في الأكشاك هذا الأسبوع
شباب أمازيغ يقبلون العلم الأمازيغي خلال الاحتفال برأس السنة الأمازيغية

كواليس الأخبار | الأمازيغ يحتفلون بآلهة روماني

بقلم: عبد الرحمن فريقش

 يقوم الأمازيغ في السنوات الأخيرة يوم 13 يناير بالاحتفال بما أسموه السنة الأمازيغية.

        وأعتقد أن المحتفلين بهذا التاريخ لا يعرفون حق المعرفة ما يعني تاريخ 13 يناير، من حيث نشأته و تطوره عبر التاريخ و هو الأمر الذي يستوجب الكثير من التوضيح حتى لا يكون هذا الاحتفال مجرد اقتباس من غير لا علاقة له بالثقافة أو الهوية الأمازيغيتين.

        يجدر بنا أولا أن نستقرئ التقاويم التي كانت تتواجد في محيط البحر الأبيض المتوسط لكي نتوصل إلى بروز 13 يناير في منطقتنا المغاربية.

————————-

       كانت روما قبل الإصلاح الجلياني تعمل بتقويم سنوي قريب من التقويم القمري، يتركب من 355 يوما تبدأ فيه السنة يوم 15 مارس الذي كان يعتبر عند الرومان بداية فصل الربيع إلا أن هذا التقويم كان يحتاج باستمرار إلى إجراء تصحيح يشمل 27 يوما كل سنتين وهو الأمر الذي أدى إلى ارتباك مستمر في تـحـديـد التـواريـخ بـدقة إلـى أن جاء قيصر روما الشهير جوليوس قيصر “Jules César” بالتقويم الجلياني كما سنرى.

        أما في مصر الفرعونية فقد كان العمل بالتقويم الشمسي الذي تتركب فيه السنة من إثنى عشر شهرا بأسمائها الفرعونية و365 يوما ونحو 6 ساعات حيث نحصل في كل أربع سنوات على سنة كبيسة من 366 يوما وقد كان مصدر هذا الوضوح وهذا الانتظام لدى المصريين القدماء هو فيضان النيل السنوي الذي عاش هذا البلد على إيقاعه.

        ولما دخل جوليوس قيصر غازيا مصر في سنة 48 قبل الميلاد أعجب بالتقويم المصري الشمسي لما فيه من وضوح ولجانبه العملي من شأنهما تحقيق استقرار المعاملات وضبط الأحداث وتدوينها بدقة، تقرر العمل به في روما سنة 46 قبل الميلاد أي سنتين قبل مصرعه الشهير مـع تعويض أسماء الشهور المصرية الفرعونية بنفس الشهور الرومانية التي كان العمل بها في التقويم السابق، ومن بينها يناير الذي أصبح أول شهور السنة التي حملت اسمه فأصبح هذا التقويم يسمى التقويم الجلياني نسبة إلى جليوس قيصر “Calendrier julien” الذي لازال العمل به إلى اليوم كما سنرى.

        استمر العمل بهذا التقويم إذن من سنة 46 قبل الميلاد إلى سنة 1582 ميلادية حيث قرر البابا كريكوار الثامن يوم 15 دجنبر من هذه السنة حذف إحدى عشر يوما من هذا الشهر فتحول تاريخ 15 يناير 1582 إلى 4 يناير 1582 والدافع لهذا التقويم الذي قام به البابا كريكوار هو جعل ميلاد السيد المسيح وهو 25 يناير يتطابق مع احتفالات النويل التي كانت احتفالات لا دينية، وحولها إلى احتفال ديني كاثوليكي، فأصبحت هذه السنة تسمى بالتقويم الكريكواري نسبة إلى البابا المذكور “Calendrier Grégorien” أو المسيحية أو الكاثوليكية أو الميلادية، نسبة إلى ميلاد السيد المسيح.

        إلا أن الكنائس الشرقية الأورثودوكسية التي لا تعترف بسلطة بابا الكاتوليك لم تنضم إلى هذا التعديل السنوي واستمرت إلى الآن بالعمل بالتقويم الجلياني حيث أصبح يوم 31 دجنبر الجلياني يقابل 11 يناير الكريكوري وانتقل رقم 11 عن سنة 1582 إلى 13 في الوقت الحاضر أي انضاف يومان خلال ما يقارب 500 سنة بسبب الفرق الضئيل بين التقويمين، وهذا يعني أن 13 يوما الحالية  ستصبح 14 بعد قرون ثم 15 وهكذا، والذي يسهر على هذه الحسابات ليس المغاربة بما فيهم الأمازيغ وإنما الكنائس الأرثودوكسيـة الشرقية، كنيسـة روسيا وكنيسة اليونان وكنيسـة الأقبـاط إلخ.

        ولما كانت شمال إفريقيـا مستعمرة رومانيـة حتى في عهـد جوليـوس قيصر فقـد عملت شعوبها بالتقويم الجلياني، وبالرغم من انتشار الإسلام فيها بقي العمل بهذا التقويم خاصة فـي المحـطـات الفلاحـيـة  فمـثـلا يوافق 13 يناير الكريـكوري (31 الجلياني) منتصف فترة “الليالي” التي تدوم 40 يوما وكذلك بالنسبة لمحطات “الثريا” و”بطن الحوت” و”والسمايم” إلخ… حيث يستعمل الشهر القمري في الأمور الدينيـة، والجلياني في الأمور الفلاحية، ما جعل المغاربة بكل فصائلهم يسمون هذه السنة بالسنة الفلاحية كما هو الحال في يومية بوعياد الشهيرة التي تحتوي على التقويم الجلياني والتقويم الكريكوري والتقويم الهجري.

        وهكذا أصبح منذ قرون يعتبر 31 دجنبر الجلياني (13 يناير الكريكوري ) عيدا فلاحيا في شمال إفريقيا (وليس أمازيغيا) يسمى في المغرب “حاكوزاء” أوالحواكز ” يتميز بطقوس خاصة بكل منطقة ذات أصول عـربيـة أو أمازيـغـيـة دون تمييز. ففي مدينة أبي الجعـد يتم الاحتفال في 31 دجنبر الجلياني (13 يناير الكريكوري) بحاكوزاء بتحضير عشاء قوامه الكسكس بسبـع خضر والدجاج البلـدي والبيض المسلوق، ويوجـد هذا الطقس في جل المناطق المغربية غير أنه يتميز في أبي الجعـد ونواحيـه بإضافـة حبات الرمان فوق طبق الكسكس، ذلك الرمان الذي تم حفظه في مكان جاف منذ الخريف إلى يوم 13 الكريكوري. والجدير بالذكر أن قبائل أبي الجعـد تنحدر من أعراب بني جابر الهلالية.

        وفي مدينة فاس التي اختلطت فيها كل الأعراف المغربية يتم الاحتفال بحساء القمح وخبز صغير يحضر بالمناسبة كما يتم الاحتفال بهذه المناسبة في جبال سوس بأكل أرجل الأبقار (الكرعين) المسماة “إيفـنـزا” وفي الجزائر عند القبائل يتم نحر البهائم وتوزيع اللحم الطري على سكان القريـة.

وأخيرا وليس آخرا تجدر الإشارة إلى أنه في تافيلالت عند قبيلة عرب الصباح المحاطة بأمازيغ آيت عطا وأيت مرغاد يحضر الكسكس بسبـع خضر ولكنه يتميز بإدخال علف تمرة داخل هذا الكسكس، ومن يعثر عليها أثناء تناول الوجبـة يعتبر من المحظوظين ذوي الطالع الحسـن.

        إن موضوعا كهذا جدير بالدراسة المستفيضـة والبحث العلمي البعيـد عن العاطفة والأحكام المسبقـة، وقبل ختم هذا المقال نتطرق إلى اسم يناير وماذا يعنيـه متمنيـا أن يتفحـص الـسـادة المحتفلـون بالسنـة الأمازيغيـة معانيه.

        يعبـر اسم يناير عن الشهـر الأول للسنـة الجليانيـة وكذلك للسنـة الكريكوريـة وهو يرمز إلى “يانواريوس” “IANUARIUS” أو “JANUARIUS”

وهو آلهة روماني يسمى إله التجار والنهايات والاختبارات، إله المفاتيح والأبواب أول إله في الترتيب الروماني يذكر قبل كل المقدسات به تفتح السنة وزمان الحرب لأن أبوابه تكون مغلقة وقت السلم وله عـدة تماثـيـل أهـمـهـا تـمـثـال ذو وجهين متظاهرين في متحف الفاتيكان يمكن لكل زائر لهذه الدويلة أن يشاهده.

        إن المحتفلين بيوم 31 يناير الجلياني (13 الكريكوري) لا يعون ما يفعلون لأنهم في بحثهم عن هوية ما، لا يبحثون في الحقيقة سوى عن الاختلاف، والبحث عن الاختلاف لمجرد الاختلاف لن يؤدي إلى هوية، وإنما إلى مجرد الاختلاف.

2 تعليقان

  1. موضوع أكثر من رائع . أفادنا الله بعلمكم و أكثر من الباحثين أمثالكم.

  2. جواد الداودي

    تصحيح : غريغوار 13 وليس 8 – وحذف 10 أيام لا 11
    إضافة : السنة الفلاحية سنة رومانية الشكل عربية المضمون – تعتمد على الشهور الرومانبة التي تمّ تعريبها في الأندلس وعلى علم الأنواء العربي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!