في الأكشاك هذا الأسبوع

حج بطعم الريع الديني

محسن زردان. الأسبوع

   بدأت تزداد قناعة راسخة عند الشيوخ المسنين والمسنات المغاربة بدخول غمار الانتخابات السياسية المقبلة للولوج للبرلمان بغرفتيه، ليس من أجل الدفاع عن مشاكل الناس والمساهمة في صياغة القوانين، بل لاختصار الطريق أمامهم للاستفادة من الذهاب للديار المقدسة مباشرة على نفقة الدولة، وبدون اللجوء لإجراء القرعة التي ملوا من المشاركة فيها لسنوات عدة من دون أن يجدوا حظا كحظ السياسيين للذهاب للحج.

   إنها صورة كاريكاتورية، تختزل واقعا مؤلما، يكشف عن مدى استغلال السياسيين لمواقعهم السياسية، من أجل الاستفادة من امتيازات يحرم منها باقي المواطنين البسطاء، وهي بمثابة ريع آخر ينضاف إلى ريع التقاعد، وقد تكشف لنا الأيام المقبلة عن امتيازات أخرى مازالت متسترة وغير مكشوفة.

   قد يتساءل البعض، لماذا تأخذ هذه الامتيازات الممنوحة للسياسيين طابعا مؤسساتيا منظما، هل هي نتيجة لممارسات من تراكمات زمن الماضي، حيث يستغل السياسيون في الغرفتين سلطتهم التشريعية، لإصدار قوانين وتشريعات تعزز استفادتهم من المال العام.

   وكيف يمكن للسلطات أن تسكت على هذه الأمور؟ أم أن هذا الأمر يأتي بمباركتها في إطار سياسة الاحتواء التي تغدق على المنتخبين عديد الامتيازات التي تحيط برقبتهم، ويعتادون على بحبوحتها، وبالتالي هي بمثابة لجام يكبح تمردهم المفروض وأدوارهم المنوطة بهم لمحاربة الظلم والفساد.

لكن المثير للانتباه، أن مجموعة من الأحزاب التي تعاقبت على الحكم في المغرب، وترى في نفسها قوى ديمقراطية ترفع لواء الحداثة ومحاربة الفساد، ظلت تتفرج على ما يجري، وانخرطت في الاستفادة من الامتيازات، عوض وقف نزيفها، واستصدار تشريعات وقوانين تنهي من عبثية هذا الريع السياسي.

   ينطوي نفس الأمر على الحزب الذي يقود الحكومة الحالية، ذي التوجه الإسلامي، حيث أصيب بحرج شديد في الآونة الأخيرة، عند إثارة النقاش لدى الرأي العام حول استفادة أعضائه من ريع الحج، علما أن عملية الحج لها مكانة روحية وقدسية دينية خاصة، تفترض أن ينفق الحاج تكاليف حجه من ماله الخاص الحلال، لكن في بيان للحزب، كذب هذه الأخبار في جزء منها، لكنه اعترف بالاستفادة من تأشيرات الحج، وكأن ذلك يعفيهم من المساءلة عن كيفية استفادتهم من مقاعد الذهاب للحج وإعفائهم من إجراء القرعة السنوية، في حين تفرض هذه العملية على باقي المواطنين، مما يضرب روح المساواة، ويصبح حتى الذهاب للحج رهين للعلاقات والمكانة والحظوة والزبونية.

   على ضوء ذلك، تطرح إشكالية تنظيم الحج من طرف الوزارة الوصية على القطاع، وهي وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، التي نجهل المعايير التي تعتمدها في توزيع المقاعد والتأشيرات على القطاعات والأشخاص، وما إن كان معيار العتبة يحترم مقومات المساواة بين المواطنين، لكن العارفين بخفايا الأمور في هذه الوزارة، يعلمون كيف توزع المقاعد والتأشيرات على المقبلين على الحج بدون اللجوء للقرعة، حيث لن تفاجأ عند سماع، أن نسبة كبيرة من أقارب المشتغلين في تلك الوزارة، يستفيدون من الذهاب للحج من دون المشاركة في القرعة.

   مرة أخرى، يسود الصمت المطبق المجلس العلمي للإفتاء، ورابطة علماء المغرب، عن مدى مشروعية استفادة السياسيين المغاربة من المال العام للذهاب لممارسة فريضة الحج من دون المرور بالقرعة كباقي المواطنين، علما أنهم ميسورين وليسوا في حاجة لتلك الأموال، وهل حجهم صحيح أم باطل؟

   وحتى تكتمل الصورة جيدا، تنقل كاميرات التلفزة وجوه السياسيين في مقدمة الحجاج، كرؤساء للوفود المغربية، وبطبيعة الحال ضمن المصنفين للنزول بأرقى الفنادق المصنفة، وحتى لا ننسى طبعا على نفقة دافعي الضرائب، وقد شاءت الأقدار في السنة الماضية، أن وقعت مأساة التدافع التي راح ضحيتها مجموعة من الحجاج من مختلف الجنسيات، فكان من بينهم مجموعة من المغاربة ،هناك من قضى نحبه، وهناك من سجل في عداد المفقودين، والغريب في الأمر أن أحد الوزراء المغاربة، الذي كان يترأس بعثة الوفد المغربي، رجع على عجل لأرض الوطن، وترك أمر الحجاج المغاربة المحتاجين للمساعدة والعالقين ، يواجهون مصيرا مجهولا.

   ربما تنضاف قضية ريع الحج، إلى باقي الفضائح السياسية، التي تؤكد بالملموس سبب عزوف نسبة مهمة من المغاربة على التصويت في المواعيد الانتخابية، لأن واقع الحال يبرز مرة أخرى أنه لا توجد مؤشرات تشجع الناس على الثقة في السياسة والسياسيين في هذا البلد.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!