الحقيقة الضائعة | بين لحية أسامة بن لادن والفقيه بلعالم

بقلم: مصطفى العلوي

   تذكرت فاطمة أوفقير، بعد عودتها من جحيم الاعتقال، كيف كان المغرب بعد الاستقلال، وكيف استطاع زوجها أن يفرض النظام، فكتبت: ((إنه ما بين سنوات 1956 و1964 كان يمكن للمغرب أن يحترق، نظرا لكثرة الأسلحة التي كانت توجد عند المغاربة، مسدسات، بنادق، رشاشات، وقنابل، لذلك قام أوفقير بتطهير الأوضاع وحل الميليشيات المسلحة، وأسس نظاما بوليسيا، مع الحفاظ على الحرية، بإمكان الناس أن يتكلموا، وللأحزاب أن تتحرك وتعبر، ولكن الكل تحت مراقبة أمنية صارمة)) (حدائق القصر. فاطمة أوفقير).

   وهكذا تبلور زوجة الرجل القوي، الوضعية التي كانت سائدة في ذلك الوقت، في صمت مطبق للمنظمات العالمية، والتيارات المتطرفة، وهيمنة للجنرالات الأقوياء على مصائر الشعوب في الشرق والغرب: الجنرال دوكول في فرنسا، والمارشال تيتو في يوغوسلافيا، والجنرال إيزنهاور في أمريكا، والكولونيل جمال عبد الناصر في مصر، والكولونيل بومدين في الجزائر، والجنرال موبوتو في الكونغو، والمارشال بوكاسا في وسط إفريقيا، وأكبر منهم وأعتى، كان الجنرالات الذين يحكمون تركيا، باسم تركيا الفتاة، منفذين محافظين على الثورة اللادينية لمصطفى كمال، الذي كان الكثير من المغاربة، يتخذونه مثلا أعلى.

   لكن جنرالات تركيا أحسوا بالخطر الحقيقي الذي يتهددهم، وهو خطر الإسلاميين الذين يتخذون “اللحية” رمزا لانتمائهم، ومؤشرا للتفاهم فيما بين مختلف المتفقين منهم.

   ورغم أن اللحية كانت رمز الرجولة الذي يفرق الرجل عن المرأة، منذ أيام آدم، إلى أيام الرسول محمد عليه السلام الذي نصح المؤمنين: ((انهكوا الشوارب، واعفوا اللحي)) قبل أن يفسر الشاعر العربي ابن الرومي نصيحة الرسول ويصف مزيد طول اللحية نقصانا:

   فنقصان عقل الفتى عندنا

   بمقدار ما زيد في لحيته

   وقد اكتست اللحية طابع السياسة، عندما لم يكن الجنرالات الأتراك يتصورون أن قراراتهم بمنع الرجال من تطويل اللحية، سيؤدي إلى سقوطهم، بل إلى محاكمات بعضهم، بعد هيمنة الإسلاميين على الحكم، تحت اسم الحزب الإسلامي: العدالة والتنمية(…).

   لقد كان خبراء الدراسات العسكرية زمن الحكم العسكري بتركيا، – كما صدر في جريدة العرب الصادرة بلندن- قد أصدروا ((في إطار الأحكام العرفية مرسوما تمنع بموجبه إطالة اللحية، وتحدد شكل الشارب، حتى تتلاءم الوجوه التركية مع القوانين العسكرية المنطلقة من الرغبة في إقامة مجتمع متجانس غير فوضوي)).

   أما شكل الشارب، كما أراده الديكتاتوريون التركيون فقد انبرى لنشر تفاصيله باحث تركي اسمه دوجراماس، نقله عنه الصحفي المغربي، إدريس الخوري، ليطلع المغاربة على أخطار اللحية في ذلك الزمان: ((إن من يطيل لحيته بشكل مستدير، ينتمي إلى فئة، ومن يطلق لحية صغيرة، ينتمي إلى اتجاه آخر، ومن يطيل شاربه لأعلى ينتمي لحزب آخر، وهكذا، ليحق التساؤل هل تتعلق الماركسية(…) باللحية، أم أن كل صاحب لحية إيديولوجيا، لأن المسألة أكبر من الشعكوكة)) (البلاغ المغربي. عدد 29 يناير 1983).

   الكاتب إدريس الخوري ختم نقله عن الجريدة التركية وكتب: ((علينا أن نُخلق من جديد، أن نعود لأرحام أمهاتنا لنخرج بلا زغب ولا شعر)).

   ولا شك أن إسلاميي تركيا الذين عانوا من ديكتاتورية العسكر، قبل أن يتدخل القدر، وينصر الإسلام(…)، ويصبح الأمر في تركيا بيد الإسلاميين، ولا شك أنهم لازالوا يرتعشون خوفا من عودة العسكر، فهم لا يتركون أية لحية تظهر على وجه أي مسؤول إسلامي في دولة الطيب أردوغان، رئيس الحكومة الإسلامية الغير ملتح.

   وإذا كانت اللحية، نبراسا للإسلاميين، ورمزا لهم، حتى إن عشرات الآلاف من المسيحيين والديانات الأخرى يطلقون العنان للحاياهم، بمجرد إعلان إسلامهم، فإنه يبقى المسلم الأول الذي غطت لحيته المتدلية، كل صحف العالم وقنواته، هو أسامة بن لادن، الذي حول لحيته إلى ظلام أسود، على جدران البيت الأبيض.

   أسامة بن لادن، وربما ارتكب أتباعه والمقربون منه في منظمة “القاعدة”، أخطاء كثيرة، من جرائم تتناقض والمبادئ الإسلامية السمحة، دخل وهو مختبئ عدة سنوات في أحد المواقع الباكستانية، في مرحلة انسحاب، أو تفكير، أراد الأمريكيون التعمق فيها، فسربوا إليه الكاتب الأمريكي “روبير فيسك”، أكبر خبير عالمي في شؤون العروبة والإسلام، وصاحب أكبر كتاب سماه “الحرب الكبرى” فاجتمع بأسامة بن لادن واكتشف فيه الرجل الذي راجع دروسه، وأعطى للصحفي عناصر جديدة، تحول بها الصحفي فيسك إلى محام للزعيم أسامة بن لادن، وكتب أن أسامة بن لادن، كلفه طيلة صداقتهما بإبلاغ الأمريكيين أن عليهم أن يفهموه، وكتب: ((قال لي أسامة بن لادن، إن أحد الإخوة، رأى حلما شاهدني فيه على حصان وأنا ملتح(…) بينما صرحت لقناة CNN الأمريكية ولجريدة التايم، وقلت لهم: اقرؤوا مقابلاتي مع روبير فيسك، وهو أحد مواطنيكم، ومن دينكم، وأنا أعتبره محايدا.. فهل أن مدعي الحرية في البيت الأبيض، قادرون على إجراء مقابلة معه، بحيث يستطيع أن ينقل إلى الشعب الأمريكي ما فهمه مني عن أسباب حربنا ضدكم، إن عروضي كلها خالية من العنف، وإن أمتنا العربية والإسلامية، تعاني هذا الإذلال والانحطاط الذي نعيشه منذ ثمانين عاما، يجب أن تتفادوا مأساة الأندلس في فلسطين)) (كتاب الحرب الكبرى. روبير فيسك).

   الصحفي الأمريكي صديق أسامة بن لادن، علق على ما عرفه وكتبه: ((إن الأمريكيين لم يقتلوا أسامة بن لادن لأنهم اكتشفوا مخبأه، وإنما قتلوه ليسجل الرئيس أوباما انتصارا هوليوديا أمام الأمريكان، ليصوتوا عليه في انتخابات رئاسته الثانية)) (نفس المصدر).

   وربما كان الأمريكيون، المتعقلون، راجعوا تبرأ أسامة بن لادن من العنف، شخصيا، وحيث أن جثة أسامة بن لادن لم تظهر بعد الإعلان عن قتله، فإن صحفيا أمريكيا في 2015، كتب أن أسامة بن لادن وأفراد عائلته، يعيشون في منطقة مجهولة، لأن أسامة اعتقل ولم يقتل، والاعتراف بالموت في القانون، لا يتم إلا بعد التعرف على الجثة. خطأ إذن، وصف كل ملتح بالإرهابي.

   أذكر أنه في عهد حكم الجنرال أوفقير، كان ساعده الأيمن وخليفته في وزارة الداخلية، فقيه هادئ ورع، ملتح بلحية من الدرجة الأولى، يسمى محمد بلعالم، كان يأخذ وقاره وجديته من لحيته التي كان يطيلها، ورغم أن بلعالم لم يكن أول مسؤول كبير في الداخلية تغطي وجهه لحية كبيرة، فقد كان أول وزير داخلية في المغرب، الحسن اليوسي، ملتحيا بشكل يثير الرهبة في نفوس رفاقه الوزراء.

   فكانت لحية بلعالم في عهد أوفقير ليست ذات طابع سياسي كما كان يخافه العسكر التركي قديما، وبعض المتسلطين على الحزبية عندنا مؤخرا. كانت لحية بلعالم تعطيه هيبة، ويضفي عليها منصبه رهبة، فكان يدخل عليه أصحاب المشاكل الكبرى هلعين مضطربين، يحكون أو يشكون، وحتى فيهم – في زمن أوفقير- من كان يأتي عند الملتحي بلعالم، ليستجدي حقه، متشبثا بفقهية لحيته، وبلعالم جالس كالتمثال، يقلب ثنايا لحيته بأصابعه، في برودة رمسيس، وهدوء المسيح، وكان يكتفي في أجوبته السلبية أو الإيجابية بترديد التعبير الفرنسي: “وي.. وي..” ورغم أن المتحدث أو المشتكي يشرع في الكلام بتقديم شكواه باللغة الفرنسية، فإن الوزير المتصرف في الداخلية، كان يجيبه، وي.. وي.. وي.

   وشافى الله أديب الوزراء، الشريف مولاي عبد الكبير المدغري العلوي، وقد مهد لحكومة بن كيران، بكتابه الضخم، عن “الحكومة الملتحية”، وقد أورد في مقدمته ترحيبا بالحكومة الملتحية، وكأنه كان على علم بمقدمها، حيث صدر كتابه في سنة 2011، مسطرا على مدى صفحات الكتاب ميزات الحكم الإسلامي الملتزم، باحترام الحقوق التي يضمنها الدين الإسلامي، مقدما لأقطاب هذه الحكومة صورة عن الواقع الحقيقي المزري علهم يعرفون ((أن طبقة واسعة من الشعوب الإسلامية تعيش في محنة في مدن الصفيح، وفي أحياء الفقر المدقع، المهين لكرامة الإنسان، حيث يبحث الإنسان عن رزقه في المزابل، ويتنقل في الدروب الضيقة بين مجاري القاذورات، وينعدم الماء والكهرباء ويشعر الإنسان بالاحتقار، ويشعر الرجل بالضيم والمضاضة)) (الحكومة الملتحية. عبد الكبير العلوي).

   وإن كان الكاتب المدغري يتوسع في واقع لا تلعب فيه اللحية دورا ((مادام الدور الحقيقي للإسلام هو الرجوع إلى الشورى التي هي السياسة الحقيقية للدين الإسلامي، ولا للديمقراطية، بل الشورى بديل للديمقراطية)).

   وهكذا فإن بلعالم، أربعين عاما قبل الحكومة الملتحية لبن كيران، لم تكن له اللحية فقط، فقد كان يعيش في قلب المعركة السرية التي كان أوفقير يحضر لخوضها، ضد الإهانات التي كان يتعرض لها(…).

   يحكي أحرضان في مذكراته، كيف أنه عرف من بلعالم، وكان الكل، نظرا للحيته يسميه الفقيه، أسر إليه أن الملك الحسن الثاني ((وبعد أن أعلنت عائلة أوفقير، أنه تعرض لمحاولة اغتيال، وهو ما ذكرته زوجته فاطمة في كتابها، من أن زوجها في 14 مايو 1972 تعرض لمحاولة اغتيال بإسقاط الهيليكوبتر التي كان يركبها، وهو ما أكده الفقيه بلعالم لأحرضان، الذي ذكر في مذكراته أيضا أنه سأل بلعالم عن الأخبار الأخرى، عن اعتقال الجنرال الدليمي، ليجيبه الفقيه بلعالم ضاحكا: إن الجنرال الدليمي في الدار البيضاء يمارس افتحاص أعماله التجارية، إنه في أحسن الأحوال وقد اشترى شقة فخمة مقابل مقهى فرنسا)) (مذكرات أحرضان. 3 أجزاء).

   بلعالم إذن كانت لحيته التي تفرض احترام الآخرين تفتح له أبواب الاطلاع على ما يجري، طبعا، كان بلعالم الوزير الملتحي الوحيد في الحكومة، وهو المظهر الذي يرشحه للتقدير والاحترام، أما عندما يكون الوزراء جميعا ملتحين، في الحكومة الملتحية(…) وقد لاحظنا كيف التحق وزير الثقافة الصبيحي مؤخرا، بحشود الملتحين في الحكومة التي ينتمي إليها. كما ترك الأمير مولاي إسماعيل لحيته تطول بشكل سينمائي، فإنه لم يبق لنا إلا أن نكتب: عقبال الآخرين.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!