في الأكشاك هذا الأسبوع

كواليس الصراع بين “قضاة الدولة” و”دولة القضاة”

ما بين المجلس الأعلى للقضاء والمحكمة الدستورية

إعداد: سعيد الريحاني

   لم تمنع حرارة الصيف، وأجواء رمضان، المئات من القضاة الذين حجوا من مختلف أنحاء المغرب إلى قاعة الندوات بالمعهد العالي للقضاء بالرباط، للمشاركة في ندوة وطنية نظمتها “رابطة قضاة المغرب”، حول موضوع: “الأدوار الجديدة للقاضي في إطار المجلس الأعلى للقضاء”، وقد تميز اللقاء الذي انعقد في أجواء صاخبة يوم الجمعة الماضي بافتتاحه من لدن وزير العدل مصطفى الرميد.

   هذا من حيث الشكل، أما من حيث المضمون، فقد اكتسب اللقاء حرارة إضافية انضافت إلى حرارة الصيف، لكونه تزامن مع بداية العد العكسي (يومين) لبدء عملية إيداع التصريحات بالترشيح لعضوية المجلس الأعلى للسلطة القضائية التي تم تحديدها في يوم 20 يونيو 2016، على أن تنطلق “الحملة الانتخابية” لتعريف المترشحين بأنفسهم لدى الهيئة الناخبة التي ينتمون إليها يوم 4 يوليوز المقبل، ولم يكن الرميد يتوقع أن يجد نفسه محاصرا بمطالب لضمان شفافية عملية انتخاب ممثلين للقضاة في المجلس الأعلى للسلطة القضائية، وقد يكون هذا هو الدافع الذي دفعه خلال نفس اليوم إلى التوقيع بشكل مستعجل على مذكرة، وقعها بصفته نائب رئيس المجلس الأعلى للقضاء، موجهة إلى قضاة المملكة يقول فيها: “.. لا شك أن هذه الانتخابات ستكون محل تتبع ومواكبة من لدن الرأي العام غير القضائي، لذلك  فالمعول على السيدات والسادة القضاة، فضلا عن تحصين الذات من كل التأثيرات مهما تكن مآتيها، أو التدخلات الغير مشروعة مهما تكن دواعيها، الابتعاد عن كل المظاهر والسلوكيات، التي تمس بسمعة القضاء، أو تشكك في نزاهة الانتخابات، مع توخي الحرص الشديد على أن تمر في جو راق ومتحضر يقدم نموذجا متفردا في فرض الأخلاق وسمو المقاصد ونبل الغايات وفاء للرسالة السامية للقضاء وهيبته..”.

   ولاشك أن الرميد الذي اضطر إلى إصدار مذكرة “للسلوك الأخلاقي” لا علاقة لها بالإجراءات التنظيمية، يعرف أكثر من غيره أن الصراع بين القضاة تحول إلى صراع للنفوذ، ولا شك أنه توقع استعمال وسائل غير قانونية(..)، رغم أنه قال في نفس اليوم وهو في ضيافة رابطة القضاة، بأن القاضي أصبح محصنا ضد كل التجاوزات، الأمر الذي يجعله قادرا على القضاء بما يمليه عليه ضميره، فهو بات محصنا ضد “المشوشات والتدخلات”. يقول الرميد.

   وكانت ندوة رابطة القضاة، التي نظمت بشراكة مع وزارة العدل، مما يعني أن الوزارة تكلفت بالتمويل(..)، قد انعقدت في ظروف ساخنة، حيث أن الجمعيات المهنية الأخرى لم تكن مرتاحة لتنظيمها في هذا التوقيت بالضبط، بينما رفع المنظمون شعار المطالبة بـ”النزاهة” في وجه وزير العدل، حيث أن السبب، هو محاولة الحيلولة دون سيطرة الوجوه القديمة المتحكمة في انتخابات المجلس الأعلى، وهي نفس الوجوه المهيمنة قبل دستور 2011، والسؤال المطروح، هو كيف يمكن لأنصار الدساتير القديمة أن يفهموا روح دستور 2011؟

   الرميد الذي كان حاضرا في ندوة الرابطة، وعقد بعدها اجتماعا مع جميع الهيئات المهنية، ساهم في تكريم شخصيات قضائية يوم الجمعة الماضي، أمثال محمد ليمامي، وأحمد السراج، وإدريس بلمحجوب، ومحمد سعيد بناني، وعبد المجيد غميجة.. وجد نفسه وجها لوجه مع رئيس الرابطة، الذي قال: إن سبب حضور ممثلي القضاة (الرابطة) في هذا الجو الرمضاني ومن مسافات جد بعيدة، هو المطالبة بنزاهة انتخابات المجلس الأعلى للسلطة القضائية، والتي تؤسس للشق الانتخابي للقضاة الذي يمر لأول مرة في تاريخ القضاء المغربي في إطار القوانين الجديدة، واعتبر الرياحي، وهو واحد من أنصار التقاليد العريقة للقضاء(..) أن هذه الانتخابات هي المدخل الرئيسي لسلطة قضائية قوية، وأنها يجب أن تقطع مع جميع ممارسات الماضي

   التي كانت تحكمها لوبيات معينة، وهي التي كانت سببا في تلطيخ الجسم القضائي النظيف، يقول الرياحي.

   هكذا إذن، وباعتراف القضاة أنفسهم، “هناك لوبيات تسعى للهيمنة على القضاء”، علما أن الوزير مصطفى الرميد ينتمي لحزب سياسي، سبق لرئيس فريقه البرلماني أن اتهم بعض القضاة بمحاولة تأسيس “دولة القضاة”، بل إن عبد الله بوانو، سبق له أن أشار بشكل غير مباشر إلى استغلال حزب الأصالة والمعاصرة للقضاء، واصفا إياه بـ”مُفبرك الملفات الذي يُريد تكرار سيناريو استعمال القضاء كما وقع سنة 2009″، حسب “بووانو” (المصدر: موقع الزنقة 20/ 25 يوليوز 2015).

   وسبق لمفهوم “دولة القضاة” أن أثار جدلا كبيرا، ليطرح السؤال حول مفهوم هذه الدولة: والجواب هنا على لسان قاض، يقول: “إن مفهوم دولة القضاة، هو تعبير أمريكي ظهر في كتاب لإدوارد لامبيرت، “حكومة القضاة والتشريع الاجتماعي بالولايات المتحدة”، إنه احتجاج سماه الرئيس الأمريكي طوماس جيفرسون بـ”استبداد الأوليغارشية” قاصدا به قرارات المحكمة العليا الأمريكية التي اعتبرت نفسها مختصة لإلغاء القوانين التي أعدها الرئيس المذكور، هذا الاحتجاج نفسه شهده التاريخ أيام الرئيس فرانكلين روزفلت الذي ندد بدوره بقرار المحكمة العليا الأمريكية تجاه قرارات إصلاحية اعتبرها ضرورية  لمواجهة أزمة سنة 1929..”.

   نفس القاضي، فاتح كمال، قال: “إن مخاوف بعض السياسيين المغاربة المعلنة، بما فيها تصريحات وزير الحريات وبعض مستشاريه، تحيل على مفهوم “دولة القضاة” كدولة “تغول” مرتقب لأعضاء السلطة القضائية في تلميح منهم أن في الأمر نسفا لشرعية سياسيي الصناديق” (المصدر: جريدة الصباح).

   بين الشرعية السياسية للصناديق، ومحاولة خلق “دولة القضاة”، يبقى الرميد أكثر مسؤولية مقارنة مع غيره من الوزراء الذين سبقوه، في ضمان نجاح هذه المحطة، على ألا تتأثر العدالة بالاحتجاجات، التي وصلت إلى أبعد مدى لها في السنوات الأخيرة بخروج القضاة للتظاهر، وهو أمر غير مسبوق في تاريخ القاضي، لولا التأثر، بموجة الربيع العربي.

   وكان وزير العدل، مصطفى الرميد، قد عقد يوم الإثنين الماضي، اجتماعا مع مختلف الهيئات المهنية، ولعله بذلك نجا، من الاتهامات بمحاباة طرف على آخر، خصصه لطرح مجموعة من الضمانات لمرور العملية الانتخابية في أجواء سليمة، غير أن التخوفات تظل سائدة بحكم هيمنة جمعية مهنية واحدة على هيكلة المجلس الأعلى في نسخته القديمة، زيادة على ما يروج داخل المحاكم، بأن الأعضاء السابقين للمجلس المنتخبين أعادوا مرة ثانية ترشيحهم وهو أمر سوف يدفع القضاة الغير منتمين إلى الودادية الحسنية للقضاة، إلى الطعن في ترشيحهم أمام الغرفة الإدارية على اعتبار أن روح القانون الجديد الذي جعل من ولايتهم ولاية واحدة لا ينسجم مع قبول ترشيحهم مرة ثانية وثالثة..، يقول مصدر قضائي، هذا الأخير يقول إن الغرف الإدارية ستكون أمام امتحان كبير وهي تبث في الطعون بعيدا عن الانتماء للهيئات المهنية(..).

   ورغم كل الضمانات والمذكرة الوزارية، إلا أن حمى الانتخابات المؤدية إلى المجلس الأعلى كان لها أثرها في الولائم، التي أقيمت، حسب مصدر قضائي بين الغابات(..) وفي فنادق فخمة في طنجة والدار البيضاء، ليطرح السؤال عن مصادر تمويل هذه الولائم الفخمة.

   وعلى الطرف الآخر، تتحرك الودادية الحسنية للقضاة، التي لم تعد تربطها أية علاقة مع التقاليد العريقة للقضاء، في زمن أصبح فيه القضاة منقسمون، بين متحمسين للأسلوب الوطني(..) وقضاة متحمسين للدعوة إلى ملاءمة التشريعات الوطنية مع التشريعات الدولية، وهو ما يعني عمليا، محاولة الفصل بين الملكية والقضاء، بحيث تنتفي كل علاقة بين الملك والأحكام القضائية التي تصدر باسمه، إلى اليوم(..).

   الودادية، بدورها، قالت إنها شكلت لجنة وطنية لليقظة، لمتابعة انتخابات 23 يوليوز، هدفها تتبع ورصد كل أطوار الاستحقاق الانتخابي وإعداد التقارير، والتواصل مع المجلس الأعلى للقضاء، بشأنها، دعما لآليات الشفافية والحكامة القضائية والجمعوية الجيدة.. ودعت الودادية القضاة الذين يأنسون في أنفسهم القدرة والكفاءة والتجربة لتحمل مسؤولية تمثيل زملائهم بهذه المؤسسة الدستورية العتيدة..” (المصدر: جريدة الصباح، عدد 21 يونيو 2016).

   هذا من حيث الشكل، أما من حيث الواقع، فإن عددا كبيرا من القضاة ترشحوا لهذه المحطة، التي تأتي في سياق تنزيل ما تبقى من مؤسسات دستور 2011 بصيغتها الجديدة، حيث بلغ عدد المترشحين 43 مرشحا في اليوم الأول، بالتزامن مع اجتماع وزير العدل مع الهيئات المهنية، التي كانت تطالب بتسجيل الاقتراع بواسطة كاميرات.

   وتجدر الإشارة إلى أن التنافس بين القضاة حول العضوية في المجلس الأعلى للسلطة القضائية، يرتبط بـ 10 مقاعد، منصوص عليها في الفصل 115 وهم: أربعة ممثلين لقضاة محاكم الاستئناف، وستة ممثلين لقضاة محاكم أول درجة، علما أن تشكيلة المجلس الذي يترأسه الملك لا تكتمل إلا بوجود، الرئيس الأول لمحكمة النقض، باعتباره رئيسا منتدبا، والوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، ورئيس الغرفة الأولى بمحكمة النقض، وتجدر الإشارة إلى أن الدستور الجديد، أعطى بعدا آخر للسلطة القضائية من خلال تنصيصه على: ضمان تمثيلية النساء القاضيات من بين الأعضاء العشرة المنتخبين، بما يتناسب مع حضورهن داخل السلك القضائي،بالإضافة إلى حضور الوسيط، ورئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان، وخمس شخصيات يعينها الملك، مشهود لها بالكفاءة والتجرد والنزاهة، والعطاء المتميز في سبيل استقلال القضاء وسيادة القانون، من بينهم عضو يقترحه الأمين العام للمجلس العلمي الأعلى.. والسؤال المطروح اليوم، هو من سيكون الرئيس؟ حيث لن تنتهي الحرب بين القضاة واللوبيات، إلا بتعيين رئيس منتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، من طرف الملك، وهو الورش الذي يتبع استكمال هياكل المحكمة الدستورية، التي شهدت حربا كبيرة في شقها السياسي المنتخب، مؤخرا من طرف البرلمان، باقتراح من الهيئات السياسية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!