في الأكشاك هذا الأسبوع

صوفيا لورين.. عاشت حياة الجوع والشارع وفي سن الثانية عشر اشتغلت في مخبزة

بقلم: رمزي صوفيا

   مهما مرت السنوات فلن أنسى الصداقة التي ربطتني بنجمة الأمس العالمية، صوفيا لورين، ولن أنسى أبدا لقاءاتي معها التي اكتشفت فيها بأن صوفيا لم تكن فقط أجمل امرأة في العالم كما كانوا يلقبونها في عز مجدها، بل إنها كانت امرأة ودودة ومتواضعة ومرحة إضافة لصراحتها المتناهية، وخلال لقاءاتنا في نابولي بإيطاليا، وفي هوليود بالولايات المتحدة الأمريكية، كانت صوفيا لا تتردد في الإجابة عن كل أسئلتي، وكانت تكشف لي بكل جرأة ووضوح عن أسرار حياتها حتى بعض التفاصيل المحرجة التي عاشتها وخاصة في مطلع حياتها.

   بعد سنوات طويلة، تلقيت من صوفيا لورين دعوة لزيارة مدينة نابولي في إيطاليا وحضور تصوير فيلم “أمس واليوم وغدا” الذي قامت ببطولته، وبعد سؤالي عنها وعن أحوالها وسؤالها عني وعن رحلاتي الماراطونية التي كنت مشهورا بها في ذلك الوقت، والتي كنت ألاحق من خلالها أكبر النجوم لإجراء حواراتي الصحفية الفنية معهم، فسألتها: “هل وقعت في غرام عمر الشريف خلال تصوير فيلم “أكثر من معجزة” في العام الماضي؟ فقالت لي وهي تضحك من أعماق قلبها: “لقد عشقت كل شيء فيه ولكني لم أقع في غرامه، فهو رجل عربي شهم وطيب القلب إضافة لكونه شابا وسيما جدا، ولكن علاقتنا لم تتجاوز مرحلة الصداقة فقط”، فسألتها: “ولكن كيف تفسرين تلك المشاهد الساخنة التي أشعلت نيران الغيرة في قلب زوجته النجمة العربية فاتن حمامة”، فأجابتني: “أنا لست مسؤولة عن مشاعرها وعن فقدانها للثقة في زوجها، ولكن ضرورة الفيلم فرضت علينا الاستسلام للحظات حميمية وكان من الضروري أن ننفذها بكل مصداقية”، وسكتت قليلا، ثم ضحكت ضحكة مجلجلة وهي تقول لي: “أنت تتحدث عن الحب في فيلم “أكثر من معجزة”، ولكني الآن أتذكر هذا الفيلم بحالة الجوع التي عشتها أنا وعمر خلال تصوير الفيلم، حيث لم نكن نجد ما نأكله من أطعمة جيدة، فكنا نتناول السندويتشات الباردة التي تسببت لنا في الإسهال عدة مرات، حتى أنقذتنا والدته ووالدتي بحضورهما وقيام كل واحدة منهما بطبخ أطباق لذيذة، ولن أنسى طبق المسقعة الذي عملته لنا والدة عمر الشريف عندما نظمنا مسابقة في الطبخ بينها وبين والدتي خلال تصوير هذا الفيلم”، وعدت لأسألها في نفس السياق قائلا لها: “لقد عشت حياتك كامرأة وكأم ناجحة، ولكن من هو أول رجل كان في حياتك؟”، قالت بنبرة حزينة جدا: “سأبدأ معك من الأول يا رمزي، لقد تعذبت كثيرا خلال طفولتي الأولى، حيث رفض والدي الاعتراف بأبوته لي ولشقيقتي وترك والدتي للقدر مما جعلها تتزوج من رجل طيب سجلنا في اسمه وكأنه والدنا الحقيقي، وكان الجوع يضغط على عائلتي فاضطررت للعمل في مخبزة كبيرة حتى يمكنني الحصول على الخبز والحلويات بالمجان، وكنت لا أتجاوز 12 سنة من عمري، فكان صاحب المخبزة يقدم لي مختلف الأطعمة ويقول لي: “أريدك أن تكتسبي وزنا جيدا حتى تصبحي امرأة متكاملة الجسد”. وفعلا لم تمر بضعة أسابيع حتى توردت خدودي وامتلأ جسدي، فبدأ صاحب المخبزة يتحسس جسدي كلما سنحت له الفرصة، ولم أكن أعارض أو أتهرب منه رغم أنه كان يتجاوز الستين من عمره، ثم بدأ يشتري لي الفساتين الجميلة ويمنحني فترات استراحة حتى تعلقت به رغم فارق السن. وذات يوم طلب مني الذهاب معه للحصول على مفاجأة كبيرة، فتركنا المخبزة وذهبنا معا إلى شقة فخمة كان يمتلكها في نفس الحي، وبمجرد دخولنا وجدت علبة كبيرة فتحها أمامي وكانت فيها إسورة وسلسلة من الذهب الخالص وقال لي: “هذا لك لأنني أحبك”، ولا يمكنني أن أصف لك الفرحة التي اعترتني في تلك اللحظات، فارتميت بين ذراعيه فأخذ يقبلني بقوة ونحن نمشي نحو غرفة النوم، ومن يومها صرنا نذهب كل يوم تقريبا إلى تلك الشقة، فكان بذلك أول رجل في حياتي، ولكن في أحد الأيام حدث ما لم يكن في الحسبان حيث توجهنا كالعادة إلى شقته لقضاء وقت ممتع لوحدنا، وعندما دخلنا الشقة أخذ يشرب الخمر بشراهة(…)، وفجأة بدأ العرق يتصبب من جبينه ومن كل مناطق جسمه وكان يرتعش بطريقة غريبة، فبدأت أصرخ وأسأله عما به، ولكنه كان لا يجيب، بل كان يهتز ويهبط وكأن مسا من الجن قد أصابه، فأصبت بحالة هلع لا يمكن أن أصفها فارتديت ملابسي على وجه السرعة وهربت راكضة بعيدا عن الشقة. وفي تلك الليلة لم أتمكن من الاستسلام للنوم من فرط الخوف. وفي صباح اليوم الموالي ذهبت إلى المخبزة فلم أجده وعندما سألت عنه قالوا لي: “لقد مات بسكتة قلبية مباغثة في شقته الموجودة بالقرب من المخبزة، وقد اكتشفنا ذلك عندما وصل عمال المخبزة في الساعات الأولى من الصباح لإعداد العجين المورق لصنع الكرواسان لزبنائنا، وبحثنا عنه ليعطينا مفاتيح المخبزة كالعادة ولكننا لم نجده، فذهب اثنان منا إلى شقته لطلب مفاتيح المخبزة منه، ولكنهما عندما طرقا باب الشقة وجداه شبه مفتوح، وعندما دخلا وجداه جثة هامدة، وبعد إخبار الشرطة تم حمل جثته إلى المستودع وسيدفن بعد لحظات”. وسكتت قليلا ثم قالت بحزن: “يومها أصبت بصدمة حقيقية، فقد كنت متعلقة به من فرط طيبوبته ومعاملته الجيدة لي وسخائه الكبير معي، وقد ارتديت ملابس الحداد السوداء حزنا عليه لأنني لن أنسى جميله علي أبدا، فهو أول شخص ساعدني ماديا وانتشلني من حياة الجوع والشوارع وجعلني سيدة في المخبزة وسيدة على قلبه”، فسألتها: “لو لم يمت هذا الرجل فكيف كانت علاقتكما ستستمر؟”، قالت لي فورا: “كنت سأطلب منه أن يتزوجني، فقد كان رجلا بكل معاني الكلمة”، سألتها: “رغم كونه في عمر جدك”، فقالت لي بجرأة كبيرة: “اسمع يا رمزي، إن ما يهم أي امرأة في الرجل هو طريقة تعامله معها وكرمه واحترامه لمشاعرها، وكل هذا كان متوفرا في حبيبي صاحب المخبزة، ولا تنس أنني بعد وفاته بسنين طويلة تزوجت من كارلو بونتي وهو في سن والدي وأنجبت منه ابناي الإثنان لأن السن لا أهمية له بين الرجل والمرأة”، سألتها “إذن فقد كنت تعشقين الرجال المسنين”، فقاطعتني قائلة: “بل كنت أعشق الرجال المهذبين والطيبين الذين يكون لهم فضل في حياتي، وكارلو كان له دور كبير في نجوميتي، فقد ساندني وساعدني حتى حققت كل أحلامي الفنية، فهو الذي أنتج لي أجمل الأفلام، وهو الذي خصص لي راتبا كبيرا جدا سواء مثلت في أفلامه أم مثلت مع غيره، إضافة لكونه أخلص رجل في العالم لبيته ولزوجته التي هي أنا”، سألتها: “وكيف تعرفت على زوجك كارلو بونتي؟”، قالت: “عندما بلغت الرابعة عشر من عمري، شاركت في مسابقة لملكة جمال مدينتنا نابولي، ورغم أنني لم أفز باللقب إلا أن المسابقة فتحت لي أبواب النجومية على مصراعيها لأن كارلو بونتي شاهدني فأعجبه شكلي وبدأ يمنحني أدوارا ثانوية في أفلامه من سنة 1950، وهكذا دخلت معه في علاقة عاطفية انتهت بزواجنا بعد انفصاله عن زوجته الأولى في سنة 1966، ونحن اليوم زوجان سعيدان” فسألتها: “وهل كنت أنت سبب الطلاق بين كارلو وزوجته؟”، قالت لي بجرأة وصراحة: “نعم، فقد عشقته وعشقني رغم فارق السن وعندما علمت زوجته بذلك واجهته وطالبته بقطع كل علاقة تربطه بي، فقال لها بأنه يحبني وأنه كان عازما على مفاتحتها في الطلاق”، فقلت لها: “حدثيني عن قصتك مع الممثل الشهير غاري غرانت”، فقالت لي بنبرة كلها نفور: “أووف، لا تذكرني بذلك الوغد، لقد كان وسيما فعلا، ولكنه لم يكن رجلا، وأكبر غلطة ارتكبتها في حياتي هي تورطي في علاقة حميمية معه، لقد كان يخونني باستمرار مع فتيات من الكومبارس لا يتمتعن بذرة واحدة من الجمال، وفي الوقت الذي كان يجب فيه أن يهنئ نفسه على فوزه بحب أجمل امرأة في العالم والتي هي أنا، فقد كنت أجده بين أحضان أتفه النساء”، فقلت لها: وهل تعتبرين نفسك أجمل امرأة في العالم؟”، قالت بثقة كبيرة: “نعم. ولست أنا من أطلقت على نفسي هذا اللقب، بل كل المخرجين وكل المنتجين وكل الصحفيين يسمونني اليوم بلقب أجمل امرأة في العالم”، وسكتت ثم نظرت في عيني وقالت لي: “وأنت، ما هو رأيك في صوفيا لورين؟”، قلت لها: “أنت مثال للمرأة التي جمعت بين الجمال الأخاذ والأمومة الدافقة والموهبة السينمائية الخارقة، وبدوري سأسألك: لقد حصلت على كل ما يمكن أن تحلم به أي امرأة في هذه الحياة، فما هي أمنيتك للمستقبل القريب والبعيد؟”، قالت لي: “أطلب من الله ليل نهار أن يبعد عني شبح المرض وأن يطيل في عمري حتى أستمتع بأحلى اللحظات مع أحفادي”، وبادرتني بسؤال مرح قائلة: “وأنت يا رمزي، ماهي أحلى أمنية في حياتك؟”: قلت لها: “أتمنى من الله أن يرزقني بزوجة مثل صوفيا لورين وأن يرزقني منها دزينة من الأولاد ودزينة من البنات”.

   وللحقيقة والتاريخ، فقد عاشت صوفيا لورين طيلة سنوات زواجها من كارلو بونتي وهي مثال للزوجة المتفانية في خدمة زوجها، وكانت مثالا للأم المتفانية في تربية ابنيها، وكانت السعادة ترفرف على بيتها حتى رحل زوجها كارلو بونتي عن هذا العالم في سنة 1977، تاركا صوفيا في قمة الحزن.

   وبعد ذلك تفرغت للأنشطة الاجتماعية والعمومية حيث ظلت حاضرة بشخصيتها القوية وجمالها الذي تحدى السنوات بفضل محافظتها على رشاقتها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!