في الأكشاك هذا الأسبوع

آخر التطورات في الحرب السرية بين الجزائر وعبد اللطيف الحموشي

 إعداد: عبد الحميد العوني

   اليوم، يحتل عبد اللطيف الحموشي، مدير المخابرات الداخلية والأمن الداخلي (الوطني) في المملكة، والمستشار الأمني للملك محمد السادس ـ حسب تسريبات ويكيليكس ـ أكبر منصب لم يتحقق لأقوى وزير داخلية في عهد الحسن الثاني (إدريس البصري)، ودخل أتون الصراعات الإقليمية مع الجزائر، منذ القول أن تفجيرات ساحل العاج، التي حقق فيها شخصيا، وتفجيرات بوركينا فاسو ومالي “هجمات منسقة” ومن الحدود الجزائرية، فانتقلت الحرب السرية بين الجزائر والمخابرات الداخلية المغربية إلى حرب علنية لن يستطيع أحد إيقافها، وسببت ـ في وقت سابق ومباشرة ـ بعد تفجيرات “أطلس أسني” في إغلاق الحدود بين البلدين، وتوترات كادت في 15 مرة أن تشعل الحرب.

   وأكدت دوائر غربية أن تعاطف وزير الداخلية الإيفواري (حامد ياكايوكو) مع المغرب لم يؤثر على ربط التفجيرات الأخيرة في ساحل العاج وبوركينا فاسو بالحدود الجزائرية، ببساطة لأنها اعترافات لمقيم في ساحل العاج يبلغ عمره الـ 24 سنة.

   وفتحت واشنطن تحقيقا جديدا حول الشخص (أو اللغز المرابطي كما اصطلح عليه واختزلته التحقيقات  بـ (أو. إم))، وطالبت أجهزتها بلقائه، وأكد المشتبه به أن سائق سيارة الدفع الرباعي تواجد في باماكو ووغادوغو وأبيدجان قبل التفجيرات التي ضربت العواصم الثلاث، ويؤكد هذا الحضور على وجود تنسيق حسب الوزير الإيفواري.

   وتقدم السائق إلى مدينة (دايو) شرق أبيدجان من أجل “الورقة الزرقاء” يقول الوزير: “نعرف مساره وكل اتصالاته والوجوه التي التقاها من أجل كشف اللثام عن “الخلايا النائمة” التي تريد الوصول إلى تفجير المغرب على نفس خطوات وسيناريو  تشادي طنجة)”.

   و”باري باتيستي”، هو السائق الذي حققت معه السلطات الإيفوارية، وإلى جانبه مبحوثين في أغلبهم من طرف السلطات المالية، ولا يزال المشتبه الرئيسي “كونتا دالا” هاربا، وقد يتبع مسالك المهاجرين السريين، وإلى حدود 13 مارس الماضي، لم يكن لهذا الأربعيني “كونتا” من أسرة مرابطية أي تاريخ جرمي، ولا تعتقد سلطات مالي بأن “كونتا دالا”، هو المخطط لتفجيرات شملت ثلاث دول بشكل منسق، وتؤكد أنها ستكشف عن المخطط الحقيقي بما ينسف الرواية الإيفوارية ـ المغربية، وتنقسم دول الساحل بين روايتين ليست سوى روايتي المغرب والجزائر.

   تقول تحقيقات باماكو إن “كونتا دالا”، العامل لدى تاجر موريتاني قبل أن يلجأ إلى ساحل العاج بائعا للشاي والسكر، ليس هو العقل المدبر، لأنه ليس في الأصل جهاديا بل مجرد سمسار.

   وانقسمت التحقيقات بين ساحل العاج ومالي، لطبيعة تحالفات الجزائر وتأثيرها على باماكو، والصداقة القوية، بين الأجهزة الأمنية في ساحل العاج والمغرب، وإن كانت هذه آخر التطورات في الحرب السرية بين الجزائر والحموشي، فإن وجوه الخلاف متعددة و”منسقة” في حرب مفتوحة من منطقة الساحل وإلى آخر ملف داخلي في الجزائر أو المغرب.

فيتو فرنسي ضد الحموشي لرفض باريس تحويل ملف “غرب إفريقيا” إلى شأن داخلي في المغرب، ولا ترى واشنطن مانعا في إدارة المستشار الأمني للملك ـ وتقصد الحموشي، وقد سبق علي الهمة لهذا المنصب ـ لكل تفاصيل التهديدات القادمة من الساحل والجوار الإفريقي “كتهديدات داخلية”

   في وثيقة ويكيليكس (06 الرباط 330 ـ أ لـ 24 فبراير 2006)(1)، يؤكد المسؤولون الأمريكيون على أن الحموشي “مستشار أمني للملك محمد السادس” قبل أن يلتحق علي الهمة بطاقم مستشاري الملك، وفي إدارة علي الهمة لمهام نائب وزير الداخلية، أرسله الملك شخصيا للقاء “كرابسبون”، منسق ندوة أقامها “المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية” والاتحاد الإفريقي، في بحر فبراير 2006، كي لا تملأ البوليساريو مقعد المملكة في الحرب الأمريكية على الإرهاب داخل القارة السمراء وبالتعاون مع الاتحاد الإفريقي، وقد رفضت الخارجية المغربية المشاركة في الندوة.

   إن الحموشي، منذ تلك اللحظة، من القنوات الخلفية لعمل الملك، والمهنية عندما خاطب الأمريكيين بأن الحرب الإيديولوجية “ليست من مهامي”، واعتماده على الحرفية والمهنية جعلته يطبق “لا سلاح في الإرهاب سوى المعلومة”، في زمن يمكن أن يذهب الإرهابي فيه  لشراء الهيدروجين بروكسيد من الصيدلية.

   وفي نظر الفرنسيين، لا يمكن تحويل قضايا الساحل والمغرب العربي إلى “جزء من السياسات الداخلية للمملكة”، وصدر فيتو ضد الحموشي من الخارجية الفرنسية، ووزارة الدفاع في شخص “لودريان” ضد “المستشار الملكي غير المعلن إلا في الكواليس”، حين آمن أن باريس لن تسمح بتمدد هذه الرؤية أو نقل الخلاف المغربي ـ الجزائري إلى منطقة الساحل، لأن البلدين يحرصان على اعتبار “قضايا الساحل وغرب إفريقيا” قضايا داخلية.

   ووصف الحموشي ـ في الوثائق الأمريكية ـ التعاون الأمني المغربي/ الجزائري بـ “الشارد” أو “الغريب الأطوار”، فمرة كما يقول، تكون المعلومة جيدة، ومرة نتبع طريقنا الواحد. إنه “شريك صعب” بلغة ياسين المنصوري، مدير “لا دجيد”، أول وكالة مخابرات في المغرب حسب نفس الوثيقة.

   وتواطأ الفرنسيون والجزائريون على الحد من قوة المغرب في غرب إفريقيا، واتفقوا على منع المخابرات الداخلية من أي عمل في مالي ومنطقة الساحل، فيما طالب عبد الحق الخيام، عن المكتب المركزي للتحقيقات القضائية في جريدة (أ. بي. ثي) الإسبانية يوم 9 ماي الماضي أن يكون التعاون شاملا مع دول المغرب العربي.

   وفسر المختصون تصريح الخيام، بأنه طلب مغربي لتجاوز التطورات الأخيرة، وما خلفته تحقيقات شارك فيها الحموشي في ساحل العاج، وقد اتهمت أطراف في نجامينا بأن المغرب أرسل إشاراته في قضية “الذباح الداعشي” التشادي المعتقل في طنجة، وأن قضيته مدعاة للتعاون بين الرباط ونجامينا، وأورد “موقع 360” وجود جزائري مبحوث عنه في هذه القضية(2)، ودعوة الخيام إلى تعاون مغاربي في مكافحة الإرهاب لا يخرج عن الرغبة في التعاون، على نفس الصعيد مع تشاد، التي تقود الاتحاد الإفريقي، وتريد الرباط تهدئة لعمل رئيس هذه المنظمة في قضية الصحراء.

   وترفض باريس السياسات المغربية العاملة على تحويل قضايا الساحل وغرب إفريقيا إلى قضايا داخلية، تماما كما رفضت مدريد في عهد الجنرال لعنيكري أي عمل للمخابرات الداخلية المغربية على الأرض الإسبانية، وسبب الخلاف في اتهام الجنرال بالتفجيرات التي حدثت في العاصمة الإسبانية. ورفضت الدول الاسكندنافية توسع المخابرات المغربية الداخلية من مراقبة المهاجرين من أصول مغربية إلى إدارتها لملفات أخرى شديدة التعقيد والحساسية.

   ودافع الملك شخصيا على (العمل المهني) لكل الأجهزة المغربية، وطلب من شركاء المغرب نفي هذه الحساسية التي سببت في وقف العلاقات أو تعليقها بين فرنسا والمغرب، ورفضت الرباط ما يدعوه وزيرها في الاتصال مصطفى الخلفي “شيطنة الأجهزة الأمنية” تعليقا على ذكر الحموشي في ملف متابعة جهاز الأمن الوطني لصحافي مغربي.

   وتعاني العلاقات الأمنية الجزائرية ـ المغربية من وطأة الجيش الجزائري على مختلف أجهزة المخابرات العاملة على الأرض الجزائرية وخارجها، وهو ما قال عنه علي الهمة بـ (فجوة) الأجيال والأفكار بين الجزائر والمغرب، ويلاحظ أن ياسين المنصوري في “لا دجيد”، والحموشي في المخابرات الداخلية، قيادات مدنية ومن أجيال شابة مقارنة مع نظرائهم في الجزائر. وتسعى هذه القيادات إلى حماية نفسها خوفا من “عسكرة المخابرات الداخلية أو الخارجية” وتتعاون مع الجيش بمختلف مكاتبه الاستخبارية وتجاوز المكتب الثالث الذي يقوده عروب، الرجل الثاني في الجيش المغربي، أي سوء تفاهم ممكن بين المدني والعسكري في مجتمع الاستخبارات المغربية.

   وقد يصل جنرالات شباب في مرحلة ما بعد عروب، المثارة بعد وعكته الصحية الأخيرة، إلى تمتين (العلاقات) بين المدنيين والعسكريين على نمط المخابرات المختلطة لـ “لا دجيد” أو خلق منافسة جديدة قد تشكل المرحلة القادمة. وتراقب الجزائر عمل ومصير قيادة الحموشي، وتمدد عمله في غرب إفريقيا وفي أوروبا لقبول بلجيكا بالتعاون مع المغرب، ومع مختلف أجهزته. وكانت الاتصالات مع الملك المغربي من ملك بلجيكا، أو رئيس ساحل العاج مؤهلة لعمل المخابرات الداخلية المغربية خارج الحدود، بقيادة مستشاره الأمني.

   ومررت الرباط تكتيكات عملها وتقديراتها وتشكيلتها بالطرق التي تناسب حرفية عناصرها، وهو ما دفع المغرب إلى ربح نقط سياسية من خلال عمله في مكافحة الإرهاب على الصعيد الجهوي أو القاري في منافسة الجزائر التي عاشت حربا دموية لعقد من الزمن ضد إرهاب القاعدة وأخواتها والمشتقات عنها، ويكاد المغرب الذي عرف تفجيرات في البيضاء ومراكش أن يطور من آليات دفاعه الذاتي في الحرب على الإرهاب، ويشارك دوليا في معركة مفتوحة ضد التطرف الإسلامي بأبعاد تتصل بالحسابات السياسية المباشرة، والجيوسياسية من حرب اليمن والحرب على “داعش” في سوريا، وإلى المشاركة في جهود دول الساحل وغرب إفريقيا.

   وهذه المساهمات المتعددة جرت المخابرات الداخلية “دي. إس. تي”، أو نسختها المعدلة “دي. جي. إس. تي”، إلى العمل الخارجي، وعارضت فرنسا هذه الخطوة بشدة دفعت إلى إثارة تعامل هذه المخابرات مع المعتقلين لديها وسببت في دعوى “حركة مسيحيون لإلغاء التعذيب” ضد الحموشي، المعروف بالمستشار الأمني لأمير المؤمنين، وهذه الخلفية سببت تطورات دفعت باريس والرباط إلى استئناف العلاقات الأمنية بعد تعليقها لسنة على الأقل.

   ورد المغرب بطريقة دبلوماسية باستدعائه السفير الفرنسي آنئذ “شارل فريس”، ونفذت “لا دجيد” أخيرا استدعاء مماثلا للسفير الأمريكي، وجاءت هذه الردود  في أجواء الحد من تأثير البوليساريو والجزائر على منطقة الساحل وغرب إفريقيا، لأن غرب إفريقيا هو كل إفريقيا عند المغاربة بدءا من مالي التي كانت فرصة لاستعادة المملكة لدورها الإقليمي، وفي الأزمة المالية، كان رهان العلاقات الجزائرية المغربية كما تقول “الجريدة الدولية”(3).

   فالمسألة تتعلق حسب الجزائريين، بتقليد المغرب لرؤيتها في اعتبار الأزمة المالية مشكلة داخلية، لاتصال الحدود وشساعتها بين “أزواد” والجزائر.

   وأخرجت مالي المغرب من عزلته، وتبنى نفس الرؤية الجزائرية، وأثارت مقاربة الرباط فرنسا والجزائر معا، ومنذ تطور الاقتصاد الإجرامي وتحكم في ثلاثة مطارات (كاو ـ تساليت ـ وتومبوكتو) لم يعد ممكنا لتهديدات قادمة من 180 ألف عالق بين حدود دول المنطقة، أن تمر دون دور  للمخابرات الداخلية للمملكة في دخول الأفراد أو متابعة التهديدات، وعارضت فرنسا عمل المخابرات الداخلية للمغرب في مناطق نفوذها الإفريقي بنفس ما تحرم عملها على الأراضي الأوروبية، وأعطت ساحل العاج شرعية غير مسبوقة لعمل الحموشي في القارة السمراء، لكن حملة التشكيك في النتائج من طرف مالي والجزائر وفرنسا، وبالتحديد من “قصر كولوبا” في باماكو، وبتوقيع المستشار الأمني للرئيس المالي، كرست خلاصة وزارة الدفاع الفرنسية برفض كامل لعمل المستشار الأمني للملك المغربي في كامل ملفات غرب إفريقيا.

   ويتواصل الفيتو الفرنسي ضد الحموشي إلى الآن بطريقة غير مسبوقة، بعد قرار المجلس الأمني للرئيس العاجي التأكيد على الخلاصات الفرنسية التسع للعمل في غرب إفريقيا، وتواصلت هذه التحديات العابرة للحدود منذ قرار وزير الدفاع المالي “صومايلو بوباي مايغو” القريب من الجزائر(4) زيارة بوتفليقة والملك المغربي في باماكو، حيث سيطر طرطاق على مفاتيح الجيش المالي، ومن هذا النجاح، فكك في الداخل مخابرات الجنرال مدين، ومن مالي أعيد بناء ثلاثة فروع خارجية في غرب إفريقيا، وطرطاق، في زيارة سرية اقترح دعم المخابرات المالية بمليوني دولار ضمنها شحنات أسلحة في مقابل حرمان المخابرات الداخلية المغربية من العمل فوق الأراضي المالية لأنها ليست جزءً من المغرب، وما إن مالت دولة مالي إلى الجزائر حتى اضطر المغرب إلى تعزيز حركته مع ساحل العاج.

   وهكذا، عادت الجزائر بقوة إلى سياسات مالي كما تقول جريدة “لوموند”(5).

   وحدث تنسيق جزائري فرنسي منذ ابتعاث فرانسوا هولاند لـ “هيلين” للضغط على باماكو لإطلاق مفاوضات مع الطوارق، واستثمرت الجزائر الفرصة المتاحة، وتحولت منطقة الساحل مقدمة لحرب جيوسياسية بين المغرب والجزائر كما تقول “الجيريان ووتش”(6).

   وتطورت هذه الحالة إلى توصية في لقاء بتمنراست تقول إن الجيوش الإفريقية عارضت تدخل كل جهاز أمني داخلي للمملكة في الشؤون الداخلية للدول المجتمعة.

   وتخوفت الجزائر من تحول المتطرفين الإسلاميين الأفارقة إلى جزء من صناعة الرهانات الداخلية في منطقة الساحل وشمال وغرب إفريقيا، وجاء التهديد “حاسما” بعد التحاق “محمد علي أغ” و”اسودان المالي” بتنظيم القاعدة، حينها قال وزير الداخلية المالي: “المسألة داخلية ولن نسمح لأي جهاز داخلي في أي دولة بالعمل في ملفات داخلية لمالي، وفرنسا تدعمنا وهي ترفض مشاركة الجهازين الداخليين الجزائري والمغربي في قضايانا، لأنها قد تغير من طبيعتها”.

   وجاء تقرير “بيير بويايا”، الممثل الأعلى للاتحاد الإفريقي لكل من مالي وساحل العاج حاسما في رفض عمل المخابرات الداخلية المغربية على الملفات الداخلية للبلدين المذكورين، وأقصت الجزائر دور بوركينا فاسو التي كانت وسيطا باسم “سيداو” بين الطوارق وباماكو، واتهمت المغرب بدعم “الحركة الوطنية لتحرير أزواد”، وذكرت اسم الحموشي وطالبت بتحقيق واسع تحت منظمة الاتحاد الإفريقي.

   وأوقفت باريس التصعيد الجزائري فورا وباشرته بطريقتها لوضع الحموشي خلف الخطوط المرسومة للعمل المغربي في غرب إفريقيا. وأشار الوزير المالي موسى مارا، إلى تحفظ بلاده من التعاون مع المغرب كي لا يثير الجزائر، وإن مع المستشار الأمني للملك، لأنه يدير الجهاز الداخلي للأمن في بلاده وليست “مالي” شأنا من الشؤون الداخلية للمملكة في أي جانب، الجانب الديني أو الجانب الأمني.

   وسبق لبعض الساسة المحليين نعت السلطات في باماكو بالسذاجة، وهو ما قاله “حماد أغ بيبي” المساعد السابق لـ “أغ غالي”، وهو برلماني وعضو في لجنة الأمن التي على رأسها ابن الرئيس “كريم كاتيا”، والشخصان رفضا التدخل الفرنسي، وبالأحرى المغربي والجزائري، وتوبعا قضائيا. وجاء رفض ابن الرئيس “كريم كاتيا” لكل من تدخل المخابرات الداخلية الفرنسية والجزائرية والمغربية، والعمل مع الجيوش فقط، إيذانا بحرب ضد إدارة الحموشي لبعض الملفات.

   وتعود المخاوف إلى اعتبارات اقتصادية قال بها وزير المالية “فيلي سوسوكو” وأخرى أمنية، فيما يدعى ثالوث: باريس، الرباط، الجزائر، وأيضا لأسباب جيوسياسية كما أوردت الـ “فورين بوليسي” الأمريكية ونقلتها إلى الفرنسية “لوكيربي أنترناسيونال”(7)، ولاقى المقال نجاحا رهيبا في أوساط النخبة الفرنكوفونية في دول غرب إفريقيا.

   وجاء في المقال: “أن حلم المغرب الكبير الذي يحتوي الحدود الغربية للصحراء الجزائرية ـ والموريتانية وشمال غرب مالي والصحراء “الغربية” مفهوم له جذور منذ الخمسينات من القرن الماضي، حيث أراد الوطنيون المغاربة العودة إلى حدود السلطنة المغربية في فترة ما قبل الاستعمار”. وأخاف هذا التقدير “الجيوسياسي” دولا وحكاما في غرب إفريقيا، وكان مهما عدم إلحاق دول بالشؤون الداخلية للمملكة، ورفضت عواصم أوروبية وباقي عواصم دول الاتحاد الإفريقي ما يخطط له المغرب من خلال مخابراته الداخلية في غرب إفريقيا ومنطقة الساحل.

   ولم يصل إعلان الرباط إلى كل نتائجه، وقرر 19 بلدا، بما فيهم فرنسا وليبيا ومالي احتضان الرباط لـ “مركز للمعلومات حول الحدود”، وانتهت المهمة بعمل تنسيقي للمكتب المركزي للتحقيقات القضائية مع دول غربية وإفريقية. ومن اللافت في هذه التعقيدات، أن الرئيس “ابراهيم بوبكر كيتا”، لم يرغب في مفاوضة الشركات المغربية حول نصيبها من استغلال الثروات الطبيعية (الألمنيوم والألماس والذهب)، وتدخلت جنوب إفريقيا لمنع إحدى الشركات التابعة للهولدينغ الملكي من الاستثمار في هذا البلد.

    ومنعت نفس الجهة مستشار الملك الأمني من العمل عبر المخابرات الداخلية في الشؤون الداخلية لدول غرب إفريقيا، وكان مقال “فيش ساكنديفال”(8) “حاسما” في قراءة الأبعاد المغربية في إفريقيا، كما كان سببا في إعلان الجزائر لقوة تدخل سريع من 4 فرق للمظليين وفرقة خاصة و125 طائرة و33 حوامة وألف دبابة وألف مضاد للدروع، كي تحافظ على مركزها لامتلاكها “الجهاز الأكثر فعالية في العالم لمكافحة القاعدة”(9)، كما يقول “جون شيندر”(10)، المحلل السابق لفرقة التجسس في وكالة الأمن الوطني الأمريكي. ولا يجد الأمريكيون مانعا من تحول (الأمن الوطني) من مديريته لمراقبة التراب الوطني إلى “وكالة للأمن الوطني المغربي” تضمن تقييم التهديدات الخارجية والداخلية، لأن “الجهاد عابر للحدود”. وأول الشروط التي يراها الفرنسيون والأمريكيون لتحقيق هذا التحول:

   ـ تعزيز قيم حقوق الإنسان من رفض التعذيب، كما قالت باريس، وإلى حرية التعبير، كما أشارت إليه الخارجية الأمريكية.

   ـ تحويل جهاز الأمن الوطني في المغرب إلى وكالة، وهذه الخطوة متأخرة إلى حد بعيد.

   ولم ترغب الرباط في المس بأجهزتها لاعتمادها شبه الكلي على الأمن في قراءتها للداخل وأيضا للإقليم.

   ويحاول المغرب أن يملأ الفراغ الموجود، فموريتانيا وحدها من تحركت لمحاربة الإرهابيين(11) في “اجتماع تمنراست” لقادة الأركان المشتركة بين النيجر وموريتانيا ومالي والجزائر في 2010، ورفض المغرب عزلته مرارا، لكن فرصته كانت مواتية في مالي وساحل العاج، وبفضل عمله الأمني، تقدم الحموشي إلى نقط تحفظ عليها الشركاء الغربيون والأفارقة. من جهة، يقول “بيير بووالي”، المتخصص في مركز دراسات العالم الإفريقي “سيماف”، إن الأبناك المغربية واتصالات المغرب وغيرها من شركات المملكة واجهت تأثير “صوناطراك” في إفريقيا، ومن جهة ثانية، كانت رهانات بترولية في هذه العلاقات الأمنية المعقدة التي ذابت بفعل انخفاض ثمن البرميل.

   وكم عارضت الجيوش الإفريقية مصاحبة الشركات للمخابرات الداخلية من بلدانها الأم للعمل معها وإلى جانبها في دول خارجية، ولا تختلف الرهانات المغربية عن مثيلاتها. وطرحت “لوموند” سؤالا هاما في مارس الماضي(12) يقول: “إلى متى يبنى الأمن في دول الساحل من دون الجزائر؟”.

   يقول “صديق أبا”، مؤلف كتاب: “التمرد الطوارقي في النيجر، من قتل مانو دياك؟”، “إن تأسيس منظمة للأمن في منطقة الساحل دون الجزائر يذهب بعيدا في إبعاد القوتين الجزائرية والمغربية، وهو تطور للقوى الخمسة أو “جي 5″: موريتانيا ومالي وبوركينا فاسو، النيجر وتشاد منذ الطفرة التي حدثت في 2014”. وهذه الدول المنسجمة طوبوغرافيا، جغرافيا وثقافيا وجيوسياسيا رفضت القيادة الجزائرية والمغربية، وبالأحرى عمل أجهزتها الأمنية في هذه الأقطار.

   وتدعم فرنسا معهد الحرب في نواكشوط، كما تدعم فيلق التدخل السريع “بير”، بما فيه سلاح الجو “إير ساحل”، وبناء خط نواكشوط ـ نجامينا مرورا بمالي وبوركينا فاسو والنيجر. وجاءت مجموعة “جي 5” إثر فشل قيادة “سيموك” (الأركان المشتركة لدول الساحل في الجزائر)، وإثر عزل التدخل المغربي لدولة الجزائر، وعزل تدخلات المخابرات الداخلية لكل من دولتي الجزائر أو المغرب والعمل مع المخابرات الخارجية للبلدين. وفي كل الأحوال، فالجيوش عزلت المخابرات الداخلية لإنجاح منظومة “جي 5″، وطلبت الجزائر أن تواصل ابتعادها إلى حين قرارالمجموعة بعدم تدخل المخابرات الداخلية المغربية  التي يقودها الحموشي في الشؤون الداخلية لهذه الدول .

   ولم تغفر الجزائر إلى الآن لإدارة “أمادو توماني توري” في مالي، لأنها سمحت للمغرب بالتدخل، وربطت علاقات مع القاعدة من 2002 إلى الانقلاب على إدارته، وقد طور “توري” نظاما فاسدا كي تصطدم القاعدة مع النزعة العرقية “الطوارقية” في أكبر صدمة حركت خارطة الاستقرار في المنطقة. دون أن ينسى مركز “إفريقيا للأفكار” التذكير باتهامات “طاهر تواتي”، نائب القنصل الجزائري في شمال مالي بمساعدة المغرب للقاعدة لضرب الجزائر وإضعافها.

   ومنذ إعلان إطلاق العملية الفرنسية في غرب إفريقيا، ومن مالي، “برخان” عوض “سرفال” تدخلت فرنسا في النيجر في ماي 2013 بعد مالي (يناير 2011)، وفي مالي مجددا بعد تفجيرات 20 نونبر 2015، حيث تدخلت مخابراتها الداخلية بعد عزلها للمخابرات الداخلية الجزائرية والمغربية، وما حدث من تفجيرات، خدم فرنسا لمحاصرة الجزائر التي قدمت مساعدات إلى مدرسة الحرب في نواكشوط كي تصبح مدرسة متعددة التخصصات (الشرطة الدرك والجمارك)ن وبهذا الدعم لـ  “جي 5” إلى جانب الاتحاد الإفريقي “سلخت” باريس نواكشوط من المغرب.

   كان مهما للجزائر أن يتجاوز المغرب تراث “لعنيكري”، الجنرال الذي حول المخابرات الداخلية إلى عامل مساعد للمخابرات الخارجية ومخابرات الجيش، لكن الحموشي واصل نفس العمل لدعم المغرب.

  وإن سحبت الجزائر مستشاريها العسكريين في حرب “تيساليت” مارس 2012، فإن تواجدا حدث لجهاز لعنيكري في منطقة الساحل تقول تقارير المتابعة، ولا يزال الحال على ما هو عليه، فالمخابرات الداخلية المغربية متهمة بالتواجد في دول الساحل، وآخرها ساحل العاج.

   وأوصت باريس مصر بالتواجد في “جي 5” وتريد السنغال عضوية كاملة ولا تقبل صفة ملاحظ.

   وتقدمت خارطة التهديدات على ضوء الخارطة الجديدة، فنفوذ الجزائر في مالي تقوى ووصل تهديد “أنصار الدين” إلى ساحل العاج، وتقدم في المقابل التعاون العاجي ـ المغربي من خلال قناة الحموشي في تجاوز للخطوط الحمراء المرسومة في المنطقة، واليوم تعطي الجزائر النفط مجانا للجيش المالي في عملياته في شمال البلاد وغربها، ويتقدم التعاون بين المخابرات الداخلية المغربية ونظيرتها العاجية إلى تطابق القراءتين الأمنيتين في البلدين بخصوص التفجيرات التي حدثت في غرب إفريقيا والساحل، ويتساءل الجميع، هل تقسيم النفوذ بين المغرب في ساحل العاج والجزائر في مالي كاف لوقف التهديدات في منطقة الساحل.

   تقول “لوموند” في 18 يناير الماضي في مقالها: “تهديدات في الساحل”(13)، إن دول إفريقيا تجد المال لشراء طائرات رئاسية، ولا تجد المال لتمويل استخباراتها، ولا تعطي باريس حاليا (أموالا) للمخابرات في هذه الدول.

   وهو التطور الذي يدفعها إلى العمل مع المغاربة أو الجزائريين أو بين أطرافها، كما في مجموعة “جي 5″، وهي فرصة للحموشي والمغرب انطلاقا من ساحل العاج، وكلما تحول (الأمن الوطني) إلى “وكالة”، كلما زادت رهانات التعاون الإفريقي مع هذه الوكالة، وسيربح إفريقيا، من لديه رؤية، يقول “لوران بيكو” في انتقاد شديد لباريس، إن هناك عجزا فرنسيا في إطلاق رؤية خاصة للأمن تشمل إفريقيا، واضطرت باريس أن تتزوج النظرة الأمريكية، حسب تعبير الصحيفة.

الجزائر تهدد الساحل إن سمحت دوله بعمل الحموشي على أراضيها

   قدمت الجزائر “الجزرة” (النفط مجانا للجيش المالي وتدريب فيلقين من النيجر، وتضع قدرات وأغذية ثكناتها لمشاركة القوات الصديقة على جانبي الحدود) لمنع عمل دول الساحل مع المخابرات الداخلية المغربية، كي لا تؤثر المملكة على السياسات الداخلية لهذه الدول أو تلحقها المملكة برؤية جيوسياسية أطلقتها، وتجددت مع الأجيال الجديدة.

   ويمنع ما تعطيه الجزائر ما يسميه “لوران بيكو” ـ الدبلوماسي السابق، ومدير شركة “غاسكيا” (الحقيقة بلغة الهاوسا) ـ حجم اللامبالاة والعشوائية، وترفض الجزائر العاصمة “الإرادة الكبيرة” للعاصمة الرباط، وقد استثمرت فيما دعته “لوفيغارو” منذ 2012، “فقدان الجزائر للقارة الإفريقية”(14).

   خسرت الجزائر تحول 2000، وبوتفليقة لم تطأ قدماه دول الساحل إلا في لقاءات كبرى وليس لتعميق التعاون الثنائي، فهو لا يشبه الشاذلي بن جديد، الذي زار إفريقيا 30 مرة، أو بومدين الذي سجل رؤية له في كل التفاصيل من التعاون الاستخباري وإلى معارض الجهوية “موغار” في تندوف للصحراء الجنوبية الغربية، و”أسهار” في تمنراست لدول جنوب منطقة الساحل دون أن ننسى التعاون العسكري.

   وتحاول الجزائر حاليا أن تطلق مقاربة جهوية جديدة كما تقول “لينا كنوش” في “لوريان”، ويقاومها الحموشي الذي انطلق في تحالفات وتعاون استخباراتي مع دول غرب إفريقيا، وإفشال إطلاق “دي. أس. إس” الجزائر لمقاربة بديلة عن “دي. آر. سي” يكشف إلى أي حد يمكن أن يكون الحموشي عائقا وجب تجاوزه تحت أي ظرف، وتساهم باريس وواشنطن في عرقلة أي خطة أمنية مغربية أو جزائرية مستقلة عن فرنسا والولايات المتحدة.

   تقول “مجموعة الأزمات الدولية” في تقريرها تحت الرقم 164، والصادر في أكتوبر الماضي، “إن المثلث الصعب كما سمته بين الجزائر والمغرب وفرنسا يعيش تحديات منها عمل المخابرات الداخلية على ما تسميه “التحريك الاجتماعي للصراعات المسلحة”، فبعد “أكديم إزيك”، أصبح ملف العلاقات مع الساحل والجزائر ملفا داخليا تباشره المخابرات الداخلية، المعروفة بمراقبة التراب الوطني التي يقودها الحموشي”.

   ولا يخفي التقاطب الجهوي بين المغرب والجزائر على الصعيد الجيوسياسي، وتقاطب النموذجين التونسي والمغربي حول الديمقراطية على إطلاق الأوروبيين لسياسة جوار يريدها البعض أن تبدأ فيها “شنغن” من تمنراست(15) من أجل مواجهة مصادر الهجرة ويريدها البعض الآخر أن تبدأ من الداخلة.

   ولا يمكن لسياسة الجزائر تجاه الأزمات المالية والتونسية والليبية، أن تكون مستقلة عن علاقاتها مع المغرب، كما لا تريد أن تكون في وضع المتفرج كما حدث في ليبيا 2011، ولذلك عملت كي تكون محورية في آخر تطورات ملف الصحراء، ولو بالحرب الشاملة.

   تقول “لوفيغارو” (6 يناير 2015)، إن هولاند دخل على خط الأزمة الجزائرية ـ المغربية، قبل أن تتجاوز باريس سوء الفهم في بداية 2015، وازداد الوضع صعوبة في بداية 2016، ولم ترغب باريس سوى في تأهيل جيد لجهاز الحموشي للعمل في القارة، ولم ترد في الحقيقة محاكمته أو إضعاف موقفه.

   ويرى بوتفليقة أن فرنسا أضعفت بلاده بتدخلها في ليبيا ومالي قبل أن  تسلم “العمليات الخاصة” لمخابرات منافسة تريد أن تتوسع وتضع دول إفريقيا الغربية، مقاطعات تابعة لمخابراتها الداخلية (ويقصد المغرب)، ونقضت باريس تعهداتها باستقلال الطوارقيين والصحراويين، لمساعدتهم في إسقاط نظام القذافي (حماد أغ محمود، وزير العلاقات الخارجية في “الحركة الوطنية لتحرير أزواد” “كوريي دو صحارى”، يناير 2014، ومحمد خداد في نفس التاريخ مع المندوب الفرنسي في الأمم المتحدة)، وجاء تحريك المخابرات الداخلية لفرنسا والمغرب لنقض هذه الأبعاد، وإعادة خلط الأوراق عبر ما يسمى “التحريك الاجتماعي للصراعات المسلحة”، ولم يكن الحموشي سوى فاعلا ضمن هندسة فرنسية ما فتئت أن تراجعت عن دعمه عن طريق تشجيعها لمسار نواكشوط الذي أطلقه الاتحاد الإفريقي في موازاة “سيداو”، وانتهت مواجهة المغرب غير المعقدة للتأثير الجزائري، بتعبير معهد “توماس مورو”، وقد ركزت الرباط على إدارتها في هذه المواجهة في مقابل ترتيبات جديدة، تبدأ في إغراق الجزائر(16) والمغرب في معضلات أمنهما الجهوي بين الساحل والمغرب الكبير، وتفقد الدولتان الجارتان المتنافستان موريتانيا نهائيا، ومنها يتأخر دورهما الجيوسياسي في إضعاف فرنسي مدروس سيكون عاصفا، لأن عملية “بارخان” صنعت بنية جديدة للعمل في غرب إفريقيا بعيدا عن الجزائر التي وصل تنسيقها مع باريس ضد المغرب إلى تكوين أئمة على العلمانية عوض (إمارة المؤمنين)(17) في وضع تماثلت فيه حركة الجيش المغربي والجيش الفرنسي في إفريقيا الوسطى، ولكل تحرك مغربي جديد حساباته، ولا شك دون استبعاد خيار “المواجهة الشاملة”.

هوامش

1_ Wikileaks 06 Rabat 330 –a.delivry of message to Gom 10 n tscti conférence 24/2/2006.
2_ «360».(73025) 13/5/2016.
3_ Crise malienne: l’enjeu des relations Maroc / Algérie, Mehdi rais, le journal international.fr(369).
4_ rfi.fry Afrique (20140308).
5_ le retour en force d’Alger dans la politique du mali, thalia bayle, «le monde» (19/6/2014).
6_ Alegria – Watch (19/6/2014).
7_ Courier internationale.com /article / 2014/02/17.
8_ Vish Sakthivel in courier international (17/02/2014).
9_ 10, John Schindler in: l’Afrique des idées (terangaweb.com). consulté 6/6/2016.
11_ l’obs. avec rue 89 (230877), mali: pourquoi l’Algérie, leader de la région reste très passive par mari kostrz (5/4/2011).
12_ La sécurité au sahel se construit sans l’Algérie jusqu’a quand, par saidik abba, «le monde» (24/03/2016).
13_Menaces dans le sahel, Laurent Bigot, «le monde», 18 /1/2016.
14_ Comment Alger a perdu l’Afrique, Malanie Meterese, «le figaro» (2 novembre 2012).
15_ International Crisis groupe, l’Algérie et ses voisins (12/10/2015).
16- l’Algérie au dilemme de la sécurité régionale, sahel / Maghreb, jilrt – magazine.com (consulté 5/6/2016).
17_ Jeans marie Guenois, la France et l’Algérie s’accordent pour former les imams à la laïcité, «le figaro» ,19/12/2014. 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!