هل كانت لعبد الكريم الخطابي علاقات سرية مع جواسيس إنجلترا

“أمير” الريف بعيون ضباط فرنسيين في تقارير صحفية قديمة

إعداد: سعيد الريحاني 

     يحكي قيدوم الصحافيين مصطفى العلوي: “تعرفت على محمد بن عبد الكريم الخطابي في فورة الشباب، وفي أوج تقاطع أفكارنا وتصورنا لتحرير المغرب، حيث أنه كان يعتبر هذا التحرير ناقصا ما دامت الجزائر لم تستقل بعد، وأن استقلال المغرب سيبقى ناقصا ما دامت مناطق كثيرة منه بقيت تحت رحمة الاستعمار، ومنها الصحراء، ومن هنا كان منطلقه في اعتبار الاستقلال الذي حصل عليه المغرب ناقصا، ومساندته انطلاقا من القاهرة وعبر راديو، “صوت العرب”، الناصري، للحركات التحررية في كل من الجزائر وتونس، وباقي الدول العربية والإسلامية، إلى أن توفي في القاهرة، يوم 6 فبراير 1963، والتي عاش فيها لاجئا سياسيا، منذ أن رست الباخرة التي كانت تأخذه من منفاه بجزيرة لارينيون، نحو فرنسا في ميناء بورسعيد سنة 1947، ليطلب “الأمير” اللجوء السياسي ويحصل عليه من الملك فاروق..”.

   ويشرح العلوي، في كتابه، الصادر تحت عنوان: “صحافي وثلاثة ملوك”: “.. لما زرته في القاهرة حيث كان يقيم بحي حدائق القبة، وجدت الرجل مطلعا على وضعيتي، شاعرا نحوي ببعض العطف، نظرا لفارق السن بيننا، ومشجعا لي على المضي في مشروعي الجديد (جريدة أخبار الدنيا)، والتي قال عنها بمحضر أولاده، (عبد المنعم وإدريس وعبد المحسن) بأنها جريدة ناجحة ولا تحتاج إلى دعم مالي، ووعدني بأن يكتب مقالات في كل من أعدادها، وقال لي إنه يريد أن تكون تلك المقالات صلة الوصل بينه وبين منطقة الريف، والتي كانت سحنته تتغير كلما تحدث عنها، كما لو أنه يتذكر تلك المقالات التي كان يكتبها في جريدة، تلغراف الريف، عندما كان يشتغل رفقة والده في القضاء الشرعي بمدينة امليلية..

   ويبقى أكثر ما يثير الجدل في حكاية عبد الكريم، هي حكاية “الجمهورية”، غير أن مصطفى العلوي وثق لحوار بينه وبين عبد الكريم الخطابي يؤكد أن “أمير الريف” كان قد نسي حكاية الجمهورية بعد لقائه بالملك محمد الخامس، “قال لي الأمير إنه أحس في هذا اللقاء بأن الملك محمد الخامس كان معجبا به، وأن بساطة الملك هي التي جعلت الأمير ينسى حكاية جمهورية الريف، بل تنازل عنها واعتبرها خطأ سابقا، ولهذا يظهر من خلال مقالاته، أن الرجل غير موقفه العدائي تجاه الملكية وأصبح يهمه أمر المغرب وليس الملك” يقول العلوي في كتابه.

   وبغض النظر عن علاقة عبد الكريم الخطابي مع السلاطين، وما يسودها من غموض ناتج عن الخطابي نفسه، هذا الأخير كان يتحدث باسم “الريف” تارة وباسم “الحكومة الوطنية تارة أخرى”، كما أن المتتبعين لازالوا يطرحون السؤال حول “المقاومة المراكشية”، ولماذا كان عبد الكريم الخطابي يسمي جيشه بالجيش المراكشي” طالما أنه يعرف أن مراكش، تعني المغرب، وتبعا لذلك لماذا لم يسمي جيشه بالجيش الريفي، إذا كانت هناك جمهورية(..).

   إلى حدود اليوم، تبقى هناك جوانب غامضة من حياة عبد الكريم الخطابي، بل إن البعض يخلط بينه وبين والده، فـ”ما لا يعرفه كثيرون أن المقاومة ضد الاستعمار الإسباني لم تبدأ مع مجيء محمد بن عبد الكريم الخطابي، بل واجهت الغزاة الإسبان في كل محاولاتهم لاختراق تضاريس الرّيف العصية مقاومة شرسة من لدن الرييفين.. وقد بدأ هذه المعارك الشريف محمد أمزيان، ثم حمل المشعل عبد الكريم الخطابي، والد محمد بن عبد الكريم الخطابي..”.

   ولعل السؤال يغدو مشروعا حول ما كتبته التقارير الصحفية في ذلك الزمان عن الخطابي، باعتباره شخصية عالمية، في هذا الصدد تقدم “الأسبوع” مقتطفات دون زيادة أو نقصان من تقرير بأقلام ضباط فرنسيين، نشر في جرائد ذاك الزمان وقال عنه أصحابه في التقديم: “هذا الملف يستحق أن ينشر يوما”.

   يقول التقرير، الذي يدافع عن الفرنسيين والإسبان(..): “فيما القوات الإيطالية تقاتل مع الإنجليز والفرنسيين جنبا إلى جنب، كانت الجاسوسية الإنجليزية تمد بعض الأوساط المشبوهة بالعتاد والأسلحة.. كانت “الإنتلجانس سيرفيس” تنصب

   مكايدها وشباكها في طرابلس كما نصبتها فيما بعد في جبال سوريا وفي صخور الريف.. ويجهل الكثيرون ماذا كانت خفايا تلك الحرب المراكشية التي كلفت فرنسا غاليا في الرجال والأموال.. لقد ظل تدخل “الإنتلجانس سيرفيس” في ثورة “الأمير” عبد الكريم مجهولا أو مكتوما إلى أن تم إيقاف الجاسوس البريطاني “ماك نمارا” بالقرب من بنزرت يوم 15 يناير 1927، فتبين من التحقيق أن الجاسوسية الإنجليزية تساعد “الأمير” الريفي، وليس من شك (حسب لغة التقرير) في أن “ماك نمارا” قد نثر الليرات الإسترلينية نثرا في جنوبي تونس، فحرض العشائر على المقاومة والثورة، ويستدل من مخابرات هذا المحرض العامل لحساب الفرع الاستعماري في الجاسوسية البريطانية، أن 34 ضابطا من “الأنتلجانس سيرفس” دخلوا في أركان حرب “أمير” الريف لتنظيم حملاته، وتعزيز هجماته..”.

   حسب نفس التقرير، المتعاطف مع الاستعمار، بحكم المحبرة التي ينهل منها، والذي تنفرد “الأسبوع” بنشر مضامينه، في إطار النقاش التاريخي الممكن، “يؤكد أحد الكتاب الفرنسيين، أن الإنجليز لعبوا على المكشوف في ثورة الريف، مستندا إلى الخبر التالي: “ذات يوم وقف الأمير عبد الكريم يعرض جنوده ويوزع عليهم الأوسمة وهو في بزة جنرال عثماني يحيط به أركان حربه وبعض الضباط البريطانيين، ومنهم الكابتن غاردنر، والكابتن غوردون كاننغ، فصرح علنا لرؤساء عشائره: “انجلترا حليفتنا، تساعدنا بإرشاداتها وثروتها، وضباطها يخدمون في صفوفنا ولن نعقد الصلح بتاتا دون رأيها، وفي وقت النصر لن ننسى الحصة التي تصيبها..”.

   في نفس التقرير نقرأ بشكل صادم: “كان فرع الجاسوسية الاستعماري قد اتخذ الحيطة والحذر بإنشاء مكتب للشؤون الريفية في لندن، بشارع هلبورن، في هذا المكتب كانت توضع خطط الهجوم، وإليه تقدم طلبات الذخائر والحبوب على اختلافها، ولا نبحث عن مدير الشؤون الحقيقي، الأمير عبد الكريم، فهو في مصلحة الجاسوسية البريطانية التي تدير أعماله من وراء ستار.. كان عند مكتب الشؤون الريفية عدة بواخر لتموين، الأمير الثائر، وهي تحمل إليه البنادق والرصاص، ولكن بما أنها ترفع الراية البريطانية، إن سفننا الطوافة تلقت الأوامر بأن لا تعترض لها، وإلى جانب غاردنز وغوردون، كانغ وأسيادهما عدد كبير من الأعيان المراكشيين أغرتهم السلطة الإنجليزية بمؤازرة عبد الكريم، وكثير من الفرنسيين، ما برحوا يجهلون نظام الحماية في مراكش، ويسمح لحكومة جلالته البريطانية أن تحمي بعض الأهالي، وعدد هؤلاء المتمتعين بالحماية الإنجليزية يتزايد.. إن كل الثائرين على فرنسا المتمردين على أنظمتها يسارعون إلى قيد أنفسهم رعايا إنجلترا، وعندئذ لا يمكن أن مقاضاتهم إلا أمام محاكم القنصلية الإنجليزية، وفي فاس اضطر الفرنسيون (المستعمرون أيضا) لتحمل وجود الممثل الرسمي للأمير عبد الكريم، وهو شخص يدعى حاجوي، متمتع بالرعاية الإنجليزية التي أكسبته حصانة دبلوماسية حقيقية..”

   يمكن القول، إن تقرير الضباط الفرنسيين المشار إليه أعلاه، والذي لم تنشر الجريدة إلا الجزء القابل للنشر منه(..)، يعتريه عيب كبير وهو إهماله لجهود المقاومة، وكذا انحيازه التام إلى الاستعمار الفرنسي والإسباني(..)، كما أنه لم يتحدث عن جرائم الإسبان وفرنسا وكلاهما استعملتا أسلحة محرمة دوليا في الريف، لازالت إسبانيا تحاول جاهدة إلى حدود اليوم طمر ملف الغازات السامة(..) التي واجهت بها شراسة المقاومة الريفية.

   إن التقرير أعلاه، لم يكن هو النوع الوحيد السائد إزاء تناول ثورة عبد الكريم الخطابي، إذ أن هناك تقارير تتحدث عن بسالة الرجل، في الصحافة، ونقرأ منها على سبيل المثال ما كتب في مجلة “الشبان المسلمين”، في الجزائر سنة 1923، التي كتبت ما يلي: “عندما انطلقت الرصاصات الأولى في الحرب المراكشية، التحريرية الكبرى عام 1923، بقيادة المجاهد الأمير عبد الكريم الخطابي، كانت تلك الحرب تتويجا منظما لنضال الشعب العربي المراكشي وجهاده عبر القرون، فقد تميزت بالتنظيم والقيادة التي تولتها، والظروف التي تمت فيها، والقوى التي تبادلت ميادينها.. لقد دارت في هذه الحرب أكثر من 200 معركة وموقعة، بين مئات من جنود الشعب العربي المراكشي، من ناحية، وعشرات الألوف ومئاتها من الفرنسيين والإسبان من ناحية ثانية.. وهذه المقارنة وحدها هي دليل درس الثقة الأعظم في تلك الحرب.. وقد كانت آخر موقعة لها وأعظم دروسها وأقوى أدلتها في الوقت نفسه.. إنها معركة “تارجيست”، التي تمت ليلة 24 و25 ماي 1926، ولم تكن تلك الموقعة نتيجة موقف حربي بالمعنى المعروف لدى كل المقاتلين، بل كانت حقيقتها، وكما تؤكد ظروفها وقوى الطرفين فيها، وضيق ميدانها، نتيجة رعب الأعداء وفزعهم من جهة، وإيمان وبطولة الأحرار من ناحية ثانية..

   في نفس التقرير نقرأ عن شجاعة الخطابي، درس لا مثيل له: “في ذكريات بطل الريف صور لا تنسى وحديث رائع عن هذه الموقعة الرهيبة.. من كل جانب حولنا أطبقت علينا دائرة الأعداء، إلى أضيق ما يمكن أن تضيق عليه في جو رهيب من القتال المرير بين قوات غير متكافئة العدد، ولا السلاح.. لم نكن نستطيع التحرك العسكري في ميدان ضيق، شديد الضيق، ميدان لا يزيد عن بضع كيلومترات مربعة.. ولكن حتى هذا الميدان الضيق نفسه لم يكن كله خاليا لمجاهدينا، ليصلوا فيه وحدهم، فقد كانت تعوق حركتهم جموع المهاجرين الحاشدة المتلاطمة في فوضى لا نظير لها.. في هذه الكيلومترات القليلة كان على قواتنا الباقية معنا، والتي لم تكن تزيد عن 200 مجاهد، أن تقوم بمهمة مزدوجة، مهاجمة العدو، ومساعدة المهاجرين إلينا أملا في النجاة، ارتقابا لمعجزة النصر.. كان عليها أن تنظم تدفق الإسبان في دفاع مستميت.. لقد كانت طائراتهم تلقي قنابلها الشديدة الانفجار والمحرقة في جنون ينم عن فزع قاتل يصور لها أننا لن نلبث أن نرد العدوان بهجوم مضاد أقوى وأقسى.. لم يكونوا يعرفون أنه ليس معنا سوى 200 فقط من المهاجرين المقاتلين، ولكن رعبهم صور لهم أن عشرات الألوف من شعبنا لا يمكن أن يكونوا قد هربوا من فكي كماشة قواتهم الزاحفة للإطباق علينا من الشمال والجنوب..”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!