اللهم يا لطيف.. نسألك اللطف فيما جرت به المقادير لا تفرق بيننا وبين إخواننا البرابر

مخاطر استعمال خاتم السلطان من طرف رئيس الحكومة.. هل حان الوقت لقراءة اللطيف من جديد

إعداد: سعيد الريحاني

   ما أشبه الأمس باليوم، فقد سبق للمستعمر الفرنسي أن تولى مهمة التفريق بين العرب والأمازيغ في المغرب، وبلغ الأمر أوجه بإصدار “الظهير البربري”، واسمه الحقيقي “الظهير المنظم لسير العدالة في المناطق ذات الأعراف البربرية والتي لا توجد بها محاكم شرعية” يوم 16 ماي 1930، ولكن الفكرة القائمة على أساس التفريق بين المواطنين والإسلام، لم تكن لتنجح، بسبب وجود “حركة وطنية” قوية، وأقطاب مغاربة في العلم، حيث تجمع المواطنون بجامع القرويين والمسجد الأعظم بالرباط وسلا، وكانت الدعوة إلى إقامة التجمعات قد نشرت على صفحات المجلة العريقة “الفتح”، وقتها لم تكن هناك تقنيات حديثة للتواصل، والمجلة كانت تدخل إلى المغرب من الخارج، وكان لها مراسلون يوقعون المقالات بأسماء مستعارة من بينهم، محمد الفاسي وأحمد بلافريج، والحاج عمر بن عبد الجليل، والدكتور عبد المالك فرج، ومحمد اليزيدي..

   ورغم أن كثيرين يعرفون أن المغاربة تصدوا لمحاولة التفرقة، بقراءة اللطيف في التجمعات، عبر ترديد الدعاء: “اللهم يا لطيف، نسألك اللطف، فيما جرت به المقادير، لا تفرق بيننا وبين إخواننا البرابر”، إلا أنهم لا يعرفون أن أول نداء لقراءة اللطيف تم توقيعه بعبارة: “مخبر”، لأن الكاتب الحقيقي لو عرف لتم التنكيل به، كما قال الحاج الحسن بوعياد، صاحب كتاب: “الحركة الوطنية والظهير البربري”، والذي نشر الرسالة المذكورة تحت عنوان: “لجوء المغاربة إلى بيوت الله، وتضرعهم إلى اللطيف أن يكشف عنهم البلاء العظيم”.

   ليس هناك مجال للحديث عن “الظهير البربري”، ولكن بعض النشطاء يعملون ليل نهار على إظهار “الأمازيغ” كشعب مضطهد، وسط الشعب المغربي، حيث يتم الترويج لراية تيفناغ، التي لم يتم اختراعها إلا في التسعينات على نطاق واسع(..)، فضلا عن اللقاءات والتنسيق مع خصوم “وحدة الشعوب” في الأمم المتحدة، والدول “راعية الفوضى في العالم”، ومع ذلك ما أشبه الأمس باليوم.

   “من المقرر أن الشعوب لا ترضخ إلى حكم الأجنبي عنها، يسومها العذاب ألوانا، ويستبد بأمرها إلا ريثما تستجمع قواها وتستنهض عزيمتها وتوحد صفوفها، فإذا هي تخلع عنها ربقة الذل ونير الاستعمار، اللهم إذا ماتت فيها العاطفة والشعور، فما لجرح بميت إيلام، ولهذا وذاك، كان أساس الاستعمار في ديارنا، هو محاربة العواطف الحرة والشعور القومي في كل شيء توهموه فيه، فكان كل ما يكتب أو ينشر، وفيه نوع من الحرية، ولو الدينية، أو إشعار بقومية مغتصبة أو دفاع عن حق مهضوم، كل ذلك معدود أنه مضر بمصلحة الاحتلال، ومشوش على الأفكار فيجب منعه محافظة على الأمن العام، أما ذلك الكاتب المسكين فويل له، إن تناولته أيديهم وكان تحت نفوذهم، فما شاؤوا من أذى وما تفننوا من عذاب” (مقتطف من كتاب الحركة الوطنية والظهير البربري).

   التضييق على الصحافة والنشر في زمن الاستعمار كان قاسيا، حسب ما تمت الإشارة إليه سابقا، وكان منهجا استعماريا، لكن التضييق اليوم أصبحت له وسائل أخرى، بغض النظر عما إذا كان مصدر التضييق من الخارج أو الداخل، على الصحافة الوطنية، ولا شك أنها تلعب اليوم دور الحركة الوطنية، في مواجهة النشطاء(..) الذين عوضوا المستعمر في ما كان يقوم به بالأمس، حيث نقرأ عند الحسن بوعياد ما يلي: “.. أرادوا أن يفرقونا ويجعلوا من المغرب دولا وجماعات شتى لا أنساب لها بينهم ولا أسباب تجمعهم، أرادوا أن يمزقوا وحدتنا ويفككوا أوصالنا ويحلوا جامعاتنا حتى لا تربطنا لغة ولا دين ولا قومية ولا قوانين، فاستصدروا ظهيرا، خاصا بالقبائل البربرية، والقبائل البربرية هي ثلثا المغرب أو ثلاثة أرباعه، ثم هم سكان البلاد الأصليون، وتفسير ذلك في عرف السياسة، أن هذه الأقلية الباقية من سكان المغرب، إما أن ترضى بالإقامة على الذل والهوان وإما أن ترحل إن استطاعت عن أرض الآباء والأجداد الذين عمروها منذ ثلاثة عشر قرنا بدعوى أنها دخيلة على البلاد، وأما أهل البلاد فهم البربر، ثم يكون لهم مع البربر، شكل آخر من الإرهاب والتحكم.. فهم يمنون عليهم أنهم أنقذوهم من مخالب ذلك الأسد المفترس، ذلك الوحش الضاري الذي يسفك الدماء ويختطف الناس على قارعة الطريق، أولئك العرب، إخوانهم بالأمس الذين عاشوا بينهم قرونا واختلطوا بهم أنسابا، وامتزجوا معهم دما ولحما، الذين اغتصبوا أرضكم وبدلوا دينكم وعوائدكم، وها نحن اليوم نثأر لكم منهم محافظين على عوائدكم وقد سويناكم بأنفسنا وعلمناكم لغتنا وسمحنا لكم بالدخول في ديننا والتحاكم إلينا، وكفى للبربري المسكين، هذه نعمة يمن بها عليه..”.

   التحليل المغرض، لشرعية الحكم القائم على منح السلطة للسكان الأصليين لا مجال للنطق به في أمريكا أو أي دولة متقدمة أخرى، ولكن هذه الدول التي تعاقب بـ”الإعدام” كل من يلعب في الهوية، هي نفسها التي ترعى خلق نقاشات من هذا النوع في الدول المستهدفة، اليوم، ولكن المغاربة كانت لهم طريقتهم لمنع الأذى عن أنفسهم وهي قراءة اللطيف، وربما حان الوقت لإعادة قراءته، “كان من عادة المغاربة فيما مضى ولا يزالون كذلك، أنهم مهما نزلت بهم مصيبة أو حلت بهم كارثة، لجؤوا للمساجد ضارعين ومبتهلين يدعون ربهم باسمه اللطيف، وقد فكر زعماء هذه الحركة البربرية مليا، فرأوا أن لا أحسن من اتباع هذه العادة، أما أولا، فلما فيها من الضراعة والابتهال إلى الله تعالى الذي يكشف الضر ويجيب المضطر، وأما ثانيا، فلما فيها من إشعار العموم بهذه الحالة الحاضرة إذا يتساءل الناس ما بال هذا الدعاء الذي يقرأ من غير سبب، فيقال: بلى، سببه قضية البربر التي من وصفها كيت وكيت، وفعلا ابتدأت الحركة على هذا النمط بمدينتي (الرباط) و(سلا) في بعض مساجدهما، ثم أخذت تنتشر من مسجد إلى مسجد، ومن بلد إلى بلد فتبعتها الدار البيضاء، ومراكش، وفاس، وتطوان وغيرها من المدن، والحركة لا تزيد إلا اتساعا وانتشارا، والحكومة وقفت أولا موقف المحايد، ثم رأت أن تلجأ إلى العناد والقوة والإرهاب، فأرسلت إلى بعض القائمين بالحركة وهددتهم، فلم يزدهم تهديدها إلا تشجيعا، فهاجروا بالقضية وخطبوا في الجموع المحتشدة في المساجد الكبرى بالرباط وسلا وفاس، (نفس المصدر).

   وبينما لا يتذكر كثير من المغاربة من الظهير البربري إلا اسمه، فإن مخطط التقسيم الذي أشرفت عليه فرنسا، والذي تم إحياؤه اليوم بمنطق آخر، كان له جانب دموي، فقد: “وقعت مظاهرة كبرى، شارك فيها ما يزيد عن 4 آلاف شخص من شبان وشيوخ، خرجت بعد صلاة الجمعة من القرويين، فطافت الأسواق والشوارع ودواوين الحكومة، إلى أن وصلت إلى دار الباشا، وهناك اشتبكت معركة كبرى بالأيدي، بين رجال الشرطة وبين المتظاهرين، وأخيرا ألقي القبض على ستين من زعماء الحركة وألقوا في غياهب السجن، بعدما أوجع البعض منهم ضربا، الأمر الذي لا يصدر من المتوحشين فكيف (المتمدنين)، كما ألقي القبض في الجمعة الماضية، على بعض الشبان من الرباط وسلا، وحكومة الحماية تحرص كل الحرص على ألا تخرج هذا الخبر إلى الخارج، فجعلت المراقبة على البريد الصادر والوارد، وأوعزت إلى الجرائد الأوروبية هنا أن تنشر شيئا من هذا ولله عاقبة الأمور (مقتطف من المقال الموقع باسم مخبر، كما نشر في نفس المصدر).

   وبغض النظر عن الجانب الدموي للظهير البربري، فقد يطرح البعض سؤالا عن موقف السلطان، طالما أن الحديث هنا عن ظهير(..)، والجواب من نفس المصدر يكشف جزئية لم تعد معروفة، عندما كان الخاتم السلطاني بيد “رئيس الحكومة”، “يؤكد المغاربة أن الظهير السلطاني، لم يصدر بالطرق المشروعة المعتاد صدور أمثاله بها، وإنما نظمت مواده، وكتب في الإدارة الفرنسية، ثم دفع إلى رئيس الوزارة وجاء به إلى دار المخزن (الحكومة السلطانية)، ودعا إليه كاتب سره وكلفه أن يذهب إلى داره ويكتبه ويسجل في دفتر الصدارة العظمى، ولما انتهى من ذلك، قدمه إليه فذيله بطابع الجناب الشريف، لأن الطابع السلطاني تحت يد رئيس الوزارة ولم يستعمله جلالته منذ تولي العرش”.

   نقرأ في نفس المصدر: “الذي يرجع إلى مؤلفات بعض الفرنسيين وتصريحات غير واحد من رجالهم يرى العجب العجاب من دعوى أنهم إنما جاؤوا المغرب الأقصى لينقذوا البربر وينتقموا لهم من العرب الذين احتلوهم وسلبوهم المسيحية من أفئدتهم، وإنما هم عاملون على إرجاعهم إلى حظيرة الكتلة والصليب، وما لنا وللأقوال، فإن الأعمال أفصح منها لسانا وأبلغ منها بيانا، يدل على ذلك افتتاح الفرنسيين، مدارس في أوساط البربر خالية من كل ما يذكرهم بالعربية والإسلام، وهذه المدارس منها ما هو للبنين وما هو للبنات، ويؤتى بالبنين والبنات إلى هذه المدارس بجميع الوسائل، وقد يكون ذلك على خلاف رضى آبائهم، وفي هذه المدارس يتلقون مبادئ الفرنسية والدروس المسيحية، وفي كتب المطالعة تمجيد للمسيحية، وتأليه لفرنسا، وشتم بالعرب وتنقيص من كرامة المسلمين… وقد أقفلت الكتاتيب التي كانت منتشرة وسط قبائل البربر، وكان مبنى التعليم فيها على تلاوة كتاب الله الحكيم، وتلقي مباديء الدين الإسلامي القويم، ولم يكتفوا بإقفال هذه الكتاتيب، بل أقصوا أيضا فقهاءها، ومنعوا حتى رجال الزوايا من التعمق في داخلية البوادي مخافة أن يبثوا في أهلها شيئا من مبادئ الإسلام”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!