في الأكشاك هذا الأسبوع

الحاجة إلى تكوين المكونين.. ما هكذا تورد يا سعد الإبل

      بقلم. أ. د. عبد الله لخلوفي

مركز الدراسات والأبحاث والتقييم للتربية والتكوين

    ما المغزى من إحداث تكوينات لا طائلة تكوينية ترجى منها، في وقت أصبح فيه الجميع يُقرّ بأن منظومتنا التعليمية قد وصلت إلى الحضيض. فحتى المسؤولون عن التربية الوطنية أقروا بمدى تدهور أحوال منظومتنا التربوية، وحملوا مسؤولية هذا التردي للجميع. وفي الوقت الذي كان يجب فيه تكثيف الجهود بين التعليم العالي والتعليم ما قبل الجامعي وتنسيقها للعمل على تقييم الأوضاع تقييما علميا شاملا وسليما، فقد ازدادت حدة الانزواء والتخندق إلى حد الانفصام التام.

المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين المستحدثة، التابعة للتربية الوطنية، تُكوّن المدرسين للتعليم ما قبل الجامعي العمومي، بينما المدارس العليا للأساتذة، التابعة للتعليم العالي، تُكوّن للتعليم الثانوي الخصوصي، على الخصوص. حدة الانفصام بين الوزارتين كانت السبب في تغيير مسار المشروع الحكومي لتكوين 10000 عاطل، الذي كان يهدف إلى التكوين سنة بالمدارس العليا للأساتذة وسنة بالمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين. فلقد جرت الريح بما لا تشتهيه السفن، حيث طغت نزعة التمترس والتقوقع على ضرورة التنسيق والتكامل بين الوزارتين، لتحدث القطيعة بين رأس المنظومة التربوية وباقي الجسد، فكيف لها إذن أن تتعافى، بل وأن تبقى على قيد الحياة؟

إلى متى سنستمر في التشكي مما آلت إليه أوضاع تعليمنا من سوء، في الوقت الذي نعمل فيه على ازدياد الأوضاع سوءا وتدهورا؟ إلى متى هذا الانفصام الخطير بين أقوالنا وأفعالنا؟ لماذا لا يعار أي اهتمام لأصحاب الاختصاص فيما يتعلق بما يجب فعله وما لا يجب فعله لتدارك ما يمكن تداركه قبل فوات الأوان، إن لم يكن قد فات؟ لمواجهة الاختلالات الكبرى والاضطرابات الشديدة التي تعرفها برامج ومناهج التعليم، لابد من العودة إلى أصحاب الاختصاص، رجال التعليم، الجامعيين منهم على الخصوص. فالعمل بمقولة التعليم قضية كل مكونات المجتمع “أحزاب، نقابات، جمعيات، الخ” فيما يتعلق بالمناهج والبرامج مقاربة لن تزيد تردي الأوضاع إلا استفحالا. قد يكون الأمر كذلك بخصوص النظر في مجانية التعليم أو عدمها، وكذا لغة التدريس، أو ما يتعلق بتفعيل البحث العلمي وطرق تموينه، وغيرها من الأمور التي تتطلب التوافق حولها. لا يمكن أبدا الاستمرار في نفس النهج المدمر بعد كل ما حصل لمنظومتنا التربوية من تدهور خطير، نتيجة مسلسل الإصلاحات المعطبة المتتالية. بداية الطريق لإصلاح تعليمنا تتطلب إعادة النظر في مسلسل الدردشات البيداغوجية العقيمة وكذا في نهج اعتماد تكنولوجيا المعلومات والاتصالات اللابيداغوجي المدمر للتعليم والتعلم؛ فالأمر يتطلب إعادة النظر جذريا في برامج ومناهج التعليم، مع الإسراع بإدخال إصلاحات جذرية “لب الإصلاح” على برامج تكوين المكونين “رجال التعليم ما قبل الجامعي”. ما يعرفه تكوين المكونين من اختلالات عميقة جدا يعد أمرا خطيرا إلى حد بعيد، ينذر بما هو أدهى وأمر في السنين القادمة.

تكوّن المدارس العليا للأساتذة، انطلاقا من هذه السنة، 10000 من حاملي الليسانس، خريجي نظام “ل م د” “LMD”، الذين تلقوا تكوينات ضيقة لا تؤهلهم بأي حال من الأحوال للتدريس بالتعليم الثانوي. يتلقون “استكمالا للتكوين” عبثيا، تحت مسمى “الليسانس المهني”، ليس له من المهنية إلا المسمى؛ فلقد بيّنت المباراة التي أجريت لحاملي الليسانس أنهم يفتقدون للحد الأدنى من المعارف المؤهلة للتدريس والتي لن يُمكّنهم برنامج الليسانس المهني المتجاوز بالمدارس العليا للأساتذة من تداركها. وعلى الجانب الآخر من حاجز الحديد والإسمنت المقوى الفاصل بين التعليم العالي والتربية الوطنية، توجد المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين، حيث افتقاد أدنى الشروط الموضوعية لاستكمال التكوين المعرفي المعول عليه لتأهيل حاملي الليسانس للقيام بمهام التدريس.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!