في الأكشاك هذا الأسبوع

الحقيقة الضائعة | عندما تحولت إمبراطورة مصر “نازلي” إلى خدامة في بيوت الأمريكان

بقلم: مصطفى العلوي

   صدق رسول الله دوما وأبدا، ونطق بالحكمة، وكأنه يخاطب المغاربة. حسب رواية هناك من يقول أنه رواها الإمام الطبري، ومن يقول أنه الإمام الطبراني، ولكن حكمة الرسول عليه السلام بالغة يقول فيها: ((يأتي زمان على أمتي، لا يبقى من الإسلام إلا اسمه، ولا من القرآن إلا رسمه، همهم بطونهم، وقبلتهم نساؤهم، ودينهم دراهيمهم، السنة فيهم بدعة، والبدعة فيهم سنة، لا يعبدون الله إلا في شهر رمضان، فإن فعلوا ذلك، ابتلاهم الله بالسنين، قالوا وما السنون يا رسول الله، فقال: جور الحكام، وغلو المؤونة، ويحبس الله عنهم المطر في أوانه، وينزل في غير أوانه)).

   فهل تنطبق المقولة النبوية، علينا نحن المغاربة الذين نتعامل بالدراهم(…) – كما قال الرسول – أم ينطبق الحديث على من سبقونا للإثم والعدوان ومعصية الرسول.

   لعل مراجعة سريعة لظروف بعيدة عنا، تكشف أن القوم الضالين، موجودون في كل زمان ومكان، ولقد تهافت الكتاب والباحثون الذين كانوا مهتمين بمصر منذ أيام محمد علي، الأيام التي اتفق الكتاب على تسميتها، أيام الصعود، وسموا عهد خلفه الذي هيمن عليه الملك فاروق، بزمن الهبوط.

   وسيكون من ظلم الزمان، اتهام الملك فاروق بالهبوط لأنه إنما هبط (…) بدفع الأجواء العائلية التي نزلت به إلى الحضيض.. ولأن أقرب المقربين إليه أعطوا يد الله لأعدائه كي يسقطوه، فالرجل الذي قام بالثورة على فاروق تحت إمرة جمال عبد الناصر، هو الجنرال نجيب الذي عينه فاروق وزيرا للدفاع أياما قليلة قبل الانقلاب.

   فقد كان قديما لمصر ملك قوي اسمه فؤاد، كان من سوء حظه أن تزوج بإحدى سيدات المجتمع العالمي في ذلك الوقت، اسمها نازلي، تربت في أحضان المدرسة الكاثوليكية، وبعد زواجها بالملك فؤاد، أنجبت له ولدها الأول فاروق، وأخواته فوزية وفايقة، وفتحية، ولما توفي الملك فؤاد، تم إعلان ولده فاروق ملكا على مصر، سنة 1922، لولا أن القدر كان يخطط لتلك النهاية الكارثية، نتيجة تصرفات أمه نازلي، ليصبح الملك فاروق بين نارين، نار الأم نازلي وبناتها، ومحيطها وقصورها، ونار الحكم، حكم مصر حيث كانت الأحزاب السياسية في أوجها.

   وبينما كان الملك فاروق مع مستشاريه الكبار، يخطط للحد من النفوذ الشعبي لرئيس الحكومة وحزب الوفد، مصطفى النحاس، في إطار صراعات رؤساء الحكومات(…) مع أصحاب الملك(…) ومع تغلغل الأساليب والمناورات السرية والغير مرئية، لدرجة لخصها الصحفي الكبير حسنين هيكل الذي كتب عن زمن فاروق: ((كانت المعضلة أن الذين يعرفون، لا يكتبون، والذين يكتبون لا يعرفون، وعلى وجه التحديد، فإن الدائرة الأقرب إلى الملك فاروق، بصرف النظر عن أسرته، وزوجاته وعشيقاته، كانت تضم ستة رجال ونساء، بعضهم في الضوء، وبعضهم في الظل)) (فاروق كما عرفته. كريم ثابت).

   وكان الساعد الأيمن لفاروق، هو مستشاره ورئيس ديوانه أحمد حسنين، الذي كانت علاقاته السرية(…) تدفعه إلى شغل الملك، برئيس حكومته، مصطفى النحاس، وبصريح العبارة، كان مؤرخ فاروق، الكاتب صلاح الشاهد قد كشف ((أن المستشار الخاص لفاروق، أحمد حسنين، نصح الملك بالحيطة من رئيس الحكومة النحاس، بعد أن أقنع الملك بأن النحاس يضعف السلطان)) (ذكرياتي. صلاح الشاهد).

   ولكن الأحداث السياسية الداخلية، كانت تستفحل داخل القصر الملكي بطريقة تتعدى علاقاته مع حزب الأغلبية(…) رغم تواجد مستشار ثاني متعقل لفاروق، اسمه كريم ثابت، يعمل من أجل كسر مخططات المستشار الآخر(…) أحمد حسنين، فيوحي كريم ثابت إلى الصحف(…) أن تكتب: ((لقد تم إقناع رئيس الحكومة النحاس بأن ينحاز للملك، وأن الملك نفسه قال: سترون النحاس باشا جديد، ليعلق الصحفي: كلنا نعرف حقيقة مشاعر النحاس تجاه مولانا(…))) وتكون قبلة النحاس على يد فاروق حدثا كتبته كل الصحف.

   ولكن مناورات القصور الملكية في ذلك الزمان كانت تدفع فاروق، إلى الانشغال عن شؤون الدولة، بالمصيبة العائلية الكبرى(…) مصيبة أم فاروق نازلي، التي سقطت في غرام المستشار الرئيسي لفاروق، أحمد حسنين، لدرجة أصبحت النكتة المصرية التاريخية، تتردد في الشوارع بالصيغة التالية: (فاروق الذي لم يستطع حكم أمه، لا يمكنه أن يحكم أمة).

   فقد تزوج المستشار الملكي أحمد حسنين بأم الملك نازلي عرفيا، وهي التي غادرت بدون علم ولدها إلى القدس، وكانت وقتها عاصمة البذخ والفجور والقمار، وقد تبين ضعف الملك فاروق، من خلال محاولته استرجاع أمه من القدس، بأن أعلنها ملكة على مصر، لولا أن المجلس الأعلى للوصاية على العرش، وكان يسمى مجلس البلاط، قرر إصدار قرار يوم فاتح غشت 1950 بطردها نهائيا من مصر.

   وفي خضم الأساليب التي كانت متبعة في ذلك الزمان، تسربت أنامل أحد المختصين الإنجليز في إطلاق الرصاص، لإطلاق الرصاص على المستشار الملكي حسنين، وهو يعبر كوبري النيل، حيث لفظ أنفاسه، وأحدث شرخا دمويا في علاقات الملكة نازلي بولدها فاروق.

   وبينما مهدت الظروف السياسية والحزبية لثورة 1952، بقي فاروق مشغولا بتصرفات أمه وأخواته ومالهم وأعمالهم وثرواتهم، بينما أعلنت الأم نازلي نفسها، في موقع العدو بالنسبة لولدها.

   والعياذ بالله عندما يستفحل الفساد في الأوساط المشابهة للملكة نازلي، فقد وجهت لولدها فاروق ضربة قاضية، حينما زوجت ابنتها فتحية بشخص مسيحي اسمه رياض غالي وقد غير اسمها نهائيا، وسماها “ماري الترايت”.

   ويتدهور الوضع العائلي للملك فاروق، رويدا رويدا، ليصبح صورة من الروايات الشيكسبيرية(…) فبعد أن تم اغتيال زوج نازلي أم الملك، أحمد حسنين، أعلن من بعد عن اغتيال زوج أخت فاروق وكان قد استولى على ثروة زوجته فتحية، أياما قليلة قبل اغتياله، هو لزوجته أخت فاروق.

   فقد كانت نازلي تشعر بالدماء الكاثوليكية تسري في عروقها، وهي حفيدة أصلا لسليمان باشا الذي كان عسكريا مع الغازي الفرنسي نابليون، لذلك لا يهمها أن تموت بناتها وأصهارها، بقدر ما يهمها وضعها الفجوري(…)، بعد أن صدرت أخبار جديدة عن زواج نازلي أم الملك، بواحد من أحفاد الزعيم المصري سعد زغلول.

   وقررت نازلي التي كانت ذات يوم ملكة على مصر أن تعيش حياتها، لكن في الولايات المتحدة، زادها نخوة وتجبرا، أن ابنتها الثانية فوزية تزوجت بشاه إيران، رضى بهلوي، الذي طلقها فيما بعد.

   لولا أن الزمن أبى إلا أن يعطي للملكة نازلي، الدرس الأزلي، حينما خسرت في القمار كل ممتلكاتها وتزوجت مرة أخرى(…) في الولايات المتحدة بيوتنان مصري اسمه صبري، الذي سارع لتطليقها فأصبحت خدامة بيوت في حي فقير، كما شاهدها كثير من المصريين وورد في كتاب الشاهد، واضطرت إلى اعتناق الدين المسيحي، قبل أن تعاجلها الموت وتقام لها جنازة في كنيسة بمدينة لوس أنجليس حتى لا يعرف قبرها سنة 1974.

   ليفهم المتتبعون لهذا المسار الشبه سينمائي لسيدة مصر الأولى(…) نازلي، المغزى الذي جعل ولد الملك فاروق، فؤاد، الذي سكن سنوات طويلة بالرباط، يتوجه أيام الثورة المصرية سنة 2013 ليقدم الطاعة والولاء لرئيس مصر الجديد عبد الفتاح السيسي.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!