في الأكشاك هذا الأسبوع

الرواية البنكيرانية بين دولة المؤسسات ودولة القرارات

نور الدين الطويليع. الأسبوع

   في خرجة مثيرة وبعد ما يزيد عن أربع سنوات من تقمص دور البطل الخارق ذي المواقف الفريدة التي لم يأت بمثلها أحد من العالمين، رمى رئيس الحكومة قناع الممثل جانبا، ليقولها صريحة واضحة ويعلن على رؤوس الأشهاد أن المغرب تتوزعه دولتان: دولة الملك والمؤسسات، ودولة القرارات والتعيينات، ويذهب بعيدا وهو ينفي علمه بطريقة اشتغال الدولة الفاعلة صاحبة القرار، نفي العالم المستنكر، لا نفي الجاهل الذي تعوزه المعرفة.

   بهذا التصريح، أطلق رئيس الحكومة رصاصة الرحمة على مغرب المؤسسات الذي يصوره هاهنا كما لو كان كاميرا خفية توهم الناظر بماء التغيير، ليكتشف مع سيادته أنه ضحية مقلب كبير، وأن ما توهمه ماء ليس سوى سراب، وأن هذه المؤسسات القائمة هنا وهناك، ليس لها أي دور سوى استنزاف المال العام ولعب دور المجمل بتبني قرارات الآخرين اعتمادا على توصياتهم.

   أمام هذا التصريح الخطير، أود أن أسائل رئيس الحكومة الذي اعترف بصوريته وشكليته عن سبب سكوته حينا من الدهر، ورضاه بوضع المعلقة التي مالوا عنها كل الميل وتركوها عرضة للإقصاء واللااعتبار، أين هو وعدك الذي قطعته على نفسك، وعاهدت بموجبه المغاربة بأن تضع المفاتيح وتغادر الحكومة بمجرد أن يعترض سبيلك وسبيل قراراتك أحد مهما علا شأنه وسمت قيمته؟

   لأنك حدثتنا بأن عملك هو مع الله سبحانه، وبأنك مؤمن بالله وحده، تسعى للجنة ولا تريد شيئا من حطام الدنيا الزائل، لأنك قدمت نفسك بهذه الصفات، صدقناك وأنت تتحدث عن نفسك طيلة سنوات كرئيس حكومة قوي، تملك صلاحيات الرجل الثاني في هرم السلطة، ولم نشأ أن نكذبك أو نتهمك بممارسة الدجل والتدليس وإخفاء الحقيقة، وذهب بعضنا بعيدا فوصفك بالبلدوزر الذي يدوس كل من يقف في وجه قراراته، لتخلط علينا الأوراق خلطا يجعلنا نقف حائرين بين أن نصدق رواية بن كيران القوي، أو نصدق رواية بن كيران الضعيف الخائر القوى، لا سيما وأن معنى الحديث الشريف يقف ماثلا في ظل هذه الحيرة المثيرة “المؤمن لا يكذب”، وأنت لا شك صادق في واحدة، كاذب في الأخرى، ولا يهمنا هنا أين كذبت ومتى صدقت بقدر ما يعنينا هذا الاستغلال الفظيع للدين وللإيمان وللجنة في سياق التطاحن السياسي.

   اسمح لي سيدي أن أقول لك بأنك لعبت في الشوط بدل الضائع، لايهم إن كنت صادقا أم كاذبا فيما قلت، مادمت قد أظهرت حقيقتك كإنسان يعبر عن رضاه بالواقع السياسي المغربي، ويتحدث بعنجهية عن سلطته علينا كرئيس حكومة، وعن وجوب احترام المؤسسات كلما بسطوا له أيديهم، وأعطوه إشارة الولاية الثانية، ويشنف أسماعنا بحديث السمن والعسل وحكاية العسل على العسل في العلاقة مع المؤسسة الملكية التي أظهرتها الآن في موقف المسلوب من قراره، الخاضع لدولة القرارات والتعيينات، لا لشيء إلا لأنهم منعوا وزراء حزبك من تنظيم المهرجانات وأطبقوا على حزبك الحصار حتى لا يكون له امتداد أو علاقات خارجية.

   نعم سيدي، لو قايدوك على أن تبقى في رئاسة الحكومة حتى تلحق روحك ببارئها، بقاء صوريا شكليا، تتمتع فيه بهالة الحكم، وتمارس علينا من خلالها ساديتك وترسل عبرها قهقهاتك الشامتة المتشفية في وضعنا، دون أن تكون لك أي سلطة حقيقية، ودون أن تتخذ قرارا واحدا بإرادتك.. لو قايدوك على هذا لظللت تسبح بحمدهم، ولرميت كل من قال بمثل ما صرحت به أنت الآن بتهمة خدمة أجندات أعداء الوطن والتآمر على مؤسسات الدولة وجر البلد نحو الفتنة، ولوصفته بأقدح النعوت والصفات، ولطالبت بالتبرؤ منه وبمحاكمته، لكن بما أنهم أعطوك إشارة مغادرة الخيمة الحكومية فلتنزل بمعاولك عليهم، ولتشكك في مؤسساتهم، ولتحرض شبيبة حزبك لتبري أقلامها من أجل محاربتهم في مواقع التواصل الاجتماعي، ولتمارس خطاب المعارضة الراديكالية التي لا تؤمن بالمؤسسات رغم وجودك على رأس واحدة منها، حقا سيدي جسدت مشهدا من مشاهد مسرح اللامعقول بكل إتقان، وحق لمؤسسي هذا المسرح أن يفتخروا بإنجاب ممثل من طينتك.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!