محاولة احتلال الصحراء من طرف الأمم المتحدة وتعيين مقيم عام

ما بين “ديكويلار” وبان كيمون.. خذوا العبرة من عبد الرحيم بوعبيد

إعداد: سعيد الريحاني 

    اعتقل الزعيم الراحل، الاتحادي، عبد الرحيم بوعبيد يوم 7 شتنبر 1981، رفقة عدد من أعضاء المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي، وقتها كان المكتب السياسي يضم رجالا من طينة خاصة، ولم يكن هناك مجال للحديث عن الكوطا الرجالية أو النسائية(..)، والسبب هو إصدار بيان يعارض الاستفتاء حول الصحراء، الذي قبله الملك الحسن الثاني، وعندما أصدرت المحكمة الابتدائية في الرباط خلال شتنبر 1981، حكمها على كل من عبد الرحيم بوعبيد، ومحمد اليازغي، ومحمد الحبابي، بسنة حبسا نافذا، وعلى محمد منصور بسنتين سجنا مع وقف التنفيذ، وعلى محمد الحبيب الفرقاني بسنة واحدة حبسا موقوف التنفيذ، قال بوعبيد جملته الشهيرة: “هذه المحاكمة سيكون لها تاريخ، فأنتم لكم الأمر”، ونحن نقول: “ربي السجن أحب إلي من أن ألتزم الصمت، ولا أقول رأيي في قضية مصيرية وطنية ومقدسة”.

   وقد أثبتت الأيام خطأ الحسن الثاني، وصحة كلام عبد الرحيم بوعبيد(..)، الذي خاض معركة كبيرة ضد، مخططات الأمم المتحدة، فانحياز بان كيمون، الأمين العام للأمم المتحدة إلى الأطروحة الانفصالية، وتشبث الأمم المتحدة بالبقاء في الصحراء، ليس جديدا، وقبل الأزمة مع بان كيمون، الذي وصف المغرب بالبلد المحتل، سبق أن كانت هناك أزمة (على سبيل المثال) مع الأمين العام الأممي الأسبق، ديكويلار، وهو خامس أمين عام للأمم المتحدة من يناير 1982، إلى دجنبر 1991.

   قبل أن يخرج المغاربة للتظاهر ضد بان كيمون، كانت هناك أزمات سابقة مع الأمم المتحدة، لكن في حالة الأزمة مع ديكويلار، سنلاحظ كيف أن حزبا سياسيا، الاتحاد الاشتراكي، هو الذي تولى الرد على الأمم المتحدة وليس الهيئات الرسمية، ويكفي قراءة تدخل عبد الرحيم بوعبيد أمام اجتماع اللجنة المركزية يوم 29 يوليوز 1990، لأخذ العبر والدروس من هذا الحزب الذي صوت شبابه مؤخرا على دعم البوليساريو، وقد نسي جلهم القائد التاريخي عبد الرحيم بوعبيد(..).

   قال عبد الرحيم بوعبيد على هامش صدور تقرير منحاز، من طرف الأمين العام السابق للأمم المتحدة، ديكويلار، إن الاعتبار أعطي لما يسمى “جبهة البوليساريو” على حساب الشعب المغربي بما فيه سكان المناطق الصحراوية، ونظرا لكونه أحد العارفين بخبايا ملف الصحراء، فقد تحدث بلغة واثقة أمام الحاضرين لاجتماع اللجنة المركزية يوم 29 يوليوز 1990، “قد يقول البعض، إننا ملتزمون بما قلناه سنة 1981 (الموقف ضد الاستفتتاء)، ونحن الآن نتكلم بناءا على معطيات 1990، والمغرب كدولة لها كيان وسيادة، لكن تقرير ديكويلار، ينكر علينا حق الدفاع عن النفس”.

   يقول التقرير حسب ما نبه إليه بوعبيد: “أن موفدا من طرف الأمين العام للأمم المتحدة، سيستقر بالمناطق الصحراوية، وستكون له كل الصلاحيات، وكل السلطات التي تمكنه من أن يتصرف في أقاليمنا الصحراوية أثناء ما يسمى بالمرحلة الانتقالية خارج السيادة المغربية، ونعرف أن ثمة قوانين وتشريعات مغربية، قد يقوم هذا المندوب بإلغائها، والتقرير يقول أن من حقه ذلك” (مقتطف من كلام بوعبيد).

   في سنة 1990 نبه بوعبيد، حسب ما هو مؤكد في كلمته إلى مخطط “استعمار الصحراء” من طرف الأمم المتحدة، ومشروع “إلغاء السيادة الوطنية”، “انطلاقا من هذا يمكن أن يتصور الإنسان أن المناطق الصحراوية التابعة للمغرب سوف تكون خاضعة لسلطة ممثل الأمين العام الذي سيتصرف كمندوب سامي أممي لمدة شهور، يحددها التقرير في ما بين 35 و40 أسبوعا.. ويمكن أن تطول هذه المدة ونصبح أمام مقيم عام جديد باسم الأمم المتحدة ليقول: هكذا يجب حفظ الأمن، وهكذا يجب حفظ الاستقرار” (نفس المصدر).

    بالرجوع إلى كلام عبد الرحيم بوعبيد، يتضح أن توسيع صلاحيات “المينورسو”، الهيئة التابعة للأمم المتحدة في الصحراء، لتشمل مراقبة حقوق الإنسان، ليس في الواقع إلا نسخة مزيدة ومنقحة ومتحايلة على المشروع الأصلي وهو مشروع احتلال الصحراء من طرف الأمم المتحدة(..).

   وقد كشف بوعبيد وقتها، “أن ديكويلار، أوصى بمجيء وحدات مسلحة للأمم المتحدة من أجل الاستقرار في الصحراء المسترجعة بكيفية قانونية، علما أن جيوش الأمم المتحدة تأتي عندنا فقط، ولا تذهب إلى تندوف، وقبل إطلاق النار، على القوات المسلحة الملكية أن تقلص حجمها.. لا ندري هل بنسبة 30 أو 40 في المئة، أو 20 أو 80 في المئة..” (نفس المصدر).

   “هكذا يقول ديكويلار.. الجيش المغربي يخرج من الصحراء التي تصبح خاضعة لسلطة مقيم عام ينوب عن الأمين العام، يقولون، طيب سيبقى عدد من الجنود وهو عدد غير محدد.. وسيكون هؤلاء مجردين من السلاح لأن السلاح سيبقى في الثكنات تحت حراسة جيوش الأمم المتحدة، أي أن الشيء الذي لم تستطع تطبيقه الأمم المتحدة في لبنان وغيرها يأتون لإجرائه عندنا”، هكذا تحدث بوعبيد، ولا حاجة للتذكير أن الرجل يتحدث سنة 1990.

   واحد مثل عبد الرحيم بوعبيد، لم تكن الحاجة تعوزه للاعودة إلى التاريخ، للرد على الأمم المتحدة وبلغة راقية: “.. بكل احترام، يجب أن نقول للأمين العام للأمم المتحدة، أنه نسي أشياء جوهرية في حق المغرب، كيف دخلنا إلى صحرائنا: “كانت هناك مسيرة شعبية (المسيرة الخضراء) لحل النزاع الذي كان بيننا وبين إسبانيا، فقط الدولة التي كانت تستعمرنا في عدة مناطق ومنها الصحراء، لم يكن لنا نزاع لا مع الجزائر ولا مع تونس ولا مع موريتانيا.. كان نزاعنا فقط مع إسبانيا، الدولة المستعمرة، والتجأنا إلى محكمة العدل الدولية التي أكدت قيام علاقة إدارية بين المغرب والمناطق الصحراوية.. وبعد كل هذا، وضعت إسبانيا القضية أمام مجلس الأمن الذي قرر ألا تكون هناك مجابهة بين الجيوش الإسبانية والجماهير المغربية ،وأوصى المجلس بإجراء مفاوضات بين المغرب وإسبانيا، حول نقطة أساسية وهي استرجاع المغرب لمناطقه الصحراوية، فأدت المفاوضات إلى اتفاق يقضي بأن تسلم إسبانيا للمغرب المناطق الصحراوية بكيفية شرعية، على غرار المناطق الأخرى التي استرجعناها بالتتالي من إسبانيا في إطار الحدود التي ورثناها من العهد الاستعماري، وبهذه الطريقة تمت تصفية الاستعمار في جل الأقطار الإفريقية المستعمرة سابقا”.

   نفس المصدر يقول: “هذه الأشياء كان من واجب الأمين العام أن يذكر بها لفائدة الطرفين، أي المغرب والانفصاليين الصحراويين، أصحاب الدولة الوهمية المستقرة في تندوف والعاصمة الجزائرية، لماذا نوجد في الصحراء، هكذا تساءل بوعبيد قبل أن يضيف: “الجواب أننا عدنا إلى مناطقنا لعدة اعتبارات تعود إلى سيادتنا وشرعيتنا وكذلك بقرار صادر عن مجلس الأمن الذي أوصى بالتفاوض المباشر مع إسبانيا، وكان الاتفاق في إطار الشرعية الدولية.. اليوم  نلاحظ أن الأمين العام للأمم المتحدة نسي ذلك، وكأن هذا المسلسل لم يكن له وجود، هذا ما لا نقبله نهائيا، لأن 30 في المئة من ميزانية المغرب وضعت في هذه الأقاليم.. من أجل الدفاع عن الصحراء وبناء الصحراء”.

   ما هو أصل المشكل إذن؟ الجواب على لسان بوعبيد: “المشكل الذي تعرفه صحراؤنا مختلق، وقد خلقه هواري بومدين، ومن كان حوله آنذاك في حزب جبهة التحرير وفي الحكومة الجزائرية.. لأن التوتر ما كان ليخرج إلى حيز الوجود ويستمر لولا قيام النظام الجزائري بمد تنظيمات الانفصاليين بالسلاح والمال وحتى ماء الشرب، إذن، عندما يقدم الأمين العام للأمم المتحدة تقريره إلى مجلس الأمن، كان عليه أن يقول: “هكذا كان قرار مجلس الأمن؟ وهكذا كان الاتفاق بين المغرب وإسبانيا في التاريخ الفلاني، وأن الحديث عن ما يسمى بشعب صحراوي جاء فيما بعد، وأن البوليساريو تعرفنا عليه فيما بعد.. تناول التقرير موضوع إيقاف النار، قبل إجراء الاستفتاء. من يطلق النار؟ لم يوضح التقرير الطرف الذي يقوم بالاعتداءات.. إن إطلاق النار المضاد هو عمل مشروع للدفاع عن النفس. الأمين العام للأمم المتحدة نسي ذلك ويتحدث كما لو أن هناك حربا أو فتنة قائمة بين طرفين فقط..”، هكذا تحدث بوعبيد.  

   وما أشبه اليوم بالأمس فآفة الأمم المتحدة هي النسيان والتناسي، فبان كيمون، الذي تظاهر ضده ملايين المغاربة، يسجل عليه أيضا تجاهله لتطورات النزاع: إذ “لا يقدم تقرير بان كيمون أي دليل على استخلاص العبر من تطورات المعالجة الأممية لملف الصحراء ، فالربط بين تصفية الاستعمار وتقرير حق المصير، هو ربط غير واقعي، كما أن الاستمرار في الترويج لخيار الاستفتاء هو طرح متجاوز، على اعتبار أن الاستفتاء شكل محورا أساسيا ضمن مخطط التسوية الأممي الذي دخل حيز التنفيذ سنة 1991، لكن ترتيبات تطبيقه واجهتها عراقيل متعددة خاصة تلك المتعلقة بتحديد هوية من لهم الحق في المشاركة في الاستفتاء، الأمر الذي أدى إلى إيقاف أشغال لجن تحديد الهوية، وبالتالي الإعلان الرسمي من طرف الأمم المتحدة عن فشل خيار الاستفتاء ودعوة مجلس الأمن في عدد من قراراته إلى تجاوز خيار الاستفتاء والبحث عن خيارات بديلة لتسوية النزاع بكيفية متفاوض بشأنها ومتوافق عليها من لدن الأطراف، ومن أجل ذلك، استجاب المغرب بكل جرأة لمقررات مجلس الأمن الداعية إلى تفاوض الأطراف من أجل التوصل إلى تسوية سياسية متوافق عليها، وقدم مبادرة الحكم الذاتي للدفع بعجلة التفاوض إلى الأمام، وإيجاد حل نهائي للنزاع، وهو ما سبق لمجلس الأمن أن اعتبره مقترحا جديا وذي مصداقية، وبالرغم من ذلك، تم تجاهله من قبل الأمين العام وعدم تقديمه كأرضية صالحة للتفاوض، وبالمقابل، استمر في الترويج لخيار أصبح متجاوزا أمميا وسياسيا وواقعيا، ومن المؤكد أن طرحه من جديد سيؤدي إلى العودة بالنزاع إلى مراحله الأولى (مقتطف من تعليق: محمد حنين، أستاذ القانون العام بجامعة محمد الخامس أكدال الرباط).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!