد، الذي تصدره عادة الحركات الثورية.

وإذا كنا لأول مرة، نسمع أو نقرأ قرارا(…) عن مصدر مقرب من القصر الملكي، رغم أن المخزن، والقصر الملكي له ناطق رسمي، ووكالة رسمية تسمى وكالة المغرب العربي للأنباء، فإن مصدري هذا البلاغ رقم واحد(…) كشفوا الاتجاه الجديد(…) في شكل كشف لحقائق، أخطر بالنسبة للمغاربة، من تحرك فيالق الجيش، لفرض اتجاه سياسي جديد قرابة أشهر قليلة من تاريخ الانتخابات.

ولنقرأ بتمعن، ما نسبته الصحيفة للقصر الملكي(…) دون أن يصدر من هذا القصر(…) بيان تصحيحي، ولا بيان حقيقة، ولنقرأ: ((أولا: إن الخرجات الإعلامية لرئيس الحكومة عبد الإله بن كيران، خاصة التي صرح فيها أن هناك في المغرب حكومتين، واحدة رسمية، والثانية لا يدري من يتحكم فيها، من شأنها تلويث المشهد السياسي. ثانيا: إن مطالبة بن كيران، وحزبه بحل حزب الأصالة والمعاصرة، تشكل موضوع استغراب، خاصة(…) وأن القصر الملكي، هو الذي قدم الحماية(…) لحزب المصباح، حين تعالت أصوات(…) مطالبة بحل هذا الحزب غداة التفجيرات الإرهابية التي هزت الدار البيضاء سنة 2003.. ثالثا: إن عبد الإله بن كيران اشتهر بخرجات بهلوانية، يمرر من خلالها رسائل أحيانا مشفرة وأحيانا مباشرة، وأدخل كلمات غريبة في القاموس السياسي، مثل العفاريت والتماسيح والتخربيق(…) والبانضية، التي أضحكت المغاربة لوهلة لكن سرعان ما انقرضت)) (الأخبار. الجمعة 15 يوليوز 2016).

ورغم أن هذا البلاغ، المنسوب إلى مصدر مقرب من القصر الملكي يضرب هذه المؤسسة في مصداقيتها، ويجعل هذه المؤسسة منتمية لحزب معين، تدافع عنه، وإن كان بأساليب زنقاوية، فإن السفارات الأجنبية والمؤسسات الدولية ومخابرات العالم في تعطش دائم، لكل ما يصدر من القصر الملكي، أو من المقربين من القصر الملكي. وها هي مجلة جون أفريك (عدد 17 يوليوز 2016) تنقل الحدث، مؤكدة أن الحملة على بن كيران نظمت بدعوى أنها منسوبة إلى القصر الملكي، فإن الاستنتاج الطبيعي، لهذا البيان الشبه عسكري(…) كان هو الفشل الذريع، لأن المغاربة، لا يقبلون من مؤسسة القصر الملكي، المقدسة، أن تنحاز لحزب ضد حزب، خصوصا وأن القصر الملكي، في تاريخ المغرب، كان يستدعي الصدر الأعظم ورئيس الحكومة، إذا كان ضاسرا، ليتم تسليمه لعبيد العافية، كي يسلخوه(…).

ومادام أنه من المستحيل أن يكون القصر الملكي وراء هذا البلاغ الانهزامي(…) فإن المنطق يقضي بتصنيفه في عداد المسار الذي لقيه الانقلاب المتزامن للجيش التركي وتحركه ضد الديمقراطية.. وتتعادل وتتلاقى(…) المحاولات الانقلابية التي اختارت يوم الجمعة، لإعلان حربها ضد الإسلام، مادام الحزب المغربي المعلوم(…) أعلن من أعلى المنصات، حربه ضد الاختيار الإسلامي، مثله مثل الجيش التركي، الذي لو نجح في محاولته لأعدم أقطاب حزب العدالة والتنمية التركي، مثلما يظهر أنها نفس النوايا الكامنة وراء بلاغ قيل أنه صادر عن مصدر مقرب من القصر الملكي المغربي.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!