في الأكشاك هذا الأسبوع

المنبر الحر | مواطنو “واحد ألف”

    في القهوة التي أفطر فيها كل صباح يجلس إلى جانبي كالعادة شرطيان لا يكف جهازهما اللاسلكي عن إصدار “ميساجات” لم أفرزها أبدا، وفي طاولة غير بعيدة يجلس شخص بسترة أنيقة يسميه الكاماريرو عادة “الطبيب”، هذا الكاماريرو يظن أنه وحده من يعرف فطور “الطبيب” قبل أن يطلبه، ولكن الحقيقية أننا كلنا ألفنا تواجده وحفظنا قهوته وخبزة المقلا بالبيض وجبن البولا التي يطلق عليها اختصار اسم “فحال دائِيما” الجورنالات هنا تمرر من يد إلى أخرى بسلاسة عكس المقاهي الأخرى.

الطبيب وحده من يقرأ لوماتان لذلك تجدها في آخر النهار وكأنها خرجت لتوها من المطبعة عكس الجرائد الأخرى التي تصبح كالجَّفاف، سوداء كئيبة من كثرة ما نفث فيها من دخان السجائر وما تحلل من مدادها من كثرة الأيادي. قديما كانوا يقولون (كل نهار أو رزقو)، في أيامنا أصبح (كل نهار أو خبارو)، الخبر مهما كان كبيرا أو مؤثرا له تاريخ صلاحية لا يتعدى ساعات النهار؛ مانديلا مات.. نعم اعرف ذلك لقد سمعت الخبر يقول الشرطي..، شباط عْملها ورفع الدعوى يخبرني بهمس صاحب المقهى!! ايييه لقد قرأت ذلك في صفحة الحزب على الفيسبوك.. أنا ماعنديش معا فيسبوك يرد مول القهوى!! ولا أنا أجبته والحقيقة هي أنه إذا كانت الجرائد الورقية تمرر بسلاسة بين أيادي مرتادي المكان فلأن الكل أصبح يفضل تصفح الأخبار على جهازه السمارط و بالتحديد على صفحته في الفيسبوك؛ التويتر مْعقد شويا، لدرجة تعتقد معها أن التطور الفيزيولوجي للإنسان سوف يجعل من أصابعه إبهاما فقط، لا حاجة لكامل أصابع اليد وحده الإبهام كاف للطلوع والهبوط بين مواد الصفحة الإلكترونية. ولكن الغريب هو الكفر بهذا الفضاء الأزرق، الكفر بمعنى التغطية والإخفاء كما قال الفيزازي في برنامج مباشرة معكم وهو يتحدث عن موضوع التكفير، البرنامج الذي شاهدته هو الآخر على صفحة جامع كلحسن في الفيسبوك..

العديد يصر على إنكار استعماله أو لجوئه إلى فيسبوك الذي يتحدث عنه العالم كأنه ثورة، بينما نصر نحن على اعتباره عورة!! هذا هو التفسير الوحيد لموقفنا تجاهه؛ الفيسبوك عورة، وليس ثورة والعورة تستر ولا تظهر للعيان!

موسيقى شرقية صاخبة تكسر الهدوء.. أعرف هذه النغمة فقد سبق لي أن استمعت إليها.. نعم إنها الموسيقى التي رقص على إيقاعها لاعبو بايرن ميونيخ مع مجموعة من الراقصات في أحد فنادق مراكش احتفالا بفوزهم بـ”كأس” العالم للأندية، يبدو أنني لست وحدي من تعرف على تلك الموسيقى والدليل أن كل من بالمقهى حرك رأسه بطريقة توحي أن هناك إجماع على التنديد… ما عدا الشرطيان اللذان كانا يغادران لأن وقت العمل قد حان..، جهاز الراديو على غير العادة يصدر صوتا مسموعا واضحا يخبرهم أن سيارة تحمل ترقيم واحد ألف قد حرقت الضوء الأحمر في تقاطع شارعين في مكان ما بالمدينة..، قلّش كل من بالمقهى أذنه على أمل أن يستمع إلى مزيد من التفاصيل، فالأمر يبدو طارئا وتبادلنا نظرات غريبة وعجيبة لدرجة أصبح معها الحدث أقرب ما يكون لخبر اليوم؛ الخبر في أيامنا هذه أصبح يصنع، بضم الياء، ولا يَحدث كما في السابق.. سيارة واحد ألف لا تشبه باقي السيارات والذي يركبونها لا يشبهون باقي المواطنين، عينة خاصة يطلق عليها ربما مواطنو واحد ألف.

الحسين العيساتي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!