في الأكشاك هذا الأسبوع

انتصار “دولة” مستشاري الملك وهزيمة “الدولة” في المغرب

في حسابات كشفها بن كيران وتابعها الغرب في تقاريره السرية

إعداد: عبد الحميد العوني 

   انتصار الملك في المغرب لم يكن انتصارا عبر “حكومته” وإنما عبر “مستشاريه” الذين تحولوا إلى “دولة” في إشارة قوية لبن كيران قبل انتخابات تهدد بعدم عودته إلى رئاسة الحكومة، واختار العثماني المكان المناسب مفضلا القول، إن الملك من يحرس الانتخابات، ويمنع الخارج من التدخل فيها.

   ورشح بن كيران اسم الرميد لخلافته، وترك لنفسه هامش المناورة لقيادة ولاية ثانية، لأن رياح المناخ الإقليمي تسير في صالحه.

   والمفاجئ أن السعودية، في شخص الملك سلمان، لم تمانع في أي لحظة من مواصلة بن كيران لمهمته، لأن سقوطه إشارة سلبية لحزب الإصلاح في اليمن بأن الحكومة بعيدة عنه، وهذا ليس حقيقيا كما نقلت التقارير عن ولي ولي العهد، محمد بن سلمان الذي انتصر لصناديق الاقتراع في المغرب على الأقل مرتين في زيارته لواشنطن، وقالها صراحة في باريس عندما أشار إلى تونس، وهو يقول: “إن المغرب بتحكيم الملوك أكثر نجاعة من تجربة التحكيم المدني”.

   وهو ما فرض على باريس أن تسرب تقريرا سريا دعا فيه الملك المغربي مستشاريه إلى رفع أيديهم عن أي حزب داخل الحكومة أوخارجها، وأن مسؤولية الانتخابات مسؤولية وزير الداخلية شخصيا أمام الملك، ولا يمكن السماح باستغلال حزب العدالة والتنمية لرئاسة الحكومة وقيادته للبلديات الكبرى كما لن تسمح الدولة لنفسها بأي تدخل لموازنة هذه القوة المفترضة للإسلاميين.

   وبهذه الخطوة، يعتقد التقرير أن الملك ينتصر على مستشاريه، وفي جملة موحية من التقرير يقول: لن تبدأ “دولة” مستشاري الملك في السابع من أكتوبر القادم.

المغرب الرسمي يدفن كل آثار لحراك 20 فبراير

   ليس هناك إجماع على أن رئاسة حزب العدالة والتنمية للحكومة الحالية من آثار 20 فبراير، ووزارة العدل تحت قيادة وزير شارك في بداية الحراك تغلق هذا القوس نهائيا، وأغلقت السلطات عشية نهاية حكومة بن كيران ملف الشهيد عماري، وبهذه الخطوة تنهي الدولة نتائج الحراك المغربي بطريقة سياسية وقضائية ومؤسساتية.

   وفي ندوة 13 يونيو 2016 بمقر العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان، إثر صدور الغرفة الجنحية باستئنافية آسفي يوم 8 يونيو 2016 لقرارها الذي أبقى قرار قاضي التحقيق بذات المحكمة، والقاضي بـ “غير المتابعة” الذي أصدره في 14 مارس 2016.

   وتحت قيادة وزير العدالة والتنمية، مصطفى الرميد، الوحيد الذي حضر جنازة عبد السلام ياسين، أقفلت السلطات “ملف العماري”، شهيد الجماعة، وشهيد حركة 20 فبراير.

   وفي هذا السياق، تكون الدولة قد قررت طي صفحة “الحراك” وأثره، والمؤسسات المنتخبة لن تكون تحت ضغط “الشارع”.

   ومحاولة البعض تقليل تأثير الدولة داخل الدولة، أو الحكومة الموازية، أو حكومة الظل لا تزال سارية، فيما لن يقود حزب العدالة والتنمية عمليا هذه المعركة، وإن قررها بأشكال منبرية.

   وقرار الدولة المركزي يواجه الهامش، لأن الحراك في نظر جماعة العدل والإحسان وبعض التنظيرات محكوم بخلاصات منها:

   ـ أن أسباب الربيع العربي لا تزال موجودة.

   ـ الشعوب تجاوزت عقدة الخوف.

   ـ إرساء التحالفات السياسية وليست الإيديولوجية.

   ـ الترددات المتوالية للحراك في مواعيد أخرى، لكن كل الحسابات المضادة للنظام فرضت:

   1 ـ تجاوز “الإيديولوجي”، ووحدت الصف النقابي، وعاد عبد الحميد أمين ورفاقه إلى الاتحاد المغربي للشغل، وانتهت الأثار الإيديولوجية لحركة 20 فبراير في الصف العمالي، بشكل شبه كامل، وعادت المؤسسات إلى ما قبل الحراك وإلى معادلاتها المألوفة.

   2 ـ تجاوز الإيديولوجي في علاقات النهج الديمقراطي، ممثل “اليسار المتطرف” كما يوصف عند أنصار النظام، وجماعة العدل والإحسان، ذهب إلى خفض العتبة الانتخابية والانتصار لخيار وسط بين الدولة واليسار الجذري، وسحب النظام البساط من جماعة العدل والإحسان، كما انتهى إلى إدماج جزئي لليسار الراديكالي من خلال تياره الأمازيغي أو الديمقراطي المحتكم لصناديق الاقتراع، وأيضا من خلال توجهه النقابي الذي  يحتكم إلى النضال العمالي.

   وصبت الحسابات في صالح “دول القرارات”، كما سماها عبد الإله بن كيران بعيدا عن الحكومة التي تعد جزءا من الدولة، ووجدت حسابات الدولة العميقة نفسها أخيرا في مستشاري الملك والاستخبارات ومختلف الأجهزة الأمنية.

خفض العتبة في السابع من أكتوبر لصالح فيدرالية اليسار، وعودة اليسار الراديكالي المساند لحراك 20 فبراير إلى النقابات إجراءان خدما إعادة ترتيب أوراق اليسار الجذري بعيدا عن تحالفه مع جماعة العدل والإحسان

   تبدو الخطوط الحمراء على الشكل التالي:

   أ ـ تحالف جماعة العدل والإحسان واليسار الراديكالي كي لا يعود المحركان الإيديولوجيان لحراك 20 فبراير وتكون له استراتيجية جديدة.

   ب ـ تحالف الاتحاد الاشتراكي وحزب العدالة والتنمية كي لا يكون للتناوب استراتيجية داخل المؤسسات تقضي على مراكز القرار المختلفة وتوحد القرار في الحكومة لا غير.

   وتجاوزت الإدارة خطين شديدي الحساسية:

   1ـ تحالف النقابات وحراك 20 فبراير، عبر المكون اليساري الجذري، لم يعد هذا مخيفا، بما يدل على دفن مرحلة 20 فبراير وسيناريوهات إنهاضها مجددا.

    2ـ تحالف سياسي واسع يؤسس لمعارضة وطنية شاملة، تحت قيادة الجمهوريين الإسلاميين في جماعة العدل والإحسان والنهج الديمقراطي.

وصف حكومة الظل بـ”دولة” من طرف رئيس الحكومة لا يؤشر إلى دولة في الدولة، لأنها دولة ليست موازية للقصر، وليست حكومة موازية لحكومة بن كيران، بل “دولة” وسيطة بين الملك والحكومة وهو ما دفع بن كيران إلى التصريح وليس التلميح بصعوبة المشهد، بل سبب تصريحه في كارثة دولية سببت في: المس بمصداقية الحكم الذاتي في أي سيناريو لحل قضية الصحراء، فالهيكلة المؤسساتية المغربية وهندستها لا تقبل مثل هذه الخطوة الفائقة الحساسية

   لم يعد الأمر منصبا على دور مستشاري الملك كمناصب غير دستورية في دستور 2011، بل تعداه إلى توصيف آخر يجعل بين الملك ورئيس الحكومة “دولة” ليست بالضرورة “دولة في الدولة” أو “الدولة الموازية”، بل جهازا تضخم عن حدوده في تنزيل دستور 2011، وسببت هذه التطورات بعد تنازل بن كيران عن صلاحياته في ملء الفراغ، ويمكن (الانسحاب) من بعض النطاقات لصالح رئيس حكومة آخر.

   ليس هناك معنى “دولاتيا” في سياسة بن كيران، كي يقر الغرب أن ما يعيشه المغرب أزمة دولة، بعد تصريحات صادمة لرئيس حكومته، لأن انتقال المغرب من حكومة ظل إلى دولة في الظل، ينبئ أن المملكة على خط الدولة الفاشلة، فهي لم تتمكن من قبول “رقابة دولية” على إقليم متعته بالحكم الذاتي، ورفضت توسيع “المينورسو” لمراقبة حقوق الإنسان، وفي مرحلة ثانية، لم تقم بأي خطوة دستورية أو مؤسساتية لإطلاق هذه المبادرة في المؤسسات أو على صعيد الوثيقة الدستورية.

   من جهة، تريد الدولة إدارة حكم ذاتي على المقاس وأطلقت نموذجا تنمويا تتقدمه المقاولات العامة في الصحراء في ظل فشل يقره تقرير المجلس الأعلى للحسابات، ويتنافس الملك ورئيس حكومته على من يعين في المقاولات العمومية الكبرى “المريضة” حسب خلاصات إدريس جطو.

   من جهة أخرى، توصي الدولة نفسها عبر قضاة المجلس الأعلى للحسابات بالخروج النهائي من القطاعات التجارية التنافسية، وخوصصة بعض المقاولات العمومية المفلسة، وإدماج بعضها، وبدأت الحكومة بوكالة للطاقة المستديمة، ووكالة للسلامة الطرقية، وعمل الوكالات قد يأخذ أبعادا مندمجة لكنها ليست أساليب تدبير جديدة، كما يعول البعض عليها.

   وفي هذا الصدد، فإن تفحص الاختيارات الاقتصادية لن يكون ليبراليا دون ليبرالية سياسية مكثفة وواضحة وذات مصداقية لالتزامها بـ “المعايير الدولية”، وهو الالتزام المجتزئ وغير المرغوب فيه لإطلاق حكم ذاتي في الصحراء مثلا، ويسري هذا الوضع على باقي خيارات المملكة، فالدولة “الوسطية” أو “الوكيلة” ذهبت بعيدا أو سمح لها بن كيران بذلك.

   ومن الخطورة القول في خلاصات غربية:

   ـ أن “الدولة الوكيلة” بين القصر والحكومة لن تقدم على خطوة الحكم الذاتي، وهناك مراجعة تقول بالعودة إلى الاستفتاء لحل المشكل، وهي إلى الآن، اتهامات من حزب الاستقلال لحزب الأصالة والمعاصرة، وقبلها يمكن مواصلة الصمود إلى آخر المطاف في خيار الاندماج، فإن لم تتمكن الرباط منه ستقبل “خيار الحسن الثاني” لحل مشكل الصحراء.

  ـ أن “الدولة الوكيلة” في دستور 2011، أقوى من “حكومة الظل” في عهد الملك الراحل.

   ـ أن خوف دولة رسمية أو أصيلة من “دولة وكيلة” في مقابل حكومة نابعة من صناديق الاقتراع، يذهب بعيدا بين مختلف الفئات، ويتخوف رجال الأعمال من طلاق الجميع لـ”دولة الزبونية” والانفتاح على خيارات ليبرالية واسعة في ولاية ثانية، و”لبرلة” التنافسية، ستكون لها مفاعيل أخرى من واقع أن ما هو مقترح يهدد “الاقتصاد الزبوني” في المملكة بعد وضوح “الاقتصاد الريعي”، وفي مرحلة ثانية، يمكن خروج صندوق الإيداع والتدبير من القطاعات التنافسية:   العقار والسياحة وغيرها.

   ويعارض حزب الأصالة والمعاصرة إلى جانب الاتحاد الاشتراكي الذي ضخ الملايير في حكومته لإنقاذ أبناك ومؤسسات مفلسة “الخيار الليبرالي” لحزب العدالة والتنمية الذي يجرب “الطريق التاتشيري” (المنسوب لمارغريت تاتشر والمعروف بالليبرالية القصوى أو إلترا ليبرالية) قبل تقويمه وفتح السوق المغربي على مصراعيه، والخيار الليبرالي في الاقتصاد يجر لمسيرة سياسية تكرس النهج الحر، ويمثل حزب العدالة والتنمية وجها آخر في اللعبة يضرب استراتيجيا “تحكم الدولة”.

الانقسام قائم داخل المستشارين الاقتصاديين للملك، فالقباج الراغب في استثمارات في غرب إفريقيا، والزناكي المنفتح على التجربة الخليجية متأثران بمواصلة الخيار الليبرالي في الاقتصاد، وإلى جانبهم بن كيران، ولم يتمكن الداعمون للدولة ـ القوية ـ من التخلي عن المهام التدبيرية للقطاع العام للحفاظ على قدرة التدخل “التقليدي للنظام” في الاقتصاد والسياسة

   أعادت حكومة بن كيران التوازنات الماكرواقتصادية دون فرض أي سياسة تقشفية عكس ما كان في ثمانينات القرن الماضي، لكن تحسن المؤشرات (خفض عجز الميزانية من 7.5 إلى 3.5 سنة 2016 وانتقال عجز الحساب التجاري لميزان الآداءات من 10 في المائة إلى 2 في المائة، وخفض نسبة التضخم من 2.3 إلى 1.2 في المائة) لم تؤثر جديا على مبادرتها الاجتماعية، المعززة بـ 13 مليار درهم.

   وتحويل المغرب إلى “جاذب” للاستثمارات، دفع البعض إلى فرملة الرساميل الخليجية إليه بتفجير مشكل “لاسمير” وتأجيل الأبناك “الإسلامية” إلى ما بعد الانتخابات البرلمانية، وانتهى الوضع إلى خنق المقاولة من خلال تراجع الأبناك عن سياسة توزيع القروض، تفاديا لأي مجازفة.

   والحفاظ على الفوائد البنكية بين 6 و7 في المائة رغم خفض معدلها الأساسي من طرف بنك المغرب يكشف أن القرار السياسي، هو ما دفع بن كيران إلى تمييز حكومته “الرسمية” عن “دولة القرارات”.

   هذه الوضعية تدفع إلى عدم نعت حكومة بن كيران بالفاشلة أو الناجحة على الأقل، لكنها سببت في الوصول إلى حقيقة “الوضع السلطوي” في المغرب، ولا يطلب حزب العدالة والتنمية بتسوية هذا الوضع، بل بتسوية معه، دون التفكير في “حداثة اقتصادية” أو العمل على تحديث قطاعات أخرى.

   ولا يمكن بأي حال الذهاب بعيدا في اقتصاد ليبرالي أكثر، أو توسيع الاستثمارات المغربية في غرب إفريقيا أو توسيع الشراكة الخليجية ـ المغربية دون متابعة نفس الأسلوب، وبشكل يوجد الحلول الخاصة بالسوق المغربية.

   إن دولة المائتي مقاولة عامة، لا تنتج وترفض تحديثها، مؤهلة لمتابعة الطريق إلى نهايته، لأن المقاولات الخاصة تريد قروضا أكثر، وبتسييل الخط الائتماني للدولة من طرف الأبناك العالمية تكون المقاولة والدولة على نفس الدرجة من “شراهة” المديونية.

   إن عملية الاستدانة أكثر والتي تؤسس للنظرة الحالية في القطاع العام والخاص،  تربط مصير المغرب بالخارج، وهي خطة أخرى لتسهيل الضغط على المملكة بعد محاولتها، في الفترة الأخيرة، نهج سياسة أكثر تصلبا في ملف الصحراء.

   وإغراق الدولة الرسمية في الديون (64 في المائة من ناتجها الخام) واحتكار الدولة الوسيطة بين الملك ورئيس الحكومة على القرار دون إصلاح المقاولات العامة، يفضي إلى نتيجة واحدة: المزيد من الديون والمزيد من الارتهان للخارج.

   ما يقع أن الدولة “الزبونة” من رجال الأعمال الذين ينتظرون ريع الدولة للاستفادة من الاستثمارات، وإلى جانبهم رجال القرار الأمني والقرار السياسي متحدون في وجهة واحدة ترمي إلى تحميل رئيس الحكومة كل المسؤولية، وهي الساعية إلى تدوير نموذجها مستفيدة من الإجراءات اللاشعبية التي قامت بها الحكومة الحالية وحسب تقرير غربي: “لا يمكن البناء على نهج أكثر ليبرالية في المغرب بعد السابع من أكتوبر القادم”، وناقش كل الحالات المتوقعة ومنها، ولاية ثانية لبن كيران، حيث سيتراجع عن حربه ضد الدولة الوسيطة أو دولة القرارات بتعبيره، كي يتمكن من مواصلة سياسته، وهذه التراجعات التكتيكية لرئيس الحكومة الحالي، تشكل عرفا دائما ومتصلا بشخص بن كيران نفسه ولو أدى الأمر إلى اعتذار.

   وفي حالة ثانية، يمكن الجزم أن تشكيل حزب العدالة والتنمية لأي حكومة قادمة ستكون سهلة ولن تطول المفاوضات بشأن الخيارات والحلفاء، ولن يكون فضل لأول مرة لمستشاري الملك في ميلاد حكومة، بل في ترجيح اسم عن آخر من الحزب الفائز لرئاستها.

   والفرصة مواتية لاختيار الملك لاسم من الحزب الفائز بعيدا عن أمينه العام، لكن هذه الضربة ستكون قاسية، ويعمل بن كيران في خرجاته ضد ما سماها “الدولة غير الرسمية” على محاولة إبقاء العرف الجاري بتعيين الملك للأمين العام  للحزب الأول في الاستحقاقات البرلمانية، ولا يمكن القول إن النتيجة المالية للحكومة ليست لحزب العدالة والتنمية بقدر ما هي لحزب الاستقلال والأحرار، وإن كانت القرارات موكولة لرئيس الحكومة.

   ومن المخيف للشركات أن تعاد “فلترة ” النتائج لأن 96 في المائة من الضريبة على الشركات تؤديها 4 شركات فقط، وهي شركات عمومية.

   ويخاف الاتحاد العام لمقاولات المغرب من المساس بهذا الفساد الممنهج تحت أي عنوان، وهذا ينطبق على ملف الحملات الاجتماعية، ولا يمكن في كل الأحوال دفع المقاولات إلى طاولة الحوار الاجتماعي وحزب العدالة والتنمية ضاغط بقوة على النقابات، ويمكن الجزم بالتقديرات الغربية التي لا تقول: “لا ليبرالية اقتصادية بعد بن كيران”.

 الإغراق الليبرالي لدولة الريع السياسي والاقتصادي

   بالحرية يمكن إغراق دولة “الريع” التي تحتكر القرار السياسي، ويمكن محوها أيضا، وهي تحاول أن تمول نفسها من القطاع العام، ومهمة الحكومة القادمة أن تحاصر ما تجب محاصرته فقط بتريث وروية يخشاها أصحاب المقاولات من واقعين: الأبناك التجارية تخاف من القطاع الخاص، ولا يمكن لإجراءات بنك المغرب أن تذهب إلى استقلالية تعزله أكثر عن أجندة الحكومة.

   وفي هذا الإطار، من المهم أن تكون حكومة يرأسها إسلامي بدون أبناك إسلامية، وهذه الخلاصة نهائية للقول أن السند البورصي والمالي لتجربة بن كيران، محصور ومستهدف إلى حد بعيد، ولا يمكن التنبؤ بحرية في الحركة، فملف الصحراء وملف الاقتصاد يكشفان حجم النفوذ على القرار.

   ولا يزال النظام معتمدا على شبكاته الزبونية التي انتقدها الفرنسيون أخيرا رغم استفادتهم الكبيرة والتاريخية من النمط المغربي.

   ويحاول الفرنسيون إطباق سيطرتهم على تقدم الرأسمال الاستثماري المغربي في غرب إفريقيا لكن محاولتهم ليست ناجحة بالضرورة، وبدأت حرب “مواقع ورساميل” في ساحل العاج تراجعت فيها باريس بـ 52 في المائة، وهو رقم مهول ومخيف.

التقرير يصل إلى خلاصتين خطيرتين: النظام يتخوف من حكومة يرأسها إسلامي مع أبناك إسلامية، والأبناك التجارية المغربية المستثمرة في غرب إفريقيا أوقفت التمويل عن القطاع الخاص في بلدها الأصلي

   تحاول دوائر في النظام تسويق عجز السيولة البنكية التي التهمتها استثمارات غرب إفريقيا بأنها عجز حكومي، ومن المخيف حقا أن تنطلق الأبناك الإسلامية في هذا الظرف الحرج، وتأكل السوق دفعة واحدة.

   ويمكن تأجيل الخطوة، لكنها تبقى ضرورة لأن أزمة السيولة الاستثمارية ستستمر، ومن تم يجب إيجاد حل لمشكل تعثر القروض بالنسبة للمقاولات، وقد تأخذ المسألة أبعادا غير مسبوقة.

   ويدفع الجميع الحكومة إلى شفا أزمة مالية وأخرى اجتماعية من النقابات لإسقاط شعبية حزب العدالة والتنمية.

أزمة تعثر القروض مع المقاولات وأزمة صناديق التقاعد مع النقابات لإسقاط حزب العدالة والتنمية أزمتان تذكران بما وقع في مصر

   لن تستفيد سوى الرساميل المغربية التي لديها محافظ خارجية إن تطور خط الأزمة “المتحكم فيه”، لأن تعثر القروض مع المقاولات وأزمة صناديق التقاعد مع النقابات يدفع إلى تبني السيناريو المصري في إسقاط الإسلاميين من الحكومة.

   وإلى الآن، لا يمكن التحكم في الآثار الجانبية لهذه التقديرات الجديدة التي قد تضع الحكومة القادمة في حالة ارتخاء شديد يمنع من مواصلة الإصلاحات في موضوع الشركات التي تعيش من استثمارات الدولة دون جهد.

   وكان واضحا منذ البداية، أن “الاستثمارات العمومية” شكلت اللوبي الذي يوجه دفة القرار، ولا يمكن حاليا الرجوع إلى الخلف، فالمقاولات مضطرة في أزمة القروض أن تغير من طرق تدبيرها، وإن لم تتمكن حكومة بن كيران من إصلاح ضريبي يفيدها، فإن إجراءات الحكومة القادمة ستكون “متشددة” لأن الظرف الاقتصادي يفرض هذه المعادلة.

   وبالنسبة لحكومة بن كيران فهي تدفع كل الفواتير مرة واحدة، ويحدث في المغرب ما وقع بين الشركات الخاصة والإخوان في مصر، لأن الدولة داخل الدولة ليست سوى الدولة التي احتكرها الجيش، وله شركاته ورأسماله ودبلوماسيته.

أخيرا، بن كيران يدافع عن “الدولة” وليس “النظام”

   منذ بداية عهدته، وبن كيران يدافع عن النظام والملك على رأسه، لكن الدفاع عن الملك الذي يرأس الدولة “الرسمية”، حفز رئيس الحكومة على رفض اللوبيات أو “التماسيح” التي وصفها أخيرا بدولة القرارات، وهذه الدولة الوكيلة وغير الأصيلة أو “الدولة في الدولة” كما فضل الإعلام تداولها دخلت في حرب مباشرة وليس بالوكالة فقط لتغيير الوضع الحالي.

   وبدا الوضع، وكأن حزب العدالة والتنمية يدافع عن الدولة وليس النظام، في قفزة لها ثمنها بالتأكيد.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!