الحقيقة الضائعة | المغاربة زاغوا..

بقلم: مصطفى العلوي

   أراد الكاتب المؤرخ أن يخلد على صفحات تاريخ المستقبل، الحالة الاجتماعية في المغرب، فكتب: “كثر أهل الفساد في الحواضر والبوادي، وعم المغرب الغلاء، وعظم البلاء، وأكل القوي الضعيف، وصارت أموال الناس غنيمة فلم يبق في الناس عهد ولا نية بعدما اشتد الخوف في الطرقات”.

   فهل ينكر أصحاب السادة ووزراؤنا الأمجاد(…) – وهو وصف لم نعد نسمعه في حق وزرائنا هذه الأيام – هذا الواقع، أم سيتهم الوزير على الأمن والداخلية، أو الوزير المسؤول عن الشؤون الاجتماعية، كاتب هذه السطور، بالكذب، ويتهموه بالمس بالشؤون الداخلية؟ وقد عشنا وشفنا زمنا كان فيه التنبيه على الفساد، يعتبر مسا بالأمن الداخلي.

   طبعا.. لا.. خصوصا وأن هذه الحالة، كانت في المغرب سنة 1736، كتبه المؤرخ الرباطي “الضعيف”، لنجد أننا بعد أزيد من مائتين وثمانين عاما، مضت، أصبحنا نعيش هذا الواقع في عهد الأمن والكوميساريات.

   وإنما الفرق بين عهد المغرب منذ مائتين وثمانين عاما وعهده اليوم.. هو أن استفحال الحالة الاجتماعية، ليس أمرا جديدا علينا.. فالمغاربة عبر القرون والأجيال، وإضافة إلى ما يقال لنا عن الشهامة والبطولة والكرم، هم شعب فوضوي بطبعه.. مريض بالرشوة واستغلال النفوذ، مبني على فلسفة تسكن مكامن كل مغربي، وهي ازدواج الشخصية، والحياة بمظهر خارجي، يختلف تماما عن الحقيقة الداخلية.

   كانت سيدة شعبية تشتري اللحم عند جزار بحي التقدم بالرباط، فجرتها من كتفها امرأة متسولة، كما هي العادة، لتطلب منها صدقة لله.. وعندما التفتت مشترية اللحم لتتفحص حالة المرأة المتسولة.. والتقت عيناهما.. هربت المتسولة أمام استغراب الجزار، الذي سأل زبونته فأجابته، بأنها المرأة صاحبة البيت الذي تسكن فيه، والزبونة تدفع لها الكراء.. وصاحبة البيت هي المتسولة.

   لتظهر لنا صحة ما كتبه أحد الأطباء الإنجليز “لامبريير” عن حالة المغرب في القرن الماضي، حيث لاحظ أنه لا يمكن معرفة داخل المغاربة، إنهم يخفون الحقيقة بمظاهر تناقض واقعهم، مما يضفي عليهم طابع الغلط الدائم، وعندما يتربى المرء في أحضان الكذب والتزوير والمناورة، فإنه من الصعب عليه أن يقول الحق عندما يصبح كبيرا.

   والذي يتفحص الحالة الاجتماعية الحاضرة في المغرب، ويتعمق في تركيبتها وهي ترفل في حلل الديمقراطية، مهما كانت شوائبها، وحقوق الإنسان مهما اختلفت تأويلاتها، يرى أن جيلا جديدا تربى في أحضان الفوضى والتلاعب وإغماض العين، وشراء القرارات، وتزوير المستندات، أصبح يهيمن على الساحة المغربية مما يجعله أخطر بكثير من داء الرشوة التي يمكن استئصالها.

   ولو تفحصنا عاهة التسول، التي استفحلت هذه الأيام بشكل رهيب، حيث أصبحت أفواج المتسولين الذين أصبح التسول بالنسبة لهم صناعة جديدة مربحة، فلم نبق نرى العجزة المتسولين إلا نادرا، بعد أن جاءت أفواج الشباب والشابات الذين يطردون المتسولين الحقيقيين ويحلون محلهم.. وبرعوا في التمثيل المسرحي، حتى أن أحد الشخصيات الكبيرة، كان مارا في موكب متبوع بالسيارات الأمنية، رأى معوقا جالسا بعكاكيزه على الأرض، فوقف وأعطاه صدقة، ما أن أقلعت السيارة حتى وقف المعوق ضاحكا وشرع يجري، مما جعل الموكب يقف ليعتقل رجال الأمن ذلك المعوق المزور.

   والذين يكترون الأولاد الصغار بعشرة دراهم في اليوم، ليتسولوا بهم ويكسبوا باسم الإنسانية وضعف البشر، أموالا يومية طائلة، حيث أصبح التسول، وخاصة في مثل هذا الشهر الكريم، هواية عند الكثير ممن نراهم متجمهرين أمام المحلات التجارية، والأبناك، والمطاعم، حيث نرى عشرات الأولاد الغلاظ الشداد، وعشرات البنات القويات واقفين في باب المحلات، بعدما يتعاطون المواعيد في دواويرهم ومنازلهم..

   وها هو المغرب قد يخسر الملايير نتيجة امتناع السياح الأجانب عن زيارة المغرب، إذا ما كتبت الصحف الدولية عن بعض الاعتداءات التي يتعرض لها السياح من طرف المتسولين، والمرشدين المزورين.

   سيقول المقربون من المعارضة، بأن إثارة هذا الموضوع هو نوع من التجني على الفقراء والمعوزين وأن المشكل هو مشكل الفوارق الطبقية، لنبقى غائصين حتى أذاننا في بحر الديماغوجية والمزايدات السياسية، وتذكروا المشروع الذي قدمته أحزاب الأغلبية في سنوات التسعينات أمام البرلمان لمحاربة التسول، فسقط البرلمان في متاهات المحاضرات الكلامية، بينما ظاهرة التسول تفاقمت إلى درجة جعلت المغرب يعيش فوضى عارمة، سيكون من الصعب الحد من خطرها.

   ولم نجد حزبا، ولا لجنة تنفيذية، ولا مجلسا بلديا ينظر إلى الموضوع نظرة إيجابية، عبر إجراء إحصائيات، واتخاذ قرارات صارمة من المؤكد أنها إذا كانت جدية، فلن يبقى في المغرب متسول.

   ويكفي استفسار ثلاثة افراد في أي وسط وأية مدينة، لنجد أن اثنين فيهما محتاج لمساعد في البيت، أو بستاني في الحديقة، أو مربية للأولاد، مثلما أن واحدا في المائة من الموظفين والموظفات يقفلون أبواب شققهم على أولادهم الصغار بدون مربيات، ليذهبوا للعمل. وتستفحل الأزمة عند الفلاحين في البوادي، حيث نجد الضيعات الكبيرة مقفرة من العمال، ونجد ساكني البوادي يأتون إلى المدن ليبحثوا عمن يشتغل عندهم.

   وأكيد أن مندوبية السيد الحليمي قد أجرت إحصاءا بعدد المناصب الشاغرة في المجالات الاجتماعية، وربما وجدت أن هناك مناصب جاهزة لأكثر من مليون من الشغالين، في هذه المجالات التي لا تتطلب تعليما ولا شهادات.. بصرف النظر على ما يعانيه أصحاب المقاولات الصغرى، من نجارين وصباغين وحدادين وميكانيكيين من نقص في مجال العاملين، بعد أن أصبحت صناعة التسول، وحرفة التسكع، وتخصص السرقة والسطو على المنازل والسيارات، هي الشغل الشاغل لجيل جديد من الأولاد والبنات، الذين أصبحوا يتخذون من الشارع ملجأهم.. مع عقلية من الاستهزاء والاعتداء.. والزياغة.. حتى أصبحنا نسمع متسولين يتسولون باللغات الأجنبية.. ويرمون الدرهم عندما يعطيه لهم متصدق.

   وتسهم القوانين المفروضة على من يريد تشغيل إنسان عنده على أن يؤدي له الحد الأدنى من الأجر، والناس جميعا مستعدون لأداء هذا القدر، ولكن تضاف إليه الضرائب، والضمانات، وما ينتج من مشاكل أمام القضاء، عندما يرفع المشغل دعوى ضد صاحب البيت.. فتستفحل الحالة، ويصبح القانون مساهما في تنامي عاهة التسول.

   وإذا لم تقدم الدولة على عقلنة التعامل مع الأزمة الاجتماعية، فإن المغرب لن يعرف أمنا ولا استقرارا، ولخير لهذه الأحزاب، وهؤلاء الفلاسفة والباحثين أن ينكبوا على دراسة ظاهرة الفوضى التي أصبحت تهيمن على المغرب.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!