القصة السرية لانسحاب الجيش المغربي من حرب اليمن

إعداد: عبد الحميد العوني 

   أوقفت قوات النخبة المغربية عملياتها “الهجومية” في اليمن، وإن واصلت دعمها الاستخباري للقوات الإماراتية على الأرض، وفي محاورها المختلفة، كجزء من تعاون الرباط وأبو ظبي منذ إعلانه في أكتوبر 2014، وعملت تجريدة هجومية من 1200 عنصر و300 مظلي و200 بحار مع البحرية السعودية، وحسب “يمن بريس”، فإن الفرقاطة المغربية “طارق بن زياد” من طراز “سيغما” دخلت مياه اليمن إلى جانب مختلف التشكيلات القتالية الثلاث (بحرية/ جوية/ أرضية)، وأكد علي عبد الله صالح، الرئيس اليمني في “وثيقة الحرس 27116” عن انسحاب مغربي من العمليات القتالية “الكبرى” دعما لمحادثات الكويت، وجمدت الإمارات العربية المتحدة كل تقدم في الجبهات معلنة نهاية الحرب في تغريدة  للمسؤول الإماراتي النافذ محمد بن زايد، ومؤكدة على مواصلة عملها في القطاع الغربي واستقرار مدينة عدن، ونقل المغاربة جزء من خطط حفظ أمن العاصمة “الرباط” إلى عدن، كما شارك الدرك الذي فكك عصيان العيون (أكديم إزيك) في هذه القطاعات، ويعاني جنوب اليمن وجنوب المغرب من دعوات انفصالية، وتعاون الجانب السعودي ببرغماتية حادة مع دعوات انفصال جنوب اليمن في محاربته للحوثيين.

الرواية المغربية للتدخل تكشف عن قوات لدعم السعوديين وأخرى للعمل مع الإماراتيين في حرب واحدة

   نشرت جريدة “الصباح” المغربية (4 دجنبر الماضي) عن مشاركة 1500 جندي من قوات النخبة في حرب اليمن، وأوردت مشاركة “الدرك” في هذه القوات، ونقلت “غولف نيوز”(1) العدد دون تعليق، لكن تلفزيون الشارقة أظهر العناصر المغربية المشاركة في قطاع الجو على ظهر طائرات محملة بصواريخ جو ـ أرض من طراز “جدام” لتحييد الدفاعات من قاعدة في الطائف، فيما تسرب أن عناصر الدرك المغربي في قاعدة الملك خالد.

   ويبدو أن الرباط تدخلت لدعم شريكيها الإماراتي والسعودي في عملياتهما خارج الحدود دون أن تشارك المملكة في استراتيجية تكفل “مشاركتها الخاصة” من داخل التحالف العربي فوق الأراضي اليمنية.

   وبوصول عدد الجنود المغاربة المقاتلين في اليمن إلى 1720 عنصرا، فإن مشاركة الرباط لم تصل إلى المشاركة السنغالية ( 210 جندي)، وهي لا ترتبط مع الخليجيين بنفس ما يرتبط به المغرب، وحددت المملكة الشريفة مشاركتها الجوية في 6 طائرات من أصل 24 “ف 16″، أي حوالي 25 في المائة من هذا السلاح الأمريكي، فيما لا تتجاوز مشاركتها 5 في المائة من طاقتها الجوية التي تضم الميراج “ف 1” وباقي المقاتلات.

   وبعيدا عما نشرته وسائل الإعلام المغربية عن تعاون مع الأمريكيين في اليمن واستثمار تدريبات مظليين في طانطان و”سيد لكرن” لهذه الغاية، بعد لقاء بوشعيب عروب مع المكلفة بالقوة الجوية الأمريكية “ديبور لي جيمس”، فإن الموقع المتخصص، “آير فورس تايمز” قال بأن المخابرات السعودية سيطرت على العمليات في اليمن، وتابعت الولايات المتحدة ضرباتها الجوية في اليمن بشكل “أحادي وظرفي” دون أي تنسيق.

   وقالت “ألمونيتور”: “في اليمن ليست هناك استراتيجية موحدة”(2)، ولا يمكن بالأسلوب المتبع ربح هذه الحرب، وأعلنت “الفورين بوليسي” الأمريكية في ماي الماضي، فشل الحرب على الإرهاب في اليمن(3)، وهو إجماع في الولايات المتحدة، وإن اختلف بعض المحللين في تقييم حرب السعوديين على الحوثيين، وتعلق المجلة على هذه الحرب بأنها “مجرد صرف للأموال وضياع للوقت، وليس هناك شيء يمكن أن نصل إليه”.

   وفي خلاف للرؤيا بين محمد بن زايد، الرجل النافذ في الإمارات العربية المتحدة وولي ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، قرر محمد بن زايد نهاية الحرب في تدوينة على تويتر(4) ومحمد بن سلمان في واشنطن.

   وبين وقف الحرب في تغريدة أو مواصلتها كرغبة شخصية قد تستولي على أراضي يمنية، قال المسؤول الإماراتي: “إن اليمنيين أحرار على أراضيهم”، ويبدو أن “الإدارة غير الرسمية” لحرب اليمن هي السلوك الطبيعي في تكتيكات هذه المواجهة، وتباشر الدول الحليفة نفس الإدارة.

   ويعد انسحاب المغرب من حرب اليمن، “حادثا فعليا وغير رسمي” لطبيعة ما يجري، أي عدم النضج في التعاطي مع هذه المصائر، وقد ربط الغربيون بين سقوط هيليكوبتر إماراتية وقتل طياريها وخسارتها لـ 1.29 مليار دولار في السنة الماضية، وتغريدة محمد بن زايد، كما ربطوا بين زيارة محمد بن سلمان إلى واشنطن والتصعيد الذي قتل في تفجيرات على الطريقة النووية، مدنيين وأطفال.

   إنها حرب تدمير استعملت المعدل الأقصى للطلعات الجوية، تقول “إير فورس تايمز”، إنها الطلعات بالقدر الذي يمكن تخيل استطاعته، وإلى 17 فبراير الماضي، هناك 700 قصة من 3720 استجابة للتدخل، وسحق لوقود الطائرات بلغ 26.591.200 غالون(5)، ومهمة هذه الطائرات هي المتابعة العامة فقط لقصف الطيران السعودي لأهداف في اليمن.

   ولا تتدخل قوات الجو الأمريكي سوى في استهداف تنظيم القاعدة الذي ينشط في المواقع التي تدين للسعوديين وللتحالف، وهذا التعاون محدود حسب “الأسوشد بريس”(6)، ولم يحدث أي تعاون مباشر مع المغرب.

   ولم يشارك المغاربة ضد التنظيم بتنسيق مع الأمريكيين في مدينة المكلا، بل دعموا الإماراتيين المدعومين بوحدة “النخبة 13” الأمريكية، ويتساءل المتابع كيف يغزو تنظيم القاعدة المناطق التي يحتلها التحالف، إلى درجة يمكن القول معها أن تحالفا بين التنظيم والرياض، يسيطر على المنطقة، ولا يقبل الإماراتيون وحلفاؤهم المغاربة استثمار تنظيم القاعدة في الحرب على الحوثيين لأنهم شيعة.

   يقول “دانييل لازار”، إن “أنصار الشريعة” يقاتلون إلى جانب السعوديين ضد الشيعة “الكفرة ” ويتحولون إلى تنظيمهم (القاعدة) في المكلا وفي مناطقهم(7).

   وتلقى الجنود الإماراتيون هجمات انتحارية من القاعدة لرفضهم التحالف الموضوعي الذي فرضته الحرب مع حركة الجنود السعوديين على الأرض، وفي المقابل تلقت الرياض هجمات من “تنظيم الدولة” على الحدود وفي مساجد مدن يمنية وسعودية على حد سواء.

   ولا يمكن القول بحرب المغرب على فرع تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، أو بتعاون أمريكي ـ مغربي في إنتاج النموذج الجديد لهزيمة القاعدة، كما قال به خبراء الولايات المتحدة(8)، وقد زاوج منذ البداية بين العمليات الخاصة المباشرة وطائرات بدون طيار”الدرون”.

   وأثارت العملية المغربية في اليمن الفرنسيين، وعارضتها كل من الجزائر وإسبانيا، فالرباط تمكنت من تمرين عناصرها في ظل الإمكانيات المالية والآليات  (الجيدة) في وقت قالت فيه باريس وعبر قائد الأركان “بيير فيليير”(9): “إن ليس لدى فرنسا الإمكانيات المالية ولا الآليات لتوسيع عملياتها في إفريقيا، وهو ما دفعها إلى تسليم 2000 ملف مصور لأبوجا أخيرا، من أجل “الموت التقني” لبوكو حرام، وإلى تقوية تنسيقها مع موريتانيا كما لم يحدث من قبل، وهو ما أثر على المغرب ودفعه إلى أصدقائه الخليجيين.

 هل استفاد المغرب من تكتيكات حرب اليمن؟

   بين نظرة سلبية للغاية من طرف الغربيين، تكاد تجعل “حرب اليمن” عارية من أي معنى تكتيكي، يجد الخليجيون الذين لم يحاربوا، منذ بداية القرن الماضي، رغم أنها غير مؤثرة على جيش مغربي حارب “حرب العصابات” من 1976 إلى 1991، وحاول أن يقوم بتحديدات على جيشه، مستفيدا من الآليات المتواجدة عند أشقائه الخليجيين، وتجمل “غولف نيوز”(10) هذه التكتيكات في:

   ـ إعادة الحيوية إلى الجيوش المشاركة.

   ـ تطوير القوة على الأرض من استخدام المخزونات الموجودة من مناطق بعيدة أو قريبة، والحفاظ على اللوجستيك العالي في كل لحظات القتال.

   ـ المواجهة الشرسة لمدة طويلة، كما يقول الجنرال يسري قنديل.

   ـ إعادة الانتشار والتراجعات والتقدم حول هدف مركز: صنعاء، لكن عدم إسقاط العاصمة جعل هذه التكتيكات فارغة المعنى، لأن الجنرال “مونيم كاتو” اعتبر الحرب اليمنية غير متواصلة وتدور بشكل مرحلي وإن بهدف واضح: الوصول إلى صنعاء، لكن ما طرحه متخصصون في مارس الماضي(11)، فرض خلاصة مفادها أن سلاح المدفعية خلق المناورة، وأدار كل التكتيكات على الأرض، وأعاد لهذا السلاح دوره المحوري في كل معركة في المنطقة العربية التي لا تمتلك تقنية طيران “جراحي”، فالمسألة قد تتعلق في النهاية بجيش غير معترف به (قوات صالح) مع ميليشيات في الجانب اليمني، وجيوش معترف بها تحولت تحت قيادة السعودية إلى ميليشيات في قتالها الميداني.

   وتبدو تكتيكات حرب اليمن متواضعة لأي جيش عصري، بالإضافة إلى طبيعتها المعقدة التي أسست لدعوة بعض أصوات العائلة الحاكمة السعودية في “الغارديان”، إلى اجتماع عاجل للعائلة من الأكبر سنا، بندر، إلى الأصغر سنا، مقرن، كي تتجاوز السعودية مأزقها، وهو ما ذكر الجميع بانقلاب القصور عام 1964.

   وجاء انسحاب المغرب غير الرسمي، وغير الكامل بعد التطورات الدرامية الأخيرة في ملف اليمن، لخشية الرباط من ضمها إلى حظر الأسلحة ضد كل دول التحالف المشاركة في الحرب، و”المتورطة”، حسب منظمات حقوق الإنسان في جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية، وما يخفف من وضع المغرب في اللائحة السوداء، هو تورط السلاح الأمريكي، ولوحده في المجازر التي ذهب ضحيتها مدنيون، والحادثة التي نشرتها “الواشنطن بوست ” وزميلاتها، ومن تحقيقات “هيومن رايتس ووتش”، عن الصاروخ الموجه “جي. بي. يو 31” المكون من “إم. كا. 84″ والمزود بـ 2000 قنبلة موجهة من”جدام” وعبر الفضاء زادت من سخط الرأي العام الأمريكي لأن كل عناصرها “من صنع واشنطن”.

   وفقدت حرب اليمن شعبيتها، كما لم تعد حربا منسية في أوساط الأمريكيين، ما زاد من صعوبة إدارة مرحلة دفعت الأمم المتحدة إلى إطلاق خارطة طريق لا تأخذ بالمطالب السعودية وتشكك علنا في عودة الرئيس هادي.

   وخسائر حرب اليمن خسائر حربين كبيرتين وأكثر، وهذه العبارة استخدمها الأمير الأردني، زايد بن الحسين، من موقعه الحقوقي، والأردن معادل لمشاركة المغرب في هذه الحرب.

   واستخدام العملية العسكرية في اليمن لما تحتاجه، عمليتين مماثلتين تكشف إلى أي حد وصل فيه مأزق سقوط 6300 ضحية، نصفهم من المدنيين على الأقل.

   ورأت الأوساط الدولية أن المسألة اقتصادية بالنسبة لحلفاء السعودية، فالرياض منحت حلفاءها 22 مليار دولار بين 2011 و2014، منها 1.6 مليار دولار حصلت عليها الرباط، أي أن حوالي 1.5 من الناتج الداخلي الخام للمملكة الشريفة، وإن تبوأ المغرب المرتبة السابعة، فمصر تقدمت كل الحلفاء بـ 6.5 مليار دولار دون أن يطأ جنودها الأرض اليمنية التي كانت “فيتنام” بالنسبة للجيش المصري بين 1962 و1967.

   وساهم في تراجع هذا التحالف، تراجع الفاتورة الاقتصادية، بفعل انخفاض ثمن برميل النفط، والضغط على ميزانية السعودية واللعب على الخلافات من طرف الجزائر وفرنسا.

كيف احتوت الجزائر وفرنسا مشاركة المغرب في حرب اليمن؟

   قال الخبير “لوران بينيفوي” من “مركز الدراسات الدولية”، إن فرنسا حاليا لا تقودها الأسباب الاقتصادية في علاقتها بالسعودية(12)، وتدخلت الجزائر على خط الخلاف في داخل العائلة الحاكمة في السعودية، فهي دعمت ولي العهد محمد بن نايف (وزير الداخلية) المريض جدا، والذي يعيش على المسكنات القوية حسب قناة “إن بي سي”، في مقابل محمد بن سلمان، ولي ولي العهد ووزير الدفاع، ومنذ زيارة محمد بن نايف للجزائر، تطور التنافس بين محمد بن سلمان والرجل النافذ في الإمارات، محمد بن زايد، ولم يعد ممكنا إخفاء ما يجري في هذا الصراع الإقليمي المفتوح.

   ولا تخفى على كل الدول، معارضة إسبانيا والجزائر لمشاركة المغرب في حرب اليمن، وأرادتها فرنسا (تبعية وضعيفة) منذ نقاش المسألة بين فابيوس والملك سلمان(13)، وقال بأن القرار المغربي يجب أن يكون ضمن محادثات حافظت على توازنات الصراع الجزائري ـ المغربي، ودفع المغرب ثمن الاعتراض الفرنسي في حياة طياره، لوجود ترتيبات فرضها الخليجيون على الرباط بضغط من باريس، وأولها، أن واشنطن دعمت الفرنسيين في تحديد المشاركة المغربية في الاستخبار واللوجستيك والعمليات الخاصة، وإن لم يشارك المغرب بطائرات فرنسية، فقد شارك بسلاح أمريكي فرض على العناصر المغربية، العمل على الاستعلام في جولات النهار، فيما أغلب عمليات القصف ليلية، ونفذ الخليجيون عملياتهم الجوية من ارتفاعات شاهقة دفعت إلى قصف عشوائي سبب في خسائر فادحة على مستوى البنية التحتية وفي صفوف المدنيين، وانتقدت واشنطن هذه العمليات، وردت الرياض عبر مسؤولها السابق في المخابرات على هذه الاتهامات، بالقول، أن السلاح الأمريكي المسلم للسعودية محروم من التقنيات، وهو ما كان صدمة للجميع، فالأسلحة التي زودت بها واشنطن الرياض “متخلفة تقنيا”، ووعد أوباما بتزويد هذه الأسلحة بكامل “تقنياتها”، وفي المقابل، تسلمت إسرائيل طائرة “ف 35”.

   ولم يكن المغرب بمنأُى عن صدمة “ف 16″، المنخفضة التقنية وسقطت إحدى طائراته في المواجهة، ودخل إلى جانب الإمارات جوا وبرا، وكذلك إلى جانب السعوديين، لكن هذا التقييم لم يكن منظما، فالعناصر المغربية أجلت إلى جانب الفرنسيين 44 شخصا، كما شاركت في تدمير قواعد الحرس الجمهوري بعد تدمير الدفاعات الجوية، لأن الإمارات كشفت عن عملياتها يوم الجمعة بعد تدمير تشكيلات “السام” الخميس 27/3/ 2015، وشاركت الرباط بعناصرها في ضرب القاعدة (العند).

   وتطورت الطلعات من 35 إلى 50، ثم 80، ثم 120 طلعة في اليوم(14).

   وبمشاركة الرباط في حرب اليمن، حسمت المملكة الشريفة انتماءها إلى الدول المناهضة لثورات الربيع العربي(15)، وشكلت الخطوة هوية جديدة لحركة المغرب في خارطة الشرق وشمال إفريقيا.

   ولا يخلو هذا الانتقال من أبعاد جيوسياسية لحركة الجيش المغربي في حسابات المنطقة وتأثيرها على حساباته في إدارة ملف الصحراء.

الحسابات الجيوسياسية لمشاركة الجيش المغربي في حرب اليمن

   سوغت مشاركة المغرب في حرب اليمن مشاركة مثيلة للشريك السنغالي، وأعطت مشاركة دكار والرباط بعدا جيوسياسيا لتطور ملف الصحراء انتهى باعتراف خليجي بأن الإقليم المتنازع عليه مع البوليساريو جزء من التراب المغربي، واعترف رئيس السنغال، بأن مشاركة بلاده (التزام لجيش بلاده) بمواجهة اللااستقرار كما تقول “دكار أكتويل”(16).

   وانتقد كثير من المحللين الأفارقة هذه الخطوة، لأن اليمن ليست مالي أو إفريقيا الوسطى أو الكونغو أو ساحل العاج، لأن تهديدات السنغال هي “القاعدة” في مالي، و”بوكو حرام” في نيجيريا، النيجر، الكاميرون وتشاد، و”تشيباس” في كينيا، الصومال وأريتيريا، ورفض وزير خارجية السنغال “مانكور ندياني” إرسال جنود سنغاليين إلى مالي، وقبلت دكار بإرسالهم إلى اليمن، يعلق “مامادو موثي باني”.

   والواقع أن الجيشين السنغالي والمغربي لهما خط أحمر واحد: البوليساريو، وإنشاء كيانات جديدة أو فصل اليمن الجنوبي عن اليمن الشمالي في هذا الظرف الحساس من حياة المنطقة، وتعني آليا، تأسيس دولة جنوب المغرب.

   وعارضت دكار والرباط التطور الحثيث للعلاقات الاستخبارية الموريتانية ـ الفرنسية، كما لم يكن أبدا في تاريخ المنطقة، وانفردت واشنطن بخططها لمحاربة الإرهاب بنشرها 300 جندي أمريكي في الكاميرون للمراقبة والاستعلام، كما نشرت واشنطن طائرات لها في نيجيريا، وعرضت فرنسا على نيجيريا أن تكون “دركي إفريقيا” ضد الجهاديين، كي لا تتمكن منظمة “بوكو حرام” من دخول البحيرات الكبرى، وأرادت أن تبيع أبوجا مدرعات خفيفة وطائرات من دون طيار(17).

   وفي هذا التقسيم الجديد للعمل الأمريكي والفرنسي في غرب إفريقيا، ومنطقة البحيرات الكبرى، وتطور العلاقات الموريتانية ـ الفرنسية، لم تجد الرباط ودكار سوى اللعب تحت القيادة السعودية للدفاع عن حساباتهما الإقليمية “الخاصة”، تماما كما تريد الرياض الدفاع عن خارطة خاصة بها قبل أن تثبتها مع الأمريكيين في  زيارة ولي ولي العهد السعودي إلى واشنطن.

الصحراء جزء من المغرب لإكمال خارطته والسعودية استعادت صنافير وتيران من مصر، ووضعت يدها على جزر كمران وبيران وسقسطرة اليمنية، وحسمت الرياض في الأقاليم الترابية الثلاث المتنازع عليها مع اليمن، والتحقت الرباط ، حسب الغربيين، بصفقة إتمام الخرائط في المنطقة

    شارك المغرب بقواته في حرب اليمن التي جاء في نتائجها، اعتراف الخليجيين بالصحراء كجزء من التراب المغربي، وأعادت القاهرة جزر صنافير وتيران وفرعون للسعودية، وأدارت الرياض جزر كمران وبيران وسقسطرة اليمنية، ويتمتع اليمن بواجهة بحرية من 1906 كلم ومساحة 527.970 كيلومتر، وهي قرابة كل فرنسا، وعسكرة المنافذ البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن والبالغة 660 ألف كيلومتر في خدمة تقاسم البحر الأحمر بين القاهرة والرياض، وبهذه الخطوة، ترد القاهرة على إثيوبيا التي واجهت مصر ومست أمنها المائي في سد النهضة، فمست مصر (أمنها البحري) مباشرة.

   وواجهت المملكة السعودية إثيوبيا، “الدركي الأمريكي” في القرن الإفريقي، ودعمت فرنسا خطة المغرب والسيسي ومحمد بن سلمان من قاعدتها في جيبوتي التي هيمنت عليها واشنطن.

   وفي هذه الحسابات، تحرك المغرب إلى جانب 20 باخرة قتالية في خليج عدن، الذي كتب عنه الأميرال “ألفريد ثايسمان” قائلا إنه: “القوة التي تضمن السيطرة البحرية في المحيط الهندي، ويمكن أن يكون عاملا مهيمنا على الساحة الدولية في جيواستراتيجية أمريكية” ( 1840 ـ 1914)(18).

   وأمنت القاهرة خليج عدن، كما لم يحدث في ستينات القرن الماضي في عهد زعيمها جمال عبد الناصر، ودخل المصريون والسعوديون ميناء المُعَلّى، وأدارت الرياض باقي الموانئ.

   وتواجد السعوديون والمصريون في عدن وحولها، والسعوديون والباكستانيون لحراسة المياه الإقليمية اليمنية، وانتفضت مدريد لأن اعتراف الخليجيين بالصحراء كجزء من التراب المغربي، يطرح سؤال المياه الإقليمية، وهي النقطة المثارة بصمت منذ سقوط الهليكوبتر الإسبانية في هذه المياه.

   وعاد مهما لدى مدريد وباريس “انسحاب المغرب” من حرب اليمن، وتقزيم علاقاته بالخليج والسعودية، ووقف تأثير الرياض في البحر الأحمر دون أن يكون شرق إفريقيا بوابة لإعادة رسم خارطة إفريقية جديدة.

   ومن الواجهة البرية، يعد الاجتياح السعودي الثالث من نوعه لليمن، وقبرت “عاصفة الحزم” مطالب اليمن في الأقاليم الثلاثة (عسير، جيزان ونجران)، وتشهد تل أبيب أنها سعودية منذ 1932، ومن خلال “اتفاق الطائف 1934″، ولا يمكن للمغرب حاليا أن يناقش “أي مطلب ترابي لليمن” إن طرحه السعوديون في إطار الوحدة التاريخية والترابية لبلدهم.

   ومن جهة ثانية، قصدت الرياض مشاركة بحرية المغرب في الخارطة الجديدة للسعودية في منطقة البحر الأحمر وعدن، لدعم إقليمها الترابي ومياهها ونفوذها المستحدث، ورغم وجود القاعدة الأمريكية في المنامة (الخامسة)، والمهتمة بالمحيط الهندي، شاركت بحرية المغرب إلى جانب الرياض، ونجد في هذا المثلث القاعدة البريطانية في مسيرة “العمانية”، وتحولت جيبوتي إلى قاعدة فرانكو ـ أمريكية، وهناك قاعدة بحرية فرنسية في أبو ظبي وقاعدة قيادة في قطر و”دييغو غارسيا الأمريكية” (البحرية ـ الجوية).

   ولم تتحرك فرنسا لدعم الخارطة الجديدة للسعودية رغم تواجد قواتها في الإمارات، فيما تعمل الولايات المتحدة على قاعدة جديدة لـ “الدرون” (طائرات من دون طيار) في السعودية وانتهت من نظام راداري في قطر ليكتمل معها قوس مضاد للصواريخ، يضم تركيا وإسرائيل لخنق النفوذ الجديد للرياض.

   ودعم المغرب لخارطة السعودية الجديدة ودعم الرياض لخارطة المغرب، باعتراف الصحراء كجزء منها، ترتيب جيوسياسي دقيق يعتمد على تقاسم المصالح، ويأتي انسحاب المغرب في إطار الحسابات الإقليمية، ويأتي في مقدمتها عدم قبول الإمارات بأي نفوذ جديد للسعودية على اليمن، والحفاظ على خارطة ما قبل الحرب دون أي تشويه، فيما الرياض تطلب تواصلا جيوسياسيا بين حدودها في شمال البحر الأحمر إلى حدود إسرائيل وبين جنوب البحر الأحمر، في تطور يقلب الخارطة من القرن الإفريقي إلى الصحراء “الغربية” في غرب إفريقيا وشمالها، وأيضا خارطة البحر الأحمر لأول مرة منذ ثلاثينات القرن الماضي وقبيل الحرب الكونية الثانية التي رسمت الحدود الحالية لدول العالم ومؤسساته.

   ولا ترغب أطراف غربية في هزيمة التدخل العسكري السعودي في اليمن(19) وليس هزيمة السعودية بالضرورة.

   ومنعت باكستان هزيمة الرياض أو دخول اليمنيين إلى داخل السعودية، فإسلام أباد، لم تشارك في الحرب لأنها تمزق الأمة(20)، لكن وزير دفاعها خواجه عاصف، قال بحماية السعودية، وقد حرم على اليمنيين الهجوم أحسن وسيلة للدفاع، ولا يريد أي طرف دولي أو إقليمي “السعودية الكبرى” التي نظر لها ومارسها “مذهب سلمان”، ورد أوباما في “أطلانتيك” بمذهب (أوباما) المعارض لهذا التوجه جملة وتفصيلا.

 “السعودية الكبرى” إحياء للمغرب التاريخي الكبير

   رفض الأمريكيون “السعودية الكبرى”، ولا يريدون خسارة نظامها، كما لا يودون الضغط الذي يفقد فيه المغرب توازنه في قبضة الصحراء، لكن رقعة الشطرنج الواسعة كما سمتها “فورين بويسي”(21)، تلعب فيها الرياض “مربكة للحسابات التقليدية في المنطقة”.

   ومنعت واشنطن تطورين هامين على الشاطئ الغربي لآسيا (اليمن) والغربي لأفريقيا (الصحراء) في منظور مملكتين مؤثرتين على “الحدود” الموروثة منذ الحرب العالمية الثانية.

   ولا يقبل الغرب حاليا، “مذهب سلمان” أو “مذهب محمد السادس”، في مقابل “مذهب أوباما”، وانخرطت السعودية في حماية أمن المغرب من زاويتين:

   أ ـ منع القاعدة والوهابيين من مهاجمة المغرب بعد التوتر مع الجزائر المتورطة في صلات مع جماعات مسلحة، ويبقى التحدي الواحد أمام الرباط، هو “تنظيم الدولة” وليس “القاعدة”، وهي “نصف حرب”.

   ب ـ إقليم الصحراء في المغرب في خارطة وهوية ترابية جديدة متوافقة مع الحسابات الإقليمية للشرق الأوسط الجديد الذي تقوده السعودية.

   ج ـ دعم المغرب لشرطة البحرين، أكد على دعم قوي لأجهزة الأمن الداخلي المغربية، إلى جانب دعمه للجيوش الخليجية ومشاركته لها في حرب اليمن، وتكاد الرباط بعد مشاركتها في هذه الحرب أن تكون “جزء غير قابل للتجزئة” من الأمن الخليجي، والأمن السعودي تحديدا.

   ولهذه الانعطافة سلبياتها من واقع:

   1 ـ أن ما يجري، ليس أفكارا جديدة أو استراتيجيات جديدة، بل هي أجيال جديدة، فالرجل القوي، محمد بن سلمان لا يتحدث الإنجليزية، والجيوش تفرض إرادتها لصنع الخرائط دون التمكن من إدارتها من جانب الساسة، ويكون تمريرها إقليميا عن طريق الحروب فقط، وهو ما ترفضه دول الجوار المغربي، فالجزائر وإسبانيا، ومالي أو ما يسميهم “إليو” “الأرستقراط إيفاغوس” المتحالفين مع الجزائر(22) عارضوا مشاركة المغرب في حرب اليمن.

    تقول “نيويورك تايمز” في مايو الماضي(23) في خلاصة حاسمة، أن الولايات المتحدة عمقت تدخلها في الصراع اليمني، ودفعت الرباط إلى الانسحاب، فواشنطن ترغب في كسر هذا “العناق” أو “الضم” السعودي لليمن، وقد وصفته بالعناق الذي لا يتوقف أو لا ينكسر.

   المواجهة إذن، ليست بين أفكار جديدة لجيل شاب، وبالتالي دبلوماسية جديدة(24)، بل في النتائج الكارثية للطريقتين المقترحتين لحل الأزمة اليمنية(25).

   وفي رأي سفراء سابقين، فإن أي حكومة لا تعينها الضربات الجوية، فيما يبني القصف عداء على المدى البعيد، ويزكي رأي “شاس فريمان”، سفير السعودية من 1989 إلى 1992 تصريح “باربارا بودين”، حين أكدت أن الأزمة الإنسانية في المستوى الثالث، وليس هناك إلا أربع أزمات مثيلة في العالم، وكشفت “أنتر سيبت”(26) أن “المكلا” الذي تديره القاعدة مول التنظيم بـ 2 إلى 5 ملايين دولار في اليوم، وإن أجهض المغرب عمليات القاعدة نحو الغرب سيكون في كل الأحوال مستهدفا.

التفاهم العسكري السعودي ـ المغربي ربح كبير للقوات المسلحة الملكية والقوات السعودية

   يواجه التفاهم العسكري السعودي ـ المغربي خنقا إقليميا يدفع البلدين إلى تطوير منظومة التنسيق الثنائي، وإلا أثرت الحسابات الإقليمية في خارطتهما الترابية الجديدة وقد تحولت إلى “خرائط إقليمية” للدولتين الكبيرتين.

   وتتحرك واشنطن وباريس منذ الدورة 29 لمجلس حقوق الإنسان في يونيو 2015، من أجل التحقيق الدولي في جرائم الحرب المقترفة في اليمن، إلى جانب “28 صفحة” التي تورط السعودية في تفجيرات 11 شتنبر 2001، وكلها تقديرات تمنع المغرب من مواصلة الحرب والانسحاب منها، لكنها تشكل إعادة تقييم للأوضاع الجيوسياسية الجديدة بعد التحولات التي عرفها البحر الأحمر، وقناة السويس، ولا يمكن في نظر الإسبان، السماح بتغيير كبير في مضيق جبل طارق ولاس بالماس، ولا تفكر مدريد في إعادة طرح مسألة المياه البحرية مع المغرب، وعدم السماح بتغيير “الأمر الواقع على الأرض”.

   وحددت الولايات المتحدة “إجراءات عسكرية” لأول مرة من داخل التراب الإسباني ضد المغرب في حالة الحرب، وهو السيناريو الذي همشته الرباط منذ 1943 لغزوها، كما كانت في الخطة(ب)، ولا يمكن تحت أي ظرف أن تسمح واشنطن لبكين باستثمار هذه الفرصة، أو أن تدعم الصين الخارطة الجديدة بجناحيها في الرياض والرباط على حد سواء، والرفض الأمريكي قاطع، ويهدد في حالة التمادي أو ربط العرشين بالخارطتين الترابيتين بالمواجهة المفتوحة.

   من جهتها، حرمت باريس المغرب من تحويل موريتانيا إلى “يمن” للمملكة الشريفة، ودعمت نواكشوط بطريقة معهودة، وحاربت إلى جانبها في غرب إفريقيا، من خلال محور قد يؤخر دورها في ساحل العاج، التي تراجعت فرنسا في سوقها من 28 إلى 11 في المائة في مقابل تطوير لموريتانيا ودورها.

   ولم تحارب فرنسا، رغم صداقتها للمغرب والسعودية، تنظيم القاعدة في اليمن الذي درب الأخوين “كواشي” مفجرا “شارلي إيبدو” لأهداف جيوسياسية، تحد من تقدم المغرب، ولهذه الغاية، كثفت تواجدها على حدود المملكة في غرب إفريقيا،  كي لا يتمكن من عمل الرباط في الخليج من حماية الحدود الحيوية للمغرب.

   وحدث تطور آخر يمكن أن يشكل صعوبة في إدارة التحالف السعودي ـ المغربي، ويتمثل في الدور التركي، وتنافس الرباط وأنقرة ليس خافيا، وله حساباته إلى جانب تنافس القاهرة والرباط المدعوم في جانبه المصري من هولاند، لأن المغرب أراد كسر الطوق التقليدي حول عنقه، واستدعاؤه لبكين له ما بعده.

  واستطاعت واشنطن إلى حدود اللحظة، تمرير حساباتها في الخليج وجنوب الصحراء الإفريقية بشكل قد يعيد المغرب إلى (الانكماش) مجددا.

هوامش:

1_ Gulf news 11631786.
2_ Al monitor, Saudi war in Yemen impossible to win (28/9/2015).
3_ How the war on terror failed Yemen, by jack Walting, Namir Shabibi, foreign policy (18/5/2016).
4_ MB7 news, «our stand point to day is clear: war is over for our troops, Wer monitoring political arrangement, empowering yamenis in liberated areas».
5_ Remember the war in Yemen? the U.S. Air force is there by Arianna Paulyk (25/2/2016).
6_ U.S military supporting Yemen in fight against al Qaida, Lolitac.C.Baldor, Associeted press, 5/5/2016.
7_ the secret behind the Yemen, Daniel Lazare (consortium news .com) 7/5/2016.
8_ A new model for defeating al Qaeda in Yemen, Katherine Zimmer man, sep 2015.
9_ Pierre Villiers.
10_ Gulf news, 1: 161281.
11_ Beforeitsnews.com 30 22 016.
12_ Laurent Bonnefoy (C E R I S) in info _ halal.net 3/2016.
13_ jjeune Afrique 228952.
14_ Avioes de Combate Atacam, base de Houthis no lemen, journal do brasil (consulté 27/2/2016).
15_ du Maroc au Yémen, le rêve s’est envolé, Bernard Bridel, tribune de Genève 14577 .(14/1/2015).
16_ Dakar actu.com 87701, guerre de Yémen: l’option géopolitique risquée de Macky salle, Mamadou Mouthe bane.
17_ geopolitique- geostrategie.fr.Bernard penatel ( 8/6/2016).
18_ Alfred thayusmahan (1840- 1914) Geostrategie American pour L’US Navy.
19_ Kurt Nimmo, Saudi failure in Yemen Will resolt in direct U.S.military intervention, in for wars 25/3/2015.
20_ Pakistan Will not participate in conflict that divides Muslim Ummah: khawja asif, dawn.com 27/3/2015.
21_ Simon Henderson, Saudi Arabia’s big gambie, foreign policy 26/3/2015.
22_ Alion Hasslye in Mali act.net (consulté 10/6/2016).
23_ as war strangles Yemen, many fear the Grip will never breack, kareem fahim, New York times (10/5/2016).
24_ Nawaf Abaid: a new generation of Saudi leaders and a new foreign policy, Washington post 26/3/2015.
25_ two ways the war in Yemen is turning into disaster for U.S, Ishaan Tharour, Washington post, 12/4/2016.
26_ Former U.S. diplomats decry the U.S backed Saudi war in Yemen, the intercept .com 6/5/2016.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!