في الأكشاك هذا الأسبوع

ما فائدة الانتخابات إذا كانت هناك “دولة داخل الدولة”

أخطر نقاش سياسي في المغرب.. هل يتحول إلى مدخل للعنف

إعداد: سعيد الريحاني                     

   بغض النظر عن ذلك الجدل العقيم حول ما إذا كان بن كيران يتحدث بصفته كرئيس للحكومة، أو بصفته أمينا عاما لحزب العدالة والتنمية الذي يقود الحكومة، أو بصفته رب أسرة مثل سائر المغاربة(..)، فإن أخطر تصريح لعبد الإله بن كيران هو الذي سجل عليه يوم السبت الماضي عندما وجه كلامه للملك، قائلا: “آن الآوان لنرجع إلى الصواب”، ليطرح السؤال عن نوعية الصواب الذي ينبغي العودة إليه(..).

   في عز الهجوم الخارجي على المغرب، وبالتزامن مع ترافع الدولة أمام العالم لتبييض وجهها أمام التقارير، التي تصنف المغرب كأول دولة مصدرة للحشيش ولا تعترف بحقوق الإنسان(..)، يقول رئيس الحكومة، بأن المغرب يعرف “وجود دولتين، دولة رسمية يرأسها الملك محمد السادس، ودولة لا يعرف من أين تأتي قراراتها وتعييناتها”، وقال ذلك دون تردد أمام أعضاء شبيبة حزبه، في بوزنيقة مساء يوم السبت الماضي، والمفارقة، أنه كان يتحدث في إطار لقاء يتحدث عن تحديات الانتخابات التشريعية المقبلة ليوم 7 أكتوبر، فما فائدة هذه الانتخابات أصلا إذا كان رئيس الحكومة يقول بوجود دولة أخرى تتكلف بالحكم والتعيينات(..).

   وفي ذات السياق، قال بن كيران، إن حزبه “سينتصر في الانتخابات المقبلة، لأن هذه هي مصلحة البلد ومصلحة الدولة الرسمية التي يرأسها الملك محمد السادس، وليس تلك التي لا ندري من أين تأتي قراراتها وتعييناتها”، وقال بن كيران، إن نتائج الانتخابات المقبلة لا تخيفه، لأن حزبه إذا لم يفز فيها فلن يتبخر، إلا أنه أضاف بأن مسؤولية الملك تاريخية، في إشارة إلى الاستحقاق القادم، معتبرا أن أي إرباك للتجربة المغربية سيكون مأساويا، وفي لغة تحذيرية قال رئيس الحكومة مشيرا إلى نتائج الاستحقاقات القادمة: “إما نجاح حقيقي، وإلا فالكل سيؤدي ثمن نتائجه وعواقبه” (المصدر: موقع لكم).

   هو تهديد واضح بالعنف إذن، ولا شك أن المغرب باعتباره دولة نامية، يعاني نفس ما تعانيه دول أخرى شبيهة: “ففي معظم البلدان النامية، نجد أن الأفراد، والتنظيمات، يستخدمون أو يهددون باستخدام العنف عمليا لجمع الثروات والموارد، وأنه لابد من كبح العنف لكي تحدث التنمية، وفي كثير من المجتمعات، تكون إمكانية العنف كامنة: حيث تمتنع المنظومات عموما عن العنف في معظم السنوات، ولكنها في بعض الأحيان، تجد العنف مفيدا لتحقيق غاياتها، وهذه المجتمعات تعيش في ظل العنف (أو بالأحرى تحت تهديد العنف)، وهي تمثل معظم التاريخ البشري، كما تمثل معظم سكان العالم اليوم، وفي هذه المجتمعات تتحول الترتيبات الاجتماعية من دون استخدام العنف عبر خلق حوافز لمن يمتلكون القوة لدفعهم نحو التنسيق فيما بينهم بدلا من الاقتتال.. (المصدر: الأنظمة المقيدة/ دوغلاس سي، نورث، جون جوزيف، واليس، وستيفن بي، ويب بارير، وينغاست).

  بكل اختصار مع وجود سياسيين أمثال بن كيران وشباط والعماري، فالمجتمع يعيش تحت التهديد باستعمال العنف، إذا صحت النظرية السابقة، ولاشك أن لكل واحد مصادر قوته(..)، التي يستعين بها بحثا عن حوافز جديدة للاستمرار(..).

   في هذا الإطار يمكن أن نقرأ أيضا الخرجة الأخيرة لحميد شباط، الأمين العام لحزب الاستقلال، إذ يقول وهو يكشف تعرضه للتهديد: “إن حزب التحكم دشن حربا خطيرة ضد حزب الاستقلال، مباشرة بعد حلوله في الرتبة الأولى للانتخابات، والمخطط كان واضحا جدا، حيث انطلقت المؤامرة من جهة فاس ومكناس وفي الأقاليم الجنوبية، ثم امتدت حد تهديدنا، بشكل صريح، وقد هددت أنا شخصيا من طرف قيادات في حزب الأصالة والمعاصرة، قالت بالحرف إذا لم تساندوا مرشحين بأعينهم، ستؤدون الثمن في وقت لاحق، وذلك ما حدث بالتحديد..”.

    ماذا يقصد شباط بحزب التحكم؟ لعلها المرة الأولى التي يتفق فيها شباط وبن كيران في نفس الأسبوع علن نفس الخرجة، فحزب التحكم بالنسبة لشباط، حسب قوله:” أقصد بحزب التحكم، البام، وليس وزارة الداخلية، أو أي جهة أخرى، ونحن نعلم جيدا أن هناك مسؤولين داخل وزارة الداخلية عينوا من طرف البام، فهذا أمر معروف ولا يمكن إخفاؤه، بل ثمة مسؤولين في الإدارة العمومية عينوا من طرف الحزب نفسه” (المصدر: حوار مع شباط: جريدة المساء عدد 215. 26 يونيو 2016).

   هكذا إذن، يشرح شباط ما تحدث عنه بن كيران بالرمز، وهو دولة التعيينات التي تعني حسب قوله، “حزب الأصالة والمعاصرة”، هذا من الناحية السياسية المعلنة، ولكن بشكل مستتر، فإن الحديث عن دولة داخل الدولة، لا يمكن أن يكون إلا في حالتين، إما في حالة “استيراد نموذج “الكارتيل” (النموذج الأول)، وقد اقترن تعبير “الكارتيل” دائما بشبكات المافيا، في جنوب إيطاليا، وفي دول أمريكا اللاتينية، في إشارة إلى وجود تنظيم إجرامي محكم، ينشط في مجال تجارة الكوكايين وغيرها من السلائف الكيماوية، والتي تدخل في صناعة المخدرات القوية، مع ارتباطه بشبكات إجرامية أخرى متخصصة، في تبييض الأموال وتهريب العملات وتصفيةالمناوئين، أو رجال الأمن، واختطاف الرهائن واحتجازهم تحقيقا لمكاسب مالية لـ “الكارتيل” الذي يدينون له بالولاء المطلق، والأمثلة على ذلك كثيرة في تاريخ الإجرام المعاصر، لكن المستجد هذه المرة، هو نقل هذا النموذج إلى منطقة الساحل الإفريقي، ومحاولة إعمال أساليبه الإجرامية في دول المنطقة بما فيها المغرب” (المصدر: بوبكر سبيك مجلة الأمن الوطني عدد 13 ماي 2013).

   النموذج الثاني الذي يتبادر إلى الأذهان، عند الحديث عن دولة داخل الدولة، هو نموذج “الدولة العميقة”، ورغم أن هذا المصطلح استعمل بشكل كبير في عهد بن كيران، إلا أن تعريفها إلى حدود اليوم يظل محل الاجتهاد، ويبقى أشهر تعريف لها هو أنها: “مجموعة من التحالفات وشبكات العلاقات الممتدة داخل جسد الوطن أفقيا ورأسيا بدون شكل أو تنظيم محدد وملموس، وهي تشمل أعضاء برلمان وسياسيين ورجال أعمال ورجال أمن وفنانين وإعلاميين، وقد تعرف بشكل آخر بكونها شبكة مصالح متشابكة ومترابطة لا يعرف أفرادها بعضهم البعض، لكنهم يعملون لهدف مشترك، وهو الدفاع عن مصالحهم وامتيازاتهم خارج إطار القانون، والمجتمع والدولة، بمعنى آخر، دولة داخل الدولة، أو دولة فوق الدولة، وهي بذلك، تركز نشاطها على ستة محاور: أولها، الذراع السياسي، ثم الذراع المالي، ثم الذراع التشريعي، ثم الذراع القضائي، ثم الذراع التنفيذي أو الأمني.. (تفاصيل/ الأسبوع عدد 30 أكتوبر 2014).

   لا يقف الحديث عن “دولة داخل الدولة” عند حدود بن كيران أو شباط، رغم أن هذا الأمر يفرغ المؤسسات من مضمونها، وينفي الجدوى عن الاستحقاقات الانتخابية، وبالتالي لا داعي للاستغراب إذا لم يذهب المغاربة لصناديق الاقتراع، بل إن رئيس مجلس المستشارين الحالي، حكيم بنشماس، قال بالحرف: “هناك من استغل نبل شباب حركة 20 فبراير، وسعى إلى تنفيذ مؤامرة ضد البام، بتنسيق مع أطراف أجنبية”، وقد لا يهم هنا الحزب المستهدف بقدر أهمية الحديث عن تدخل أجنبي في المغرب بمساعدة أطراف داخلية.. هي عملية خيانة عظمى إذن.

   نفس المصدر، سبق له أنه قال قبل أن يصبح رئيسا للمجلس: “صدقوني وأنا أعي ما أقول، لقد وظفت خناشي ديال الفلوس من قبل رجال أعمال وحزبيين ونقابيين وجزء من الإدارة والمخزن الذين تحالفوا فيما بينهم، وهو ما جعل جزءا من الطبقة السياسية والإعلام يجتهد ليل نهار وبإمكانيات ضخمة لتشويه هذه التجربة، والنيل من مصداقية قيادات وطنية هي أفضل ما أنجبته الأمهات المغربيات”.

   هكذا، بكل بساطة يتكرر الحديث عن دولة داخل الدولة، ويتم الحديث عن مؤسسات موازية، برلمان موازي، حكومة موازية.. ولا أحد يدري إلى أين يريدون الوصول بهذه الموازاة؟ التي قد تشكل مجرد مقدمة للعنف، كما حصل في بلدان أخرى، طالما أن ذلك ينم عن احتقار المؤسسات، وقد كتب مقرب من الجهة الموازية إعلاميا(..) مقالا يلخص القلق السائد من مسألة عدم احترام المؤسسات: “الأمر ليس صدفة، بل محسوب ومخطط له، الاستقلال والعدالة والتنمية اختارا أن يطلقا حملتهما الجماعية حول موضوع غير مسؤول، عبد الإله بن كيران، رغم أنه رئيس الحكومة يتكلم عن وجود دولتين، الأولى يديرها الملك والأخرى في الظل، والتي لا نعلم من يعينها ولا من يحدد توجهاتها. عبد الله البقالي، وهو في نفس الآن، نقابي ورئيس مجموعة برلمانية و‪الملهم للخرجات الكلامية لشباط هو أكثر مباشرة، فبالنسبة له الصراع السياسي ليس بين الأحزاب، بل إن القصر من شأنه أن يصبح فاعلا وتحديا. لقد حافظ هذا البلد على استقراره في خضم اضطرابات خارقة لأن أبطالا، ورجال دولة، ومعارضون أشداء اختاروا الحفاظ على المؤسسة الملكية، رغم أنهم كانوا يعارضون الراحل حسن الثاني، الشخص الذي كان يمثلها، كانوا يدعون امحمد بوستة، وعبد الرحيم بوعبيد وعلي يعتة، وعبد الكريم الخطيب، كانوا يتمتعون بثقافة عريضة وصدق الالتزام، والرؤية التاريخية… استقرار البلاد كان يعتمد بالنسبة إليهم على استمرار المؤسسة الملكية، التي كانوا يعارضون بعض توجهاتها، لكن ليس عمقها وأساسها. ولقد عملوا في كل مرحلة من القصة من أجل التطور، وبفضلهم، وبفضل التناوب التوافقي، صارت الانتخابات شفافة، وأصبح التقدم  في مجال حقوق الإنسان حقيقة لدرجة أنه خلال مظاهرات 20 فبراير، لم تكن المؤسسة الملكية أبدا محل تشكيك في حد ذاتها، هذه المؤسسة هي أساس الاستقرار، والملك الذي يجسد هذه المؤسسة لديه التزام ديمقراطي واجتماعي حقيقي، ودستور 2011 يشكل فخر السيادة الشعبية ويضع الملك خارج الصراعات الحزبية… الاستقلال والعدالة والتنمية يحدثوننا عن دولة الظل، وهذا يطرح العديد من الأسئلة، أولاها تتعلق بدرجة المسؤولية في عملهم السياسي، الحزبان يريدان محاربة الأصالة والمعاصرة، وهذا حقهم المطلق، ولكن باسم ماذا يتم إقحام المؤسسة الملكية في هذا النقاش، والتحدث عن قوى غامضة، والتي حسب بن كيران حتى الملك لا يتحكم فيها؟ هل هذا يعني أن الملكية هي تحد في الانتخابات المقبلة؟ إذا صوت المغاربة ضد الأصالة والمعاصرة، ما هو الدرس الذي يجب استخلاصه؟”، هكذا تحدث أحمد الشرعي، مدير مجموعة إعلامية كبرى، لكن ما يعاب عليه هو كذلك، تطبيله لقائد متهم بقيادة حزب التحكم، أو الدولة داخل الدولة.

تعليق واحد

  1. Nous connaissons tous les gens qui ont le pouvoir, par l’argent ou autres choses. Il suffit de revenir en où le pjd à été classé second après le PAM , alors qu’il devait être le premier dans les élections .

    . régionales . Cela ne suffit pas pour comprendre

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!