أطباء أمريكا أكدوا بأن شادية ستموت قريبا بسبب إصابتها بداء السرطان

بقلم: رمزي صوفيا

   من منا لم يعشق أفلام النجمة الكبيرة شادية؟ لقد كانت نجمة متألقة جمعت بين التمثيل والغناء بصوتها الشجي الذي كان يفوح أنوثة وعذوبة، فكانت تلهب المشاعر وتحرك القلوب بأجمل الأحاسيس أيام عز السينما المصرية، عندما كان المنتجون والمخرجون يتنافسون على تقديم أعظم الأفلام للجمهور بعيدا عن التفكير في الربح السريع كما يحدث اليوم، شادية التي شغلت قلوب الكثيرين بجمالها وأنوثتها وملامحها التركية الفاتنة، وكان أولهم زوجها عماد حمدي، والموسيقار الكبير فريد الأطرش، الذي عشقها وهي على ذمة عماد حمدي عندما كان الزوجان يقطنان بإحدى الشقق في عمارته المطلة على النيل، كما عشقها الموسيقار البوهيمي، بليغ حمدي عشقا كبيرا قبل ارتباطه بوردة الجزائرية.

   كانت شادية إلى جانب اهتمامها الكبير بقراءة أدق تفاصيل السيناريوهات التي كانت تعرض عليها، وإلى جانب انشغالاتها الفنية والاجتماعية الكثيرة، تواظب على عادة شبه يومية حيث كانت ترتدي عباءة سوداء وتغطي وجهها الجميل ببرقع داكن يخفي كل ملامحها ثم تذهب إلى الأحياء الفقيرة بالقاهرة فتقوم بتوزيع الأموال والمساعدات على فقراء تلك الحارات العتيقة قبل أن تغادر المكان تاركة الألسنة تلهج بأحر وأطيب الدعوات لها، وقد حدثتني عن هذا الجانب الإنساني الرائع في حياة شادية، صديقتها المقربة سهير البابلي، التي أخبرتني عن كل الحسنات التي كانت تقوم بها شادية باستمرار، ونظرا لكوني من أقرب الأصدقاء لسهيرالبابلي، فقد كنت أتناول وجبة العشاء مرة في كل أسبوع في بيتها الرائع، وكانت تحضر معنا شادية في بعض الأحيان، وكنا نخوض في أحاديث فنية وشخصية مرحة بحضور زوج سهير البابلي الذي كان يمتلك محلا كبيرا ومعروفا لتجارة وصياغة المجوهرات الثمينة والراقية، وكان يحلو لشادية أن تمازحني قائلة: “لقد كانت شقيقتي عفاف شاكر مخطوبة للممثل صلاح سرحان، شقيق النجم السينمائي الكبير، شكري سرحان، الذي كان يمثل معها على خشبة المسرح ضمن أعضاء الفرقة القومية المصرية تحت رئاسة عميد المسرح العربي يوسف وهبي، ولأن شقيقتي عفاف تعلقت بك بشغف كبير فقد فسخت خطوبتها من صلاح سرحان على أمل الارتباط بك فلماذا لم تتزوجها يا رمزي؟”، فأرد عليها: “يا عزيزتي شادية، أعترف لك بأنني ربطت علاقة مع شقيقتك الرائعة عفاف، ولكنها كانت علاقة صديق وصديقة فقط بعيدا عن العواطف الغرامية، ولو كنت راغبا في الزواج فلن أجد أفضل من عفاف التي تتمتع بأخلاق وتربية طيبة”، وتقاطعني شادية قائلة: “لقد منّ الله على عفاف بزوج ممتاز وثري وهي اليوم تعيش معه في أمريكا في سعادة وهناء أدامهما الله عليها”.

   ومرت أشهر قليلة على لقائنا المذكور، فسافرت شادية إلى أمريكا نحو بيت شقيقتها عفاف، وعندما سألت سهير البابلي عنها، وقلت لها لماذا سافرت على وجه السرعة؟ أخبرتني سهير بأن شادية تعاني من سرطان الثدي، وأن حالة السرطان لديها قد بلغت مرحلة خطيرة جدا، لهذا قررت السفر على جناح السرعة لعرض نفسها على أطباء أمريكا عسى أن يساعدوها بعلاجاتهم لتتغلب على الآلام المبرحة التي تعاني منها ليل نهار، رغم أنها تقابل الناس بابتسامتها الرقيقة المعهودة حتى لا تجعل أحدا يشعر بشيء من معاناتها سوى الله تعالى.

   وذات يوم اتصلت بي شادية من أمريكا وكنت في منزلي بالقاهرة التي وكما قلت في مقالات سابقة، عشت بها عدة سنوات عندما كنت مديرا إقليميا لجريدة “السياسة الكويتية” في العاصمة المصرية، وعندما اتصلت بي شادية أحسست ببعض الوهن في صوتها، فقالت لي بمجرد رفعي لسماعة الهاتف: “سأحولك أولا على شقيقتي عفاف التي ترغب في السلام عليك والاطمئنان على أحوالك ثم أكلمك أنا بعدها، وبعد حديث قصير مع عفاف عادت شادية للتحدث معي فقالت لي: “لقد أخبرتك سهير عن السبب الحقيقي لرحلتي الحالية إلى أمريكا، فأنا فعلا مصابة بداء سرطان الثدي، وكنت أطمع في خبر سار يقوله لي الأطباء هنا بخصوص حالتي ويبشرني بإمكانية التغلب على مرضي، ولكن كل الفحوصات والتحاليل التي أجروها لي وصلت إلى نتيجة مؤسفة وهي خطورة وضعيتي الصحية حيث قالوا لي بأنني لن أعيش سوى ثلاثة أشهر على أبعد تقدير”، وسكتت قليلا حيث اعتقدت بأنها سكتت لتبكي، ولكنها عادت لتقول لي وهي في قمة الارتياح والتفاؤل: “هذا كلام الأطباء، ولكن من يدري ماذا سيكون حكم الله؟ فالأجل المحتوم لا يقرره سوى الله تبارك وتعالى، وأنا في قمة السعادة ما دمت سأقابل وجهه الكريم قريبا، أنا فعلا سعيدة يا رمزي لأن أحلى وأجمل موعد يمكنني أن أنتظره بشغف وشوق، هو موعدي مع الله، الذي أتمنى أن يسكنني في الجنة، الموت لا يرعبني، فأين هم آباؤنا وأجدادنا؟ وأين هم الأقوام والحضارات السابقة؟ الكل رحل نحو الآخرة، ادع لي يا رمزي وترحم علي في حالة وفاتي، أرجوك ألا تنسى ذلك”. فلم أتمالك نفسي من الاختناق بالدموع وأنا أسمع منها هذا الكلام الذي لا يمكنني تقدير مدى تأثيره في نفسي في تلك اللحظات، فدعوت لها بالشفاء والعودة إلينا في أحسن حال.

   وفعلا حدثت المعجزة الربانية وعلمت بعد مدة وجيزة بأن شادية قد شفيت تماما من سرطان الثدي، وأن حالة شفائها قد أبهرت الأطباء في أمريكا الذين لم يفهموا كيف ذهب السرطان بشكل تام ونهائي عن جسدها بعد أن كان قد انتشر فيه بشكل خطير، وهكذا عادت شادية إلى القاهرة في صحة جيدة ووجهها يتلألأ بالعافية، ومن يومها، أعلنت للجميع عن اعتزالها النهائي للفن وتركها لكل ما له علاقة به وتفرغها لعبادة الله وعمل الخير مع كل من تعرفهم ومن لا تعرفهم، وهكذا كان حيث لا زالت شادية تعيش للخير والبر والعبادة.

   وقد كانت أول فنانة تحجبت وشجعت عشرات النجمات على الاعتزال والتحجب لعبادة الله الكريم الشافي، ولكن بعضهن خلعن الحجاب وعدن للفن على طريقة “العجائز المتصابيات”، في حين أن شادية تعيش اليوم أحلى أيام حياتها كما صرحت لسهير، ومصدر حلاوة أيامها هي تفرغها لذكر الله ولعمل كل ما يقربها منه.  

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!