لماذا حرب حصاد على بن كيران وإلياس العماري؟

في حسابات أمنية اعتبرها الحزبان الكبيران “سلطوية”

إعداد: عبد الحميد العوني

   قالت مصادر خاصة، أن وزير الداخلية الحالي “ناقل جيد للرسائل تجاه الأحزاب والدول”، وأن عدم ترشح إلياس العماري، الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة، وعبد الإله بن كيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، يأتي في أول أجندة الوزير، وإن لم تكن هذه إشارة الملك.

   ويسمح هذا التقدير باختيار القصر لمنتخب في الحزب الأول، لأن الأمين العام، في هذه الحالة، لن تكون له شخصيا “شرعية الصندوق”، وفي انسجام يضمن الالتزام بمنطوق الدستور وروحه، وحسابات واقع يدفع الجميع أن يكون التزام الملك حرفيا بتعيينه للأمين العام للحزب الأول حسب نتائج الانتخابات.

   ودافع الملك الحالي عن هذا التفسير في تعيين الأمين العام الحالي لحزب العدالة والتنمية، رئيسا لحكومة ما بعد حراك 20 فبراير، وعين رئيس اللجنة الاستشارية لكتابة الدستور، مستشارا له التزاما منه بالوثيقة الدستورية الأولى في عهده.

   وقفز اسم محمد حصاد في استدعاء السفير الأمريكي “دوايت بوش” لإبلاغه احتجاج الدولة المغربية، وكشفت الحادثة، أن “منسق مكافحة الإرهاب وإجراء الانتخابات شخص واحد” وأن محمد حصاد، يدير بصلاحيات واسعة ورش الانتخابات ويدقق حسابات المرحلة بعمل استخباري عال وآمن.

محمد حصاد يصنع شعبيته في إسرائيل

   ارتفعت حظوظ محمد حصاد، وزير الداخلية بين اليهود المغاربة عندما ربط مشاركة مغاربة العالم في الانتخابات التشريعية القادمة بمشاركة اليهود المغاربة في إسرائيل، وهو التطور الذي كشف أن الوزير “بيرو”، تلقى الأمر بالاعتراف الرسمي بالجالية اليهودية في إسرائيل، قبل أن يربط حصاد بين مشاركة المغاربة في الخارج ومشاركة اليهود المغاربة “الإسرائيليين” فيها.

   وأحدث محمد حصاد نقاشا قويا في تل أبيب دفع إلى خلاف بين “الأشكيناز” الرافضين لأي مشاركة من اليهود المغاربة في أي انتخابات خارج أرض إسرائيل، فيما قال تقرير لجهاز “أمان”: إن رئاسة الحكومة في المغرب هدف محتمل، وأن التطبيع مع المغرب مسألة وقت، ويدعم حزب “شاس” في أول رد فعل أولي له “المشاركة في الانتخابات المغربية واعتبارها واجبا دينيا” في حال تحققها “القريب”.

   وبين “الهدف الاستراتيجي”، و”الهدف الديني”، يحاول البعض الوصول إلى حزب الأصالة والمعاصرة لعزل “تأثير” إلياس العماري منه بخصوص (رفضه التطبيع) رغم أن هذا الإجراء “وقائي” كي لا يرتبط انتماؤه الأمازيغي بتعاطف الأمازيغ مع الصهيونية، لأن منطقة الريف أقل تعاطفا مع إسرائيل، ويسودها فكر متطرف استفادت منه تنظيمات القاعدة و”داعش”.

   ويظهر أن الاعتراف بيهود المغرب في إسرائيل “جالية رسمية” في عهد أول حكومة يرأسها إسلامي في المملكة، هو “تسويق” لبن كيران الذي لم تعترض عليه 16 جمعية في إسرائيل، لأنه لم يمرر قانون تجريم التطبيع، وزادت التجارة  في عهده مع إسرائيل، واعترف بيهود المغرب في إسرائيل “جالية رسمية” ضمن مغاربة الخارج، وتعد هذه الطفرة انتقالا للسلطات من رئيس الحكومة في مرحلة الانتخابات، إلى وزير الداخلية، فيما قال بن كيران، أن الانتخابات تحت رئاسة الدولة (الملك).

محمد حصاد يثير الحزبين الكبيرين: الأصالة والمعاصرة، الذي طالب بإقالة وزير الداخلية بعد حادثة المنع في “بوعياش”، والعدالة والتنمية التي واصلت شبيبتها تسجيل المواطنين في اللوائح الانتخابية ضد رغبة وزير الداخلية

   يعرف إلياس العماري، أن الوالي السابق لجهة طنجة، والوزير الحالي في الداخلية،  قادر على عرقلة كل مشاريعه في الجهة، رئيسا وأمينا عاما لحزبه، ولا يساعد محمد حصاد حزب الأصالة والمعاصرة على “اجتياح” منطقة الريف  وخوفا من أي نزوع عرقي للحزب، ولتماهيه مع المنطقة، فقد اعتبر وزير الداخلية أن عدم تجذير النزوع “الريفي” لحزب الأصالة والمعاصرة جزء من الأمن القومي، وهو سر منع نشاط بنعزوز في بوعياش، والمنطقة مؤهلة لافتتاح مركز ثقافي “كردي”، فيما يريد الجميع أن يكون المركز في الرباط، لكن هذا الإجراء  يعطي “صفة دبلوماسية” لسلطات الحكم في أربيل، ويروم البعض احتضان طنجة ذات الطابع الدولي للمركز.

   ومن المهم أن حصاد يسهر على أمرين حساسين:

   ـ عدم تجذير النزعة الدينية في العدالة والتنمية.

   ـ عدم تجذير النزعة الأمازيغية، والريفية تحديدا في الأصالة والمعاصرة.

   وتزامن الجيل الجديد للقادة المحليين، يتقدمهم إلياس العماري، مع تلاشي نخبة متعاونة مع إدريس البصري، وفضلت التعاطي مع قضايا المنطقة في سياق آخر لا يتفق بالضرورة مع تسليم الداخلية للعماري رئاسة الجهة.

   وتسعى وزارة الداخلية في حساباتها إلى إعادة تقدير الأوضاع قبل 60 يوما من الانتخابات من واقع أن الأحزاب تريد تكرار نتائجها كما جاءت في الانتخابات البلدية والجهوية، ولم يدخل حزب الأصالة أو العدالة في خطط وأعمال جديدة تمنح مناورتهما هامشا، وتحاول الوزارة في هذا السياق، أن تبني تمثيلا ضعيفا “لفيدرالية اليسار” من أجل تمثيل يضمن احتواء بعض أطره، والعمل من داخل المؤسسات التمثيلية بالشكل الكافي للقول أن احتواءها متواصل لفئات جديدة وفعاليات أخرى، وفيدرالية اليسار هي هدف المرحلة، ومنعت، في المقابل، حزب “البديل الديمقراطي” الذي يتزعمه جيل 20 فبراير، وساهم إلياس العماري وعبد الإله بن كيران في تسهيل دخول “الفيدرالية” باعتبارها إضافة كما قال العماري، لتعزيز “الجذر البرلماني” للملكية دون الوصول إلى إعلان ملكية برلمانية كاملة.

   ويفرض توازن الملكية في ممارستها أن يأتي “الطابع البرلماني” في الحكومة القادمة قويا لموازنة “الطابع التنفيذي” الذي ظهرت به في عهد بن كيران.

   وهذه الخطوة مدروسة ويراهن عليها الجميع لدعم الدولة الرسمية مقابل نفوذ “دولة القرارات” بتعبير بن كيران، أو دعم الطابع البرلماني للملكية ليتمايز اليسار والحداثيون عن الإسلاميين، وأيضا كي يتمكن الملك في الفترة القادمة من تسليم نظامه لسلطات جديدة إلى الجهات دون حرج.

   وعلى هذا الأساس تريد الداخلية الوصول إلى:

   ـ تصويت الكتلة الناخبة لأحزاب الكتلة على فيدرالية اليسار عوض حزب العدالة والتنمية الذي ناصر الصوت المحافظ، وعلى هذا الأساس، أخذ حزب الاستقلال المرتبة الثالثة.

   ـ تصويت اليسار الراديكالي على حزب الأصالة أو فيدرالية اليسار أو الأحزاب اليسارية الوطنية (الاتحاد والتقدم والاشتراكية)، فالنظام يريد “كل” الصوت اليساري وإن لم يرغب في “كل” الصوت الإسلامي، وتذهب هذه المفارقة في الاحتواء بعيدا في اتجاه صناعة قدرة سياسية للمسلسل الانتخابي، كي لا يسقط في رفع عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية وعدم ذهابهم إلى الصناديق.

محمد حصاد يتخوف من رفع المسجلين في اللوائح وعزوفهم عن المشاركة في يوم الاقتراع، وهو تخوف لم يقبله رئيس الحكومة وحزب العدالة والتنمية

   إن نسبة المشاركة هاجس حقيقي لأي وزير داخلية، والخلاف بين حصاد ورئيس حكومته يؤكد على شيء رئيسي، أن الوزير يخاف من رفع عدد المسجلين في اللوائح وعزوفهم عن المشاركة في يوم الاقتراع، وهو ما يختلف الإسلاميون بشأنه مع الإدارة عند تقديرهم أن من يسجلونه يذهب إلى الصندوق، فيما يقول حصاد أن المسألة غير صحيحة، ويرفض تقديم النتائج المفصلة للانتخابات لمعرفة النسب والأرقام.

   ولا يزال الخلاف قائما بين حصاد وين كيران حول هذه النقطة ، فيما يسود خلاف حقيقي أيضا بين إلياس العماري والداخلية بخصوص الطابع الأمازيغي والتركيز الريفي في الحزب .

   ولا يريد الحزبان الكبيران نقاش هذه المسائل مع محمد حصاد، ويفضل الوزير تنفيذ برنامجه بكل التفاصيل دون أي ضمانة من الأحزاب لبقائه في منصبه.

   واستغل الجميع الخلاف بين حزب الاستقلال ووزارة الداخلية لتوسيع مساحة المعارضة التي قال بن كيران أنه يمارسها أكثر من المعارضة نفسها، ويرضخ محمد حصاد لحسابات الحزبين الكبيرين المتنافسين على رئاسة الحكومة، وتريد أطراف أن ينجح أحد الحزبين في قيادة المرحلة القادمة دون إلياس العماري أو بن كيران.

   ويفاوض الجميع البكوري، لكن توسيع مهامه ورئاسته لجهة الدار البيضاء تدفع إلى أزمة الرؤساء في حرب الأصالة، لأن رئاسة العماري لطنجة، لا تسمح برئاسته للحكومة بما يخول للملك اختيار رئيس الحكومة من الحزب الأول، ومن الطبيعي عدم الجمع بين رئاسة جهة ورئاسة حكومة، ولأن الاستقالة لم تكن موضوعة قانونيا في الآجال، وبشكل قبلي، فإن حرمان إلياس العماري من رئاسة الحكومة قائمة بحكم الدستور.

   وفي حالة عبد الإله بن كيران، فإن تعارض إشرافه على الانتخابات، وخوضه لنفس الانتخابات في سلا أو في غيرها يفرض عدم التقدم إليها، وعلى رئيس الحكومة عدم تقديم ترشيحه إلى البرلمانيات القادمة، وإن حدث ترشحه في وقت سابق، لكنه لم يكن يمتلك “سلطة تنفيذية “.

   وحاليا، يكون ترشح بن كيران أو إلياس العماري غير ذي قيمة أخلاقيا، وقد يعقد الوضع لأن استقالة رئيس الجهة غير “مبوبة وواضحة”، ومن الواجب أخلاقيا وسياسيا، وقانونيا أيضا، عدم التقدم  لمنصب “انتخابي” والشخص يمارس سلطة من منصب انتخابي.

وزير الداخلية الذي ينسق جهود الحرب على الإرهاب وسياسات الدولة، على الأقل أمام الأمريكيين بعد حادثة استدعاء سفيرهم للاحتجاج عليه من الجانب المغربي، وأيضا إدارة ورش الانتخابات، والحد من نشاط رئيس الحكومة أو إلغائه، وهو وزير يدير كل التفاصيل إلى درجة شديدة، لا يمكن معها توقع خارطة لا يعرفها الشخص، يقول تقرير أمريكي.

   أعاد عبد الإله بن كيران، السلطة إلى الملك من بوابة أمير المؤمنين ورئاسة الدولة، وإلى جانبه، يعيد محمد حصاد إلى وزارة الداخلية مركزيتها في القرار الأمني والسياسي قبل إعادة توجيه النظام الجهوي إلى تحكيم الملك عبر هذه الوزارة.

   وفي كل الأحوال، تكشف التقديرات أن قرار الدولة حاليا في الداخل والخارج يمر عبر “محمد حصاد” في إدارة واسعة للمناورة الحزبية، مهما تجرأت أو عارضت أو قلبت الطاولة، وعلى هذا الأساس، استحضر بن كيران مؤخرا، ما قاله له مزيان بلفقيه، “سوف تدفعون ثمن انتصاركم عندما سجل الحزب الأربعين مقعدا”، ولا يمكن حاليا عدم دفع الحزب ثمن اجتياحه للمدن في الانتخابات البلدية والجهوية.

   ويختلف بن كيران ومحمد حصاد في طريقة دفع انتصار حزب العدالة والتنمية في الانتخابات البلدية والجهوية، فيما منع وزير الداخلية، إلياس العماري، من التركيز على موطئ قدمه في بني بوعياش، كي لا يبني العماري شبكته وزبناءه بشكل بنيوي لا يمكن في المستقبل زعزعته.

   ولا يمكن في هذه الظروف أن يساهم حصاد في بناء شبكتين: دينية حول الحكم كما يريدها بن كيران، أو عرقية في الريف يهندس لها إلياس العماري.

المعركة التي يشنها محمد حصاد على إلياس العماري وعبد الإله بن كيران “مدروسة”، ولا يسمح الأمنيون بدعم التطرف الديني والعرقي على هامش حركة السياسيين المذكورين وهما يقودان المشهد، يقول تقرير للمتابعة في سفارة غربية: محمد حصاد يمثل قرار الملك في المجلس الحكومي أكثر مما يمثله بن كيران، ويدير الملك تفاصيل المجلس الوزاري بطريقة دقيقة

   تحدى محمد حصاد رئيس الحكومة وهو وال على طنجة، ومنع تجمعا لبن كيران، وحاليا يقود بجسارة الحد من تأثير الإسلاميين والعرقيين دفعة واحدة ومن زاويتين:

   أـ أن الحزب الأول في الانتخابات القادمة احتمال بين حزبين وشخصين، ويتجلى هامش مناورة الداخلية في بناء قرار سياسي خلف “الخيار الموجود”.

   ب ـ أن خارطة الحكومة القادمة أقوى من رئيس الحكومة والأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة، وتستمر وزارة الداخلية متحكمة في المشهد ومنتجة لما بعد الحكومة من داخل الحكومة.

   وستكون الفرصة مواتية لكل من إلياس العماري وعبد الإله بن كيران لإبعاد محمد حصاد من الداخلية، والإجماع الوحيد بين الأحزاب حاليا، هو ضد وزير الداخلية.

  ويعترف الغرب بأن “العملية الجراحية” التي يشنها محمد حصاد “دقيقة” في مواقع قيادة الأحزاب الكبرى، وكم كان سهلا للوزارة إدارة رد الفعل على سقوط شباط في فاس، وعزله نهائيا دون تأثيرات جانبية.

   وكما سقط شباط، يمكن أن تدير الدولة السقوط الشعبي لأي سياسي آخر، لكن هناك من يعارض هذه التقديرات، لأن بن كيران زادت شعبيته رغم إكراه الحكومة، ولأن إلياس العماري زادت شعبيته أيضا في الريف مباشرة بعد توليه الأمانة العامة لحزب الأصالة والمعاصرة، وهو ما يهدد الداخلية، والمعروف أن الأجهزة تخاف من “الكاريزمات”.

التحكم الذي انتقده إلياس العماري منع نشاطا في بني بوعياش قال عنه أنه تحكم رئيس الحكومة و”أذرعه السلطوية” موحيا لحصاد الذي طالب بإقالته، وهو ما نقله إلياس العماري في وقت سابق إلى نبيل بنعبد الله، ويشير بن كيران إلى “دولة في الدولة” التي تهرب قرارها وتمرره من داخل الحكومة وعبر وزرائه، وتكشف خرجات قائدي حزب الأصالة والمعاصرة والعدالة والتنمية، أن التحكم ليس سوى حصاد، ويخاف أي حزب التحالف معه أو العمل في نطاق استراتيجيته، لأنها تقتل جميع الأحزاب في المهد أو في القمة، ولم يرضخ الحزبان الكبيران لأي تنازل على صعيد تغطيتهما لكل الدوائر، وسبق لإلياس العماري أن أشار إلى رضوخ القيادة الحزبية التي قبله إلى التقليص في تغطية الدوائر

   حصاد يقبل عن مضض تغطية كل الدوائر في الانتخابات التشريعية من أحزاب الاستقلال والعدالة والتنمية والأصالة والمعاصرة، من دون اتفاق بين هذه الأحزاب أو اتفاق مع وزارة الداخلية، لأن “الحوار مقطوع” بين إلياس العماري وبن كيران، وأيضا بين وزير الداخلية وشباط، والحوار في مجمله “غير موثوق” بين الأطراف الأربعة، لكنه لا يخرج عن السيطرة في جميع الأحوال، ورفضت الداخلية تقوقع حزب الاستقلال في الصحراء، وحزب الأصالة والمعاصرة في الريف، والعدالة والتنمية في المدن من أجل خارطة متوازنة.

   ويفرض التوازن ترتيبات في مقدمتها، عدم ترك الصحراء لحزب الاستقلال والسماح بدخول حزب الأصالة والمعاصرة إليها مجددا، كما يفرض وجود حزب آخر إلى جانب حزب الأصالة في الريف، لكسر هذه الأحادية في شمال المملكة وجنوبها، وقد طبعت الخطاب السياسي بما فيه الخطاب الرسمي، ويواصل محمد حصاد دفع الأحزاب إلى حساباته على الأرض، ويعترف إلياس العماري بمصطلح الإسلاميين القائل بالتدافع الحزبي للوصول إلى تقديرات “مفهومة جديدة ومتوقعة”.

   من جهة، لا يمكن في الحسابات الداخلية أن ترتفع نسبة المشاركة في الانتخابات إن عرف الصحراويون أن النتيجة ستؤول لصالح الاستقلاليين فقط (ولد الرشيد)، أو عرف الريفيون أن الأصالة هي حزبهم لا غير، أو استقر الرأي العام المحلي على حزب العدالة والتنمية في المدن.

   إن التقسيم الحادث بين الأحزاب في الخارطة الحالية يضعف نسبة المشاركة إلى حد بعيد، في وقت يفرض فيه حزب رئيس الحكومة على الداخلية الزيادة في تسجيلات اللوائح الانتخابية، وفي حالة تراجع مؤشرات المشاركة ورفع نسب التسجيل سيدفع وزير الداخلية الثمن.

   من جهة ثانية، يؤكد وزير الداخلية السابق، محند لعنصر، على التقدم المرتقب لحزبه الحركة الشعبية والعدالة والتنمية، وفي رئاسته لجهة تدعم الحركة، فإن جغرافية الأحزاب قد اكتملت بحكم الواقع، وهو ما ترفضه وزارة الداخلية التي تريد “الجهات” أن تخدم التعدد وليس التقوقع، وتريد كسر سيطرة أحزاب بعينها على مناطق أو جهات.

   وتتواصل الحرب الصامتة بين الداخلية والأحزاب في كل موقع وبلدة في ظل تغطية الأحزاب الكبرى لكامل الدوائر، وهو ما عرقل “ضبط” الخارطة من طرف الداخلية، وهو ما تسميه الأحزاب بالتحكم، وفي العمق، يرفض كل حزب أن يتحالف حزب آخر مع حصاد.

إلياس العماري الذي ناصر حسابات الداخلية في وقت سابق، رفض اكتساح الإسلاميين، لأن نفس الجهة فرضت على حزبه عدم الاكتساح في 2011، ويدير “حصاد” استراتيجية جديدة لا تمنع أي حزب من تغطية كل الدوائر وتفرض الالتزام بمدونة سلوك تسمح فيها برفض (الاحتكار) المناطقي والجهوي والإيديولوجي والعرقي لأي حزب

   ويكاد كل حزب أن يدافع عن مصالحه المباشرة، ويدير حصاد رجل الرياضيات معادلات الأحزاب بطريقة حسابية وليست هندسية كما يرغب أكثر من حزب في تخلي الداخلية عن التحكم في التدافع الحزبي، وهو اللفظ الوحيد الذي يستعمله الغريمان: عبد الإله بن كيران وإلياس العماري، نحو ما يمكن تسميته بإدارة “التدافع”، لكن تحدي الداخلية قائم حاليا على شيء آخر: تعدد الأحزاب التي لها تغطية كاملة للدوائر الانتخابية، وتحاول الوزارة التي فرضت على حزب العدالة والتنمية في 2003 و2007، وحزب الأصالة في 2011، عدم تغطية كل الدوائر الانتخابية، أن تدير الوضع بخسائر أقل يقول تقرير غربي: “إن قدرة الداخلية على إدارة انتخابات مفتوحة ليست متوقعة، وهذا الرهان شخصي لحصاد ويدعمه الملك”.

   ومن المصادفة أن لا تعتمد الدولة على أي حزب ولا تطلب أي شيء من أي حزب، لإنجاز مهمتها التي كانت مجرد “ترتيبات” في عهد الحسن الثاني وإلى آخر انتخابات 2011.

   ويعول حصاد على النشر الكامل لنتائج الانتخابات التشريعية الكاملة، وبدأ تعهده بنشر متأخر لنتائج الانتخابات الجهوية والبلدية، وإن بطريقة غير مفصلة.

   وحاليا، يمكن القول أن حصاد مدعوما بالملك، يحاول إنجاح الانتخابات التشريعية القادمة، خصوصا في ضمان المشاركة العالية النسبة لسكان الصحراء، وهو الثابت الذي جعل الانتخابات ناجحة من الناحية الاستراتيجية، وإن أثارت كل جولة انتخابية انتقادات داخلية كثيرة لا يمكن أن تتكرر.

   وخرج الملك لوقف هجوم الاتحاد الاشتراكي على الانتخابات البلدية والجهوية، ولا يمكن أن تتكرر المسألة، وذهب حزب الأصالة إلى الاتحاديين ليشاطرهم الإشارات الإيجابية المعول حصولها في استحقاق السابع من أكتوبر القادم.

إلياس العماري وبن كيران “خصمان عاقلان” كادا أن يفقدا ذكاءهما بفعل وزير الداخلية حصاد

   يورد “تقرير المتابعة” لدولة فرنسا، أن محمد حصاد لم يوافق على وصول إلياس العماري إلى رئاسة حزب الأصالة والمعاصرة، وفضلت البيروقراطية “مصطفى البكوري”، لكن اللعبة فرضت العماري في مقابل بن كيران تحت سقوف محسوبة، وحدد العماري السلطة في وزارة الداخلية، وتعتبر الأخيرة أبرز “ذراع سلطوي” لرئيس الحكومة.

   وذهب التقرير إلى أن إلياس العماري وبن كيران خصمان عاقلان، لكن مع وزير الداخلية كاد أن يفقدا معه ذكاءهما التكتيكي، وفي هذا الخضم، وجد محمد حصاد أن قدرته على إدارة الانتخابات ستكون فرصة لليبرالية إضافية للعبة، وأن الخطوط الحمراء بالنسبة للحزبين الكبيرين متمثلة في “عرقية” حزب الأصالة والمعاصرة، و”دينية” حزب العدالة والتنمية، وأن إدارة التنافس بينهما صعبة، وهما مؤهلان قانونيا للحل.

   ورفض حصاد تمزيق الاتحاد الاشتراكي، وطعن قضائيا في “البديل الديمقراطي” كي يسلك الاتحاديون ما سلكه الاستقلاليون، وأي نتيجة جيدة ستعيد الاتحاد الاشتراكي إلى رص صفوفه، وهو رهان فشل فيه إدريس لشكر في الانتخابات الجهوية والبلدية، ولا تريد الدولة خسارته الثانية في السابع من أكتوبر.

   والانتخابات التي قال عنها الاتحاديون (مزورة)، ولم تدفع حصاد للاستقالة من منصبه إشارة للجميع، وخرج الملك للدفاع عن هذا الاستحقاق الذي تلته انتخابات يديرها نفس الوزير، وإن تغير تكتيكه، فهو وزير لا ينسى الانتقادات.

   ويرى بعض المراقبين، أن حصاد فتح الباب لفيدرالية اليسار من أجل تنزيل من اتهم الانتخابات الجهوية التي أشرف عليها بالتزوير، وتدخل حزب الأصالة والمعاصرة لإنقاذ الوضع من خلال الاتفاق الأخير بين قيادتي الحزبين: الاتحادية والأصالة.

   من جهة ثانية، خاض حصاد، حربا على حزب الاستقلال لأسباب أخرى تتعلق بإدارته للوضع المحلي، ولا تزال الحرب غير مكتملة وإن شكلت معركة (الداخلة) تراجعا كبيرا من وزارة الداخلية، وحاليا، يريد حصاد إبعاد إلياس العماري وبن كيران عن الترشح في الانتخابات البرلمانية وهي ضمن نقط مدروسة في أجندة الوزارة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!