في الأكشاك هذا الأسبوع

بعد تهديدات “كيم بولدوك”: “الأسبوع” تكشف “الصفقة الصغيرة” بين الأمم المتحدة والمغرب وسر زيارة جمال بن عمر إلى العيون

إعداد: عبد الحميد العوني

   فضلت الأمم المتحدة تطبيق قرار مجلس الأمن “2285” باستعادة المكون المدني لبعثتها في الصحراء “المينورسو” بطريقة “تقنية” لا تقبل معها إطلاق مسار تفاوضي جديد أو “ثانوي” فيما يجب على المفاوضات الجوهرية والمطلوبة أن تكون لإيجاد حل لقضية الصحراء، وعززت المنظمة من جانب ثان، الطابع الملزم للقرار المذكور، ويدافع المغرب في المقابل عن التزام تقني بقرار مجلس الأمن “690” لعام 1991 لوقف إطلاق النار دون أي هامش على الأرض، واقترح عودة 25 موظفا من أصل 73 على أن تكون العودة فورية، ولا تزال الرباط تناقش الوضع في جملته دون أن تصل إلى تقديم أي ورقة في الموضوع أو الوصول إلى توقيع.

    وفي تسريبات مجلس الأمن أن مهمة تحديد الهوية انتهت، ومهمة إجراء الاستفتاء ممكنة، وأن حضور 15 مراقبا كافية قبل الدخول في الإعداد اللوجستي.

   ويحاول الجانبان الأممي والمغربي عدم الدخول في “مفاوضات” واستمرار “المحادثات” لعودة “المينورسو” إلى إطارها السابق، وحسب الأمم المتحدة، هناك تنفيذ لقرار مجلس الأمن الأخير، وبالنسبة إلى الرباط، فإن على الأمم المتحدة أن تدعم بعثتها بما يناسب لتعزيز وقف إطلاق النار، دون السماح للمحادثات بأن تتحول إلى مفاوضات، أو تنافس أي مهمة “مهمة الطاقم العسكري”، لأن الاستفتاء في نظرها، خارج التفاوض، وخارج جدول المحادثات الحالية.

   ولا يعارض المغرب، من حيث المبدأ، وقف إطلاق النار “التقني” بالطاقم المناسب للبعثة الأممية “المينورسو”، ويربط أي مفاوضات ويحددها بمبادرته للحكم الذاتي.

   ومن جهة نظر أخرى، فإن قرار مجلس الأمن “2285” يعيد الاستفتاء إلى صيغته “التقنية” أو التأكيدية بلغة الحسن الثاني، أي بدون مفاعيل على الأرض، ويرى مراقبون أن المغرب يخسر، لأن التقنيين يعزلون مبادرة الحكم الذاتي، ويباشرون الاستفتاء دون أي حديث مع العاصمة الرباط، وفي مدينة العيون، والواقع أن “مأزقا” باردا ومريحا للجانبين يسود علاقات المغرب والأمم المتحدة حول المكون المدني إلى مجرد أرقام، والاستفتاء إلى “مهمة أحادية الجانب” للأمم المتحدة، تماما كما هو الحال مع الحكم الذاتي، وتكشف توازنات المأزق إلى أي حد يمكن “تجريب” الحوار ومواصلة “التنسيق التقني” وعدم صدام مجلس الأمن من طرف الرباط في مقابل عدم صدام الأمم المتحدة للمغرب، وجاءت زيارة جمال بن عمر في هذا الخضم إلى العيون، بعد محادثات جنيف مع “فيلتمان” التي سطرت المرحلة الحالية من “الحوار البارد” بين الأمم المتحدة والمغرب في انتظار حرارة  تهدد بها “كيم بولدوك”، الممثلة الشخصية للأمين العام للأمم المتحدة التي ترغب في تقديم استقالتها أمام أنظار مجلس الأمن.

استقالة “كيم بولدوك” الممثلة الشخصية للأمين العام للأمم المتحدة في جلسة لمجلس الأمن، ورفض خروجها من العيون بالتنسيق مع المغرب وانتظارها لجنة تقنية تقيم الأوضاع على الأرض شارك فيها جمال بن عمر، رسالة شديدة لانتقال اللجنة مباشرة إلى العيون دون المرور عبر الرباط، ومغادرة “بولدوك” من العيون إلى نيويورك، وتركت المسؤولة الأممية مكانها في الأزمة لمتخصص في المراقبة الجوية، لأنها الطريقة التي تناسب التواصل بين العيون والخارج رافضة التعاون مع السلطات المغربية بعد طرد طاقمها

   خففت مشاركة جمال بن عمر المغربي الميلاد، والبريطاني الجنسية، ضمن الوفد الأممي التقني نحو العيون تبعات خروج “كيم بولدوك” من هذه المدينة إلى نيويورك، ورفضت الممثلة الشخصية للأمين العام للأمم المتحدة، الخروج من الصحراء بتنسيق مع المغرب، وانتظار وفد أممي يطير إلى العيون، ومنها إلى نيويورك، وزارت لجنة مقرها، ووافقت على تقييم الأوضاع الذي حررته” كيم” وتريد تقديمه في جلسة لمجلس الأمن، وهي إحدى الأوراق الضاغطة على الرباط لتتقدم المحادثات الأممية ـ المغربية من أجل تطبيق قرار مجلس الأمن الأخير “2285”، والعودة الفورية دون شروط لقوائم المطرودين أو من يعوضهم، وليس هناك اتفاق على الصيغة النهائية ومتروكة لمبادرة الأمم المتحدة.

   من جهة، فالقرار المغربي “أحادي” ولن ترد الرباط على عودة الطاقم، بل العودة إلى الوضع السابق، ما دامت بقرار لمجلس الأمن، ولأن القرار لا يقول بعودة المطرودين بصيغة صريحة، “بل عودة المينورسو إلى عملها”، فإن الأمم المتحدة تعيد نفس الأرقام إلى الاشتغال دون الحاجة إلى محادثات، ويمكن دخولهم دون ضمانات مغربية للولاية القادمة التي يضمنها مجلس الأمن لبعثات حفظ السلام.

   وترى الرباط أن عودة المينورسو إلى عملها “الكامل” لا يفيد عودة نفس الرقم (الخاص بطاقمها)، ولأنها لا تفاوض سياسيا بل تقنيا فقط ، فهي غير ملزمة بالقول أن عملها “الكامل” يقصد الاستفتاء.

   وفي هذا الصدد، يقدر المغرب أن تعزيز البعثة “أمر يخصها وحسب حاجتها” لتعزيز وقف إطلاق النار، دون إثارة أشياء أخرى، وسمح تعيين بان كيمون لمحمد عزام الطيب الباكستاني، والذي أشرف على أمن الحدود في بلاده المعروفة بنزاعها حول كشمير مع الجار الهندي، على تعزيز الهامش الجدي للمحادثات التقنية، وهو ما خدم الطرف  المغربي.

   وتحاول المملكة أن تكون كل الإجراءات في التزام تقني صارم مع قرار مجلس الأمن “690” لعام 1991، وأيضا لقرار “2285” لسنة 2016 بخصوص وقف إطلاق النار، وهو إطار واحد و”مقبول” في إدارة هامش المناورة المغربية والتي لا تصل تحت أي ظرف، إلى الصدام مع مجلس الأمن، مع مواصلة “ما يمكن فعله” مع الأمانة العامة للأمانة العامة للأمم المتحدة لشلها، بعد تصريحات بان كيمون بأن “المغرب محتل للصحراء”، خشية ما يرتبه هذا الوضع من تبعات قانونية.

   وفي هذه الإدارة الدقيقة للموقف يسعى “المينورسو” في الرباط إلى عدم نقل مشكل الصحراء إلى “الفصل السابع”، وعدم السماح للأمانة العامة بتغيير الوضع القائم في المحادثات مع العاصمة الرباط، من خلال تطبيق القرار “2285” أو القرارات الأخرى ذات الصلة.

   وارتأت الرباط الذهاب بعيدا في المحادثات “التقنية” ذات المبادرة الأحادية الجانب كي لا يتمكن بان كيمون وطاقمه من تحقيق أي اختراق يضر بعلاقات المغرب والمجتمع الدولي.

ولا يزال الوضع “حساسا” ومن دون “تطور” مساعد في العلاقات بين المغرب والأمم المتحدة، على تطبيق القرار “2285”.

   ومن المهم لدى القيادة المغربية، أن يعود طاقم “المينورسو” عدديا دون أي مفعول “سياسي” لهذه الخطوة، رغم أنها مطبوعة في البداية بشحنة سياسية ترفض توصيف الحالة المغربية في الصحراء بالاحتلال أو ربط الطاقم المساعد للمكون العسكري في “المينورسو”  بـ”الاستفتاء”.

   من جانب ثان، ترى الأمم المتحدة أنها الفرصة لممارسة مجلس الأمن لولاية “المينورسو” (الكاملة) على الصحراء، بما فيها الإعداد لاستشارة الساكنة في الوقت والزمن المناسبين دون اعتبار لمراحل انتقالية أو لرؤية أحد أطراف الصراع.

   وترافق هذه الرؤية مخاطر، لكن هامش المناورة لا يسمح إلا بمواصلة المقاربة التقنية، وهي تجديد لرؤية الحسن الثاني بشأن “الاستفتاء” التقني أو التأكيدي.

جمال بن عمر في وثيقة، تحت بند “سري”، لسفارة المملكة المغربية في صنعاء، رافقت رسالة تتحفظ فيها البوليساريو على حضوره في الوفد التقني الأممي إلى العيون، له “علاقات جيدة” مع المدير العام لـ “لادجيد” (ياسين المنصوري)

   أنقذ جمال بن عمر المغرب والأمم المتحدة بحكم علاقاته الوثيقة بياسين المنصوري وبان كيمون من أزمة، وخفف من رد فعل “كيم بولدوك” التي اعتبرت المظاهرات حول مكتبها في العيون “مهددة لحياتها” لانسحاب الشرطة ومشاركة مسؤولين فيها.

   وسمحت الأمم المتحدة لجمال بن عمر، المبعوث الحالي إلى بوروندي بالالتحاق بالوفد التقني لعودة “كيم بولدوك” إلى نيويورك من العيون مباشرة، لأن الممثلة الشخصية للأمين العام للأمم المتحدة اعتقدت أن المظاهرات التي دعت إلى إجلاء “المينورسو” “هددت حياتها” لانسحاب الشرطة من حول مقار “المينورسو” وخفض كامل عدد طاقمها لممارسة مهامها.

   وتريد “كيم” أن تلقي بشهادتها أمام مجلس الأمن لوصف اللحظات التي رافقت إعلان المغرب طرد الجزء الأكبر من الطاقم المدني لـ”لمينورسو” والتظاهرات التي أحاطت بمكاتب وتمثيليات البعثة.

   وعمل جمال بن عمر على تخفيف رد الفعل الشديد لـ “كيم” وإخراجها من العيون إلى نيويورك بالطريقة التي ترتاح لها، وتحفظت البوليساريو من جمال، ليس فقط لعلاقاته الجيدة جدا مع المدير العام لـ “لادجيد”، كما وصفتها وثيقة سرية (تحت الرقم 25 المؤرخة بـ 20/1/2014، والموقعة في سفارة المملكة المغربية بالعاصمة صنعاء، وتخص 40 مغربيا في دماج التحقوا بصنعاء ويحملون جنسيات أوروبية لاسيما الفرنسية) بل لعلاقاته الممتازة والخاصة مع فرنسا، فهو في نظر بعض منتقديه، رجل باريس في الملف، وفي الحالتين تجتمع مصالح المغرب وفرنسا في الصحراء.

   وتمكن جمال بن عمر من إدارة موضوع “كيم” بدون تصعيد يؤثر على ما سمي “مواصلة الترتيبات التقنية لعودة المينورسو”، وخروج الممثلة الشخصية للأمين العام للأمم المتحدة بشكل “داعم على الأرض” لهذه التسوية، لأن المسألة تقنية وليست سياسية.

   وتزيد الضغوط على المملكة في حال عدم التوصل إلى مصادقة الرباط على “الترتيبات” التي قررتها الأمم المتحدة لعودة “المينورسو” من داخل المحادثات وليس من خارجها.

   ولا يزال جمال بن عمر قناة “جيدة” بين الأمانة العامة للأمم المتحدة والأجهزة المغربية، فمنذ عودته إلى طنجة لدفن أمه بعد 20 سنة من الاغتراب، كما قالت الشرق الأوسط(1)، تكررت زياراته وعطله إلى المغرب، وقضى أسبوعين في الصخيرات مع طاقمه، في أزمة اليمن كما أوردت “جون أفريك”(2).

   وأظهرت الحفاوة الرسمية لجمال بن عمر تحفظات البوليساريو، فقد استقبل والي جهة العيون يحضيه بوشعاب، الدبلوماسي الأممي وأقام على شرفه عشاء، وهو ما ساهم في رفع بعض الحرارة في الملف وقلل من جوانبه الحساسة.

   وانتقد حلفاء المغرب في الخليج جمال بن عمر، فيما استطاعت الرباط جسر الهوة بينه وبين مجلس التعاون الخليجي، وسعى بدوره إلى نفس المهمة بين الأمانة العامة للأمم المتحدة والمغرب.

   وترى دراسة لـ “كارنيغي” فشله في اليمن بسبب أن بن عمر تجاوز السفير الأميركي في صنعاء(3) في مقابل علاقاته الممتازة مع فرنسا، وقالت باللفظ “إنه كسب معركة النفوذ التي خاضها ضد السفير الأمريكي في اليمن”، ومن عيوبه أنه “متفرد بإدارته للأزمة” واحتكاره للسلطة الأممية في غياب سياسة دولية منسقة كلفت حربا في اليمن، وأضافت الدراسة الأكاديمية، أن بان كيمون يعتمد على طريقة أداء (جمال بن عمر) وإن من سلبياته الشديدة تغيير طاقمه بشكل سريع، فقد غير في 3 سنوات 3 مرات طاقمه، وتشكل إجراءاته ضعفا في التنسيق بينه وبين باقي هيئات الأمم المتحدة.

   وأدار كل من المغرب وفرنسا الأزمة الأخيرة في ملف الصحراء من خلال اعتماد بان كيمون على طريقة جمال بن عمر، ويشكل العمل مع باريس في بورندي فرصة لنجاح بن عمر، وطالب الفرنسيون بعودته إلى إفريقيا مباشرة بعد استقالته في اليمن، وقد اعتبرها آخر مهمة له في تصريحات سابقة، كرست في حديثه لـ”وول ستريت جورنال” حين انتقد بطريقة مبطنة العمليات العسكرية السعودية عشية توقيع الفرقاء اليمنيين لاتفاق.

   وعادت الأمور إلى مجاريها بعد وساطته لعودة قتلى خليجيين في الحرب السعودية على اليمن، وأعاد جثة طيار مغربي ليدفن في بلده.

   وآخذ المراقبون على جمال بن عمر اهتمامه بالقضايا السياسية والإدارية قبل الأمور العاجلة، ولا يعترف بضغط الوقت، ولو أخذ هذا التقدير لربحت مقاربته في أكثر من محل.

   إن وثوق بن عمر الشديد بنفسه وعدم اهتمامه بعامل الوقت لإدراجه الأسس التي ينبني عليها الاتفاق قبل أي شيء آخر، فرض على مشاركته أن تكون لتقييم أداء المحادثات مع المغرب، ولمحاولة تجاوز المهلة الزمنية الواردة في قرار مجلس الأمن.

   ويضيف الملاحظون، أن بان كيمون يقيس كل شيء بالحدود الدنيا، لقياس مستقبل العلاقات مع المغرب من زاويتين: “تقييم جمال بن عمر في مقابل كيم” المبعوثة الشخصية للأمين العام للأمم المتحدة”، و”تقييم محمد عزام الطيب الباكستاني في الشق العسكري، وهما الرقمان الداعمان، بشكل محتمل للمملكة، لميلاد جمال بالمغرب ولوجود باكستان والمغرب في حلف سني واحد تقوده السعودية”.

   ومجرد سحب “كيم” من معادلة (المحادثات) لعودة “المينورسو” أو من منصبها، يخدم جزئيا الرغبة المغربية، لأن “كيم” التي جاءت في فترة صعبة للبعثة الأممية في الصحراء، وبعد اعتراف دولي بها سنة 2013 كشف جهتين: الدعم الذي تلقاه بان كيمون من “كيم” غداة زيارته الأخيرة إلى مخيمات تندوف وقد جمعهما التعاطف الشديد مع اللاجئين، وبدا  التأثر الإنساني لـ “كيم” منذ 7 فبراير 2015 في لقاءها في المخيمات بسليم لمصير وفاطمة مهدي، كما شكل الدعم الذي تلقته “كيم” من بان كيمون عامل تصعيد في أي تسوية مع المغرب.

   وزارت “كيم” الرباط قبل العيون في حلولها لأول مرة بالمغرب، وفي الأزمة الأخيرة  تغادر من العيون إلى نيويورك، وقد رفضت بقسوة اتهامات إعلامية جاءت بالخصوص من “جريدة الصباح” بشأن تورط عناصر من البعثة في قضايا جنسية، واعتبرت احترام الخصوصية الصحراوية إحدى الشروط في المحادثات الخارجية لعودة كامل طاقم “المينورسو” إلى العمل.

   ورأت أن “المينورسو” التي اعترف بها العالم أداة هامة لمنظمة الأمم المتحدة لحفظ السلام والأمن العالمي والتي عانت في سنة التتويج (عام 2013) من أزمة مالية غير قادرة اليوم “على إتمام مهمتها”.

   وأورد  تقرير أن “كيم” طالبت باعتصام الطاقم إلى حين عودة الذين قرر المغرب إجلاءهم، لكن الخلاف بدأ بعد التنازل الذي حصل في جنيف، وقال بعودة نفس العدد وليس الأشخاص لإتمام مهمة “المينورسو” داخل الولاية الموكولة إلى مجلس الأمن، وهو ما ذهب إليه “فيلتمان”، وقد تعامل مع الأزمة في الصحراء على أنها “تتطور بسرعة”، ويجب خفض التصعيد فيها، وهي التجربة المستخدمة في أوكرانيا نقلا عن تجربة الفلسطينيين والإسرائيليين وكل حالة تشكل تحديا(4).

   ولا يمكن تحت أي ظرف المساس بالأمم المتحدة كقوة وسلطة حقيقية، وآمن “جيفري فيلتمان”، وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية في تدخله في الأزمة بأن الدول تتحدث بلغة أحادية، ونقل القرار إلى مجلس الأمن بعودة “المينورس”و وما تبقى تفاصيل، وهي خلاصة أولى، وعلى ضوء ما كتبه فإن من تقديراته:

   أ ـ عدم انزلاق قضية الصحراء إلى حرب شاملة، وأوقف الانزلاق، ودخل في مرحلة إعادة الاتصالات بين الفرقاء والأمم المتحدة.

   ب ـ أن مسألة “المينورسو” مسألة وظيفية بعد الحسم الذي وقعه الأمين العام للأمم المتحدة بخصوص الهوية السياسية لمشكل الصحراء والتواجد المغربي في الإقليم.

   وقبل المغرب المقاربة التقنية لمشكل “المينورسو” لحسابات أخرى:

   ـ تثبيت “الهوية الوظيفية” لـ “المينورسو” دون بعد سياسي بخصوص توسيعها لمراقبة حقوق الإنسان أو مهمتها لتنظيم الاستفتاء، ومجرد تحويل مهمة “المينورسو” إلى “تقنية” يفرغ مطلب توسيع المهام أو المهمة الأصلية من أي تقدير “واقعي”، فيما تنظر الأمم المتحدة إلى بعثتها بطريقة أخرى، لأن تجديد الولاية الشاملة لـ “المينورسو” في قرار مجلس الأمن “2285” يسمح لها بكل المهام، وهو ما توحي به فقرة كاملة في القرار.

  ـ أن المفاوضات مع المغرب لم تكن لها خطوط رئيسية.

  ـ أن أقصى خدمات الوساطة موجهة لتطبيق قرار مجلس الأمن.

   وأطلق “فيلتمان” هذه المحادثات، لكن الجانب المغربي لا يريد تطويرها، لأسباب معروفة تخدم مصالحه، وهو حق كل دولة من الدول، وانتقل الوضع من:

  ـ الفرصة لمعالجة ضعف “المينورسو” بتطبيق القرار “2285” إلى معالجة “تقنية” تستبدل أفراد بآخرين توافق عليهم المملكة، وهو ما خلق إشكالا في حد ذاته، فالسماح بهذه الآلية يعني ممارسة المغرب لسيادته الكاملة على الصحراء ولو من شرط تقني مؤكد.

   من جانب آخر، من غير الممكن عدم ممارسة “المينورسو” لمهامها “الكاملة” بعد استعادتها لطاقمها “الكامل”، وفي ظل موضوع الولاية المخولة لـ “المينورسو”، حدث مشكل تقني وقانوني، فالمغرب لا يمكن أن يناقش تفصيلا المهمة المحددة لذكرها “الاستفتاء”، ولا يمكن أن يناقش الولاية الشاملة لتوسيع مهام البعثة لمراقبة حقوق الإنسان.

  ولهذا السبب، لم تتطور المحادثات، وأصبحت المسألة تقنية يريد من خلالها المغرب تغيير أفراد بأفراد وإن تمكن من تقليصهم، سيفعل، وإن اختلف مع المنظمة الأممية حول جدوى الإجلاء، وعدم الوقوع في نفس ما حدث سابقا.

   والواقع، أن المسألة شديدة التفصيل منذ إطلاق “فيلتمان” لمحادثات مع المغرب لعودة أعضاء طاقم “المينورسو” قبل التصويت على قرار “2285”، وقبلت جولة جنيف استبدال أفراد بآخرين “لمرة واحدة ” لكن هذا الشرط أراده المغرب قائما ودائما، ومواصلة هذا الشرط التقني بقبول المغرب للأعضاء المقترحين  للعمل في البعثة الأممية هو ما تريده الرباط  تماما، ورفضت روسيا هذه الخلاصات، وكثف المغرب من اتصالاته مع روسيا لإبعادها، وتمرير مجلس الأمن لقرار يخدم مواصلة “المحادثات” مع المغرب، وبقي الوضع عالقا، بين شرط مقبول ظرفيا وشرط يريده المغرب “قائما ودائما”.

   ومن المهم في النظرة الأمريكية، ألا تعود المفاوضات إلى نقطة الصفر، ولا تتخوف أطراف من دفن كل الحزمة مع “فيلتمان” لوقوعها قبل تصويت مجلس الأمن على قرار “2285” وبداية أخرى، فيما تتمسك باريس بمواصلة المحادثات.

   ورغم ما يظهر فإن صياغات “فيلتمان” مفخخة في كل محاضر المحادثات المنقولة لمجلس الأمن، فالمسألة لم تعد تغيير الديناميكية، وليس تغيير الأولويات فقط، فالمسألة تروم عدم الاعتراف بالحل العسكري، لكنه قال بـ “رييل بريك ثرو”(5) لاستئناف المفاوضات، أي  الانطلاق من “واقع” المباحثات (حول المينورسو ) لتسجيل “اختراق” باتجاه المفاوضات بين المملكة والبوليساريو، كما قال بإدارة المخاطر(6) من أجل الصمود أو البقاء بالنسبة للمغاربة غير الصحراويين في الصحراء وللاجئين في أي مواجهة، ويدعو إلى تسريع المفاوضات بين طرفي النزاع لوقف الانزلاق الأهلي.

   وبناء إجماع على المدى البعيد لا يمكن معه، وتحت أي ظرف كسر بنيات العمل الأممي، وفي حالتنا هذه “المينورسو”.

   ومن المهم في نظره:

   ـ انتقال إدارة ملف الصحراء من “التكنوقراطي” إلى “التقني”.

  ـ تغيير الدينامية، وبعد القرار “2285” هناك ضرورة لتغيير طبيعي في الأولويات، ومن ثم الأهداف، وهذه الاستراتيجية الأمريكية شرع فيها “فيلتمان” قبل التصويت على قرار مجلس الأمن “2285” قصد جسر الفجوات، وتحديدا أوقات العودة التي لم تحدد، وتحولت بعد خفض التوتر بين الرباط والأمين العام للأمم المتحدة، وأخذ بان كيمون على نفسه مهمة عودة عدد أفراد “المينورسو”، وفكر في بعض الأشخاص قبل أن يطلب “جمال بن عمر” لمعرفة رأيه، وهو الشخص المعتقل في 9 يناير 1979 في سجون المملكة والمنتمي إلى منظمة راديكالية (إلى الأمام) المعروفة  بدفاعها عن تقرير المصير في الصحراء، إلا أنه منذ 1986، وفي استجوابه مع “سارة كلينز”(7) لم يذكر اسم المنظمة، ولم يذكر الخلاف مع النظام المغربي حول حل قضية الصحراء، وقال في جملة شهيرة “أريد أن أعود لكن ليس لاعتقالي في المطار”.

جمال بن عمر تحول عن فكرة تقرير المصير في الصحراء منذ 1986

   بدأ تحول جمال بن عمر نحو الواقعية في استجواب “العالمي الجديد”، وبدا ظاهرا بعدها في قوله بمعايير الواقع أو المعايير الواقعية كما في (الصفحة 33 من مقاله الأكاديمي “العدالة بعد الانتقال” في المجلد الرابع من مجلة الديمقراطية الصادر 1993)(8).

   وهو المقال الذي أعيدت صياغة عنوانه من “العدالة بعد الانتقال” إلى “العدالة بعد كل الانتقالات”، ولم يعد بعدها يقول بانتقال واحد في كتاب “العدالة الانتقالية: كيف تنهض الديمقراطية”(9)، وهو المؤلف الذي أصدره مركز الولايات المتحدة للسلام.

   يقول في بحثه، “ليست المسألة متعلقة فقط بمبادئ العدالة، بل تحتاج إلى توازن أخلاقي وقانوني مع الوقائع الصلبة للسياسة”، وجاءت هذه الخلاصة فيما سماه المقاربة الإفريقية (بنين النيجر والتوغو)، ولم يقل كلمة في ما يشهده المغرب إلا في لقاءات خاصة.

   هذا القائد “محارب قديم” بتعبير الأمم المتحدة “فيتيران”، يعمل حاليا على (الفهم العميق لمسارات الحوار السياسي) لبناء السلم العالمي(10)، ويعتمد في مفتاحه لبناء السلام على القانون الدولي لحقوق الإنسان والعلوم السياسية والاجتماعية.

   وهذه المقاربة المؤسسة على “التواصل الاجتماعي الجدي” تعتمد على ما يدعوه “كسر الماضي والحوكمة الديمقراطية على أساس القانون وحقوق الإنسان والمواطنة المتساوية”، ويمكن أن تؤسس هذه المعايير بناء ثانيا لإفريقيا بكل مشاكلها، لكنه يبتعد عن نفس الخلاصة في قضية الصحراء التي دخلها من بوابة التفويض التقني لا غير، وتجاوز المغرب فيه “قنبلة كيم” كما تناقلتها الكواليس.  

   ولا يمكن لجمال بن عمر الذي يحمل قراءة ثانية إلى جانب “فيلتمان” الذهاب بعيدا لعرض “ما يريده” في قضية الصحراء لحرصه الشديد على علاقات ممتازة مع الاتحاد الإفريقي لإنجاح مهامه، وهو الذي رفض “المقاربة التقنية” التي عانى منها، فعندما لم ينجح في اليمن، رغم العلاقات بين عائلة الحكم في المغرب وبين اليمن، واستبدله التقنيون الأمميون بموريتاني للعلاقات الاجتماعية القديمة للقبائل بين نواكشوط وصنعاء.

   يقول جمال بن عمر إن أزمة إفريقيا، ومشكل الصحراء جزء من مشاكلها، “جائعة للحريات الجديدة”، واقترح الجهوية في بداية تسعينات القرن الماضي، وتبناها بدوره الملك الراحل الحسن الثاني في دستور 1992، لكن دون تطورات جدية، لأن ديمقراطية المغرب لا تتحرك.

   هذا المحارب من الريف عاش قصته مع جولييت “البريطانية”، ولم يتمكن من الحصول على جواز سفر بعد الإفراج عنه بعفو، فانتقل مهاجرا سريا إلى بريطانيا بمساعدة حبيبته (جويس أدلين) التي كتبت قصة مشوقة عام 1996 تحت عنوان: “عزيزي جمال”، وحاليا يدافع عن السلام وحقوق الإنسان في كل مكان، وإن بمقاربات جديدة.

جمال بن عمر تمنعه قناعته الحقوقية من رفض مقترح توسيع “المينورسو”، ولا يريد تفجير علاقات الأمم المتحدة والمغرب تحت أي ظرف، وعلى هذا الأساس تدخل في المحادثات التقنية لوقف أي انزلاق جديد

   تقول “الأهرام ويكلي” في 26 ماي الماضي، إن 75 فردا(11) هو عدد طاقمه في اليمن، لقيادة مفاوضات الحوار الوطني، أي نفس العدد الذي أجلاه المغرب من طاقم “المينورسو”، ولا يمكن بأي حال أن يؤمن جمال بن عمر بخفض عناصر “المينورسو” من جهة ثانية، تمنع قناعة جمال الحقوقية والمتصلة بتكوينه في قانون حقوق الإنسان، واعتباره هذه الحقوق مركز الثورة الديمقراطية التي يعرفها كل جزء من أجزاء كوكبنا(12)، من أي رفض لتوسيع مهام بعثة “المينورسو” لمراقبة حقوق الإنسان، ولذلك جاءت مهمته لوقف التدهور، دون التمكن من كسر الجمود الذي باتت عليه المفاوضات “الفنية” لعودة بعثة الأمم المتحدة إلى الصحراء، وقد أصبحت “إجراء أحاديا” ليس فيه ضمانات للتطبيق من الطرف المغربي إلا بالشروط التي قدمها ولا يزال متمسكا بها.

   وفصل الرباط المحادثات “الفنية” عن “السياسية” كخطوة إلى الأمام في نظر المراقبين الذين رأوا أن “الهدوء” يسبق العاصفة، لأن المملكة تعرف ما تريده من الأمانة العامة للأمم المتحدة، وأيضا يعرف بان كيمون ما تريده المملكة من معركتها الأخيرة.

   ولم يستقر المغرب على حجم التنازلات التي سيقدمها لمجلس الأمن، وتدعم باريس ولا تقترح، بل إن روسيا تعتقد بأن الوضع صعب وعلى شفا حرب، ولا بد من الآن الاستعداد لإطلاق استراتيجية تمنع خلط أوراق الإرهاب والحرب في الصحراء، وتضع كل التسهيلات وكل أوجه التعاون مع الجزائر والمغرب لمنع استفادة التطرف الإسلامي من البؤرة المتوقعة.

   وانتقل جمال بن عمر إلى العيون من بوروندي لإعطاء تقييمه وأفكار تمنع حالة التدهور نحو (الحرب) والخروج من المأزق (الفني) الذي تعانيه (المحادثات التقنية) لعودة المينورسو.

   ومن المهم في نظر مكتب بان كي مون المزيد من التريث كي يعرض على مجلس الأمن الخلاصات.

   يقول جمال بن عمر بـ “وحدة المساطر”، وفي هذه الحالة قد يكون السيناريو مخيفا لبعض الأطراف، لأن التطورات السياسية للمعركة التقنية قد تخرج عن إطارها وحساباتها، وفي هذا الصدد، فإن بن عمر، المدافع عن هذه الوحدة في لجنة “بناء السلام” المكونة من “ألفار ودي سوتو وروبير بيلفير وياسمين شريف”، يسير إلى التريث ودعم المهمة الأممية إلى نهايتها قبل عرض التطورات على مجلس الأمن.

   كان من المقترح، قبل أسبوعين في إطار بسط الوضع أمام أعضاء مجلس الأمن، سحب البساط من دعاة مواصلة التفاوض مع المغرب، وبالخصوص فرنسا، وبدعم إسباني يجد بان كيمون أنه وصل إلى هدفه الرئيسي، أن تدعم الأمم المتحدة “المينورسو” دون أن تغير من مهامها أو طاقمها، وأن المحادثات مع المغرب “تقنية”، ويمكن الاستفادة من ما طرأ بعد أزمة “جزيرة ليلى”، حيث عادت الأمور أكثر إيجابية لصالح الإسبان في موضوع سبتة ومليلية والجزر الجعفرية.

   وتقترح الخارجية الإسبانية أن تعوض “كيم” الممثلة الشخصية للأمين العام للأمم المتحدة، وأن يقود “المينورسو” الإحساس بأن مجلس الأمن يقود الإقليم.

   ورفض المحارب القديم(13) جمال بن عمر، السياق الموضوع في جملته، لكن مواصلة المفاوضات التقنية لحل تقني يتطلب رؤية، وإن لم تكن يصنعها الآخرون لخدمة مصالحهم.

   يقول بن عمر في إحدى تغريداته على تويتر: “إن البدء في مسار سياسي ذي مصداقية ليس مهمة سهلة”(14).

   وتعاني الصحراء مسارا تقنيا لا يتطور، ويتضمن ضمانات، وهذه الخطوة الصامتة من الجانب المغربي، التي كرسها جمال بن عمر بالسفر إلى العيون مباشرة، تكشف الحد الذي وصلت إليه الأمور، لأن رد فعل مجلس الأمن مدروس من الآن، وباريس لا تعارضه، ولذلك تركت قيادة هامش المناورة لقادة المملكة، فالرباط عقلنت تصعيدها مرارا، وعرفت كيف تتجاوز قرارات من المجلس كما حدث مع القرار “1495” رغم حالة الإجماع الذي حققه والدعم الأمريكي له.

   وحاليا تريد المملكة بناء وضع جديد مع “المينورسو”، وليس إطلاق مدونة سلوك بديلة فقط، لكن ما يحاك مدروس، ويدفع إلى المواجهة الشاملة.

هوامش

1_ Asharq Awsat (édition arabe) n° 9681 (31/5/2005).
2_ Jeune Afrique, j .ben Omar «militant un jour militant toujours», 43846(1/10/2014).
3_ Carnegie Endowment for international peace, why Yemen’s political transition failed, by Farea al muslimi (april 2015).
4_ Un.org(new id=104).
5_ Real break through.
6_ dont have risks to their survival.
7_ Endpiece, new international, (issue 163, sep, 1986).
8_  Justice after transition, journal of democracy, Vol 4, n°1 (1/1993) p3 – 14.
9_ Justice after transitions, transitional justice, how emerging Democracies, reckon with former regimes, neil.j.kritz (editor) volume I, general considerations, united states institute of peace press, Washington, 1994, second edition, 2004 p: 32.
10_(is Vitiran united nations senior leader who brings to his position a deep understanding of political dialogue processes and international peace building efforts).
11_ Legitimising the coup, al ahram weekly (26 /5/2016).
12_ (Human rights have been at a center of the democratic revolution that has touched every part of the globe over the last few years).
13_ un.org.sga 1064 (bio 4780).
14_ twitter.com Jamal ben Omar (24 mai 2016).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!