كواليس التحضير لأول انشقاق في البوليساريو وتنظيم مؤتمر استثنائي مضاد للجبهة

صدمة وزارة الداخلية والأحزاب المغربية أمام مقترح قبول الحكم الذاتي في تندوف

إعداد: سعيد الريحاني

    اختارت كل الأحزاب المغربية التي عقدت لقاءات مع ممثلين عن “الاتجاه الثالث” بالبوليساريو، الصمت وعدم إطلاع الرأي العام على فحوى هذه اللقاءات، التي انفردت “الأسبوع” بنشر أسماء الشخصيات السياسية المغربية المشاركة فيها (العدد الماضي)، وبينما لم تتضح أسباب هذا السكوت، علمت “الأسبوع” من مصادر مطلعة، أن ملفا متكاملا عن أصحاب “الاتجاه الثالث” المساندين للحكم الذاتي والراغبين في دخول المغرب، قد وضع بين أيدي وزير الداخلية محمد حصاد، غير أنه سكت هو الآخر عن الموضوع(..)، ليطرح السؤال عن أسباب هذا الجمود الذي يتعامل به المسؤولون، والسياسيون والصحافيون المغاربة مع القضية الوطنية في ظرف حساس.

   من هم أصحاب “الاتجاه الثالث”، وماذا يريدون ، وما هي حظوظ نجاحهم، في هذا الظرف الذي تغلي فيه تندوف، بحثا عن أمين عام جديد للجبهة يعوض الأمين العام الراحل، كلها أسئلة طرحت بعد نشر ندائهم، الذي قالوا فيه: “نحن مجموعة من الإطارات السامية، العليا والكوادر العسكرية في تنظيم البوليساريو، نجدد نداءنا إلى السلطات المغربية لفتح باب العودة الكريمة بكافة الضمانات والشروط الإنسانية والاجتماعية اللائقة للمئات من المؤمنين بمشروع الحكم الذاتي، الممنوح من طرف جلالة الملك لكافة الصحراويين ليتسنى لنا المساهمة الفعالة في بناء مغربنا الكبير من طنجة إلى الكويرة ودون إقصاء أو تهميش..”. (مقتطف من نداء أعضاء في البوليساريو).

   “الأسبوع” حصلت على بعض الوثائق التي قدمها بعض أعضاء البوليساريو، إلى ممثلين عن الأحزاب المغربية (انظر التفاصيل: الحقيقة الضائعة عدد: 09 يونيو 2016)، وبغض النظر عن التسميات المتعددة التي حملتها، فإن بعض هذه الوثائق تتحدث عن تأسيس “التنسيقية العامة لمعارضي جبهة البوليساريو”، ويرجع تاريخ تأسيسها إلى 11 ماي 2011، ويقول التشخيص الذي حمله البيان التأسيسي، أن “النزاع حول الصحراء وصل إلى الباب المسدود”، و”عدم أهلية وقدرة البوليساريو على السير قدما بالملف نحو التقدم، وانشغالها بتحقيق مصالحها الخاصة..”.

   لأجل ذلك، يقول أصحاب الوثيقة، أنهم أعلنوا “انشقاقهم عن جبهة البوليساريو، والدخول في معارضة منظمة سلمية تضم كل أطياف وفئات المجتمع الصحراوي”، كما تؤكد ذات المصادر، أنه تم تكليف فريق تنفيذي لإدارة الوضع والتعامل مع الخارج للتعريف بقضيتهم، ويعلنون تمسكهم بالمعارضة كخيار.

   الشخصيات السالفة الذكر، سبق أن لعبت دورا كبيرا في المعارضة بتندوف، بل إنهم حاولوا عقد مؤتمر استثنائي منافس لمؤتمر الجبهة، لولا المنع الذي طالهم، ويوثق محضر حصلت عليه “الأسبوع” لمفاوضات جرت بين ممثلين عن التنسيقية العامة لمعارضة جبهة البوليساريو، ومبعوث البوليساريو، خطري أدُّوهْ، الرئيس المؤقت الحالي للجبهة، هذا الأخير، “طلب من أعضاء التنسيقية المجتمعين معه، إنهاء النشاط المعارض للبوليساريو، والدخول في الهياكل السياسية (الموجودة في تندوف)، كما اقترح عليهم فكرة التخلي عن مؤتمر المعارضة الصحراوية، بالمقابل تتعهد البوليساريو بضمان الشفافية والنزاهة، كما تعهد خطري أدوه، حسب الوثائق التي تنفرد “الأسبوع” بنشرها، مقتطفات منها، بصفته رئيسا لما يسمى “المجلس الوطني الصحراوي”، بتغيير لغة المفاوضات، مع المملكة المغربية، وكذا الأمم المتحدة، بعد المؤتمر (المؤتمر 13)، حيث ستسعى البوليساريو إلى امتلاك قرارها بنفسها، الشيء الذي سيسمح بإمكانية النظر في كل الخيارات المطروحة لإنهاء الصراع، وفيما يخص ترشيح رئيس جبهة البوليساريو لولاية جديدة (عبد العزيز المراكشي)، قال إن هذا الأخير، لا ينوي الترشح لكن هناك لوبي قوي، وجهة خارجية يفرضان عليه البقاء في السلطة، وهو ما سيحدث في النهاية”.

   تؤكد الوثائق أن المجموعة المعارضة، رفضت كل المقترحات، وقالت إنها لن ترضخ لمحاولات الإغراء، وكانت هذه المفاوضات قد تسربت إلى الصحافة المغربية التي نشرت صورة، خطري أدوه، رفقة عنوان: “البوليساريو ترسل خطري أدوه إلى أعضاء المعارضة الصحراوية لإبرام صفقة صلح قبيل انعقاد مؤتمرها الأول بمدريد”، وجاء في أحد المقالات: “أن هذا اللقاء الذي تم قبل أيام من انعقاد مؤتمر التنسيقية العامة لمعارضي جبهة البوليساريو بمدريد، والذي أصر خطري أدوه أن يكون سريا للغاية، ليس إلا مبادرة مشبوهة من قيادة الرابوني، تنم عن سلوك مألوف لديها، فشلت، من خلاله هذه المرة، في إغراء وشراء ذمة المعارضين، مقابل التكفير عن رِدَّتهم للجبهة وقيادييها، مقابل وقف نشاطهم المعارض للبوليساريو والدخول في الهياكل التنظيمية والسياسية للجبهة، إذ وعدهم رجل ثقة أمين عام الجبهة، محمد عبد العزيز المراكشي، بمناصب قيادية داخل مجلس الأمانة المزعم تشكيله خلال المؤتمر الشعبي الثالث عشر المقبل، والذي وصفه خطري خلال اللقاء بـ “الحدث التاريخي”، و”ليس من المبالغ فيه القول، أن هذا اللقاء يرقى ليكون حجة إثبات تفضح السلوك المنحط لقادة الجبهة، وتعري بالواضح فساد القيادة التي تتعامل بمنطق الرشوة والارتشاء، لتسيير أمورها السياسية وشراء ديمومتها على حساب مصالح اللاجئين الصحراويين في المخيمات، ويزكي هذا اللقاء أيضا، حمل التنسيقية التي وحدت صفوف المعارضين لجبهة البوليساريو، صفة أول الغيث في عدالة تعيد مجرى الحوار حول قضايا الصحراويين في المخيمات إلى نصابها والحقوق إلى أهلها، وما فشل صفقة هذا اللقاء، إلا سقوط أول ورقة خريف من شجرة شرعية وصاية الجبهة على الصحراويين الأحرار داخل وخارج المخيمات”. (المصدر: جريدة العلم، عدد: 28/10/2011).

   وقد ساهم، تولي أَدّوهْ قيادة البوليساريو في الفترة الراهنة في صعود نجمه، وإن كانت كل التخمينات تؤكد أنه لن يتولى قيادة الجبهة، رغم أنه التحق بالجبهة سنة 1975، وكان صحفيا في الإذاعة الانفصالية، ثم أصبح رئيسا للبرلمان الصحراوي 2012، ولعله من غرائب الصدف، أنه هو كذلك ينتمي للأشراف الأدارسة، المحسوبين على موريتانيا، رغم أنه ولد في المغرب، وقد ولد بعيدا عن الجبهة، لأن والده كان من تلاميذ الشيخ الصوفي ماء العينين.. وينتظر أن يتم ترسيم القيادة في اسم إبراهيم غالي، بدعوى أنها وصية محمد عبد العزيز، وقد تولى هذا الأخير حتى الآن مهمة رئاسة اللجنة التحضيرية لمؤتمر استثنائي للجبهة، حيث ينتظر أن يتم الفصل بين منصب الأمانة العامة للجبهة ورئيس البوليساريو(..).

   جل الأحزاب المغربية وقفت مصدومة أمام هذه الأطراف التي تروج قبولها لمقترح الحكم الذاتي واستعدادها للدفاع عنه، وفضل كل القياديين الذين سألتهم “الأسبوع” عن فحوى اللقاءات، السكوت، لكن واحدا منهم أكد أنه سلم لوزير الداخلية ملف الراغبين في العودة، أصحاب “الاتجاه الثالث”، فيما حذر قيادي آخر، فضل عدم الكشف عن هويته، من هوية بعض الأطراف الانتهازية، التي لا تمثل أي قوة بالمخيمات، ولكنه أكد أنه التقى مع مجموعة، وصفها بـ”الجادة”، وهي التي التمست من الأحزاب المغربية عدم نشر تفاصيل المفاوضات، حيث أنهم يحملون مشروعا، وأن التواصل معهم داخل المغرب بدأ سنة 2014، مصدر “الأسبوع”، قال إن الأمر قد يتعلق بعدة مجدموعات، لكنه تحدث عن مجموعة يعرفها ترى أن المغرب “يملك الحل”، بحيث يمكنه أن يفعل الحكم الذاتي داخل الأقاليم الجنوبية، لكنه يوضح أن تعامل الدولة المغربية مع هذه الجهة، التي تدعي تمثيلية البوليساريو، يفرض طرح مجموعة من الأسئلة، هل لهم تمثيلية في القواعد الصحراوية في تندوف وهل لهم امتداد؟ وكيف يمكن للمغرب لمسها؟ ما هي علاقتهم مع “الصحراويين الوحدويين”؟ كيف سيكون الانسجام، بين صحراويين آمنوا بالوحدة منذ البداية، مقابل صحراويين حملوا السلاح في وجه المغاربة؟ وفي حالة ما إذا أراد المغرب تفعيل الحكم الذاتي بحسن نية، ألن ينعكس ذلك على تماسك الجبهة الداخلية..؟

   نفس المصدر، يؤكد أن المغرب يتعامل مع البوليساريو، كممثل وحيد للصحراويين، من تم فإن التعامل مع ممثل جديد، يفرض إثبات ذلك في تندوف، علما أن تغيير الوضع مرتبط أيضا بالأمم المتحدة، والمغرب دولة، يجب أن تراعي تحركاتها القانون الدولي الملزمة بتطبيقه، حسب قول نفس المصدر، وبخلاف ما قد يعتقده البعض، من كون الأحزاب المغربية تعاملت باستسهال مع أصحاب “الاتجاه الثالث”، موضحا أنها (أي الأحزاب) لا يمكن أن تتحدث خارج “الإجماع وراء المؤسسة الملكية”، ويرى أن ذلك أحد أسباب قوة الطرح المغربي الذي جعل من قضية الصحراء “قضية شعب”.

  ويرى نفس المصدر، بخلاف أطراف أخرى(..)، أن هناك إمكانية للتعامل مع هذه المجموعات بعد إثبات امتدادها في تندوف(..) من خلال المجلس الاستشاري للشؤون الصحراوية على سبيل المثال، فهذا المجلس يضم جميع الأطياف، منهم من رفض حمل السلاح في وجه المغرب أمثال الشيخ بيد الله، والدكتور ماء العينين، الأمين العام للمجلس، وكلاهما دكاترة في الطب، كما يضم تيارا آخر، يضم العائدين الذين حملوا السلاح في وجه المغرب لكنهم اقتنعوا بالوحدة، أمثال: الحضرمي، والبشير الدخيل، والسفير ولد سويلم.. حسب قوله.

   يذكر أن الوثائق التي حصلت عليها “الأسبوع” تقول بأن إحدى المبادرات المعروضة على الأحزاب السياسية المغربية، هي تأسيس حزب للمنشقين عن البوليساريو في الأقاليم الجنوبية، ويعد ذلك آخر المقترحات التي اقترحت خلال الأشهر الأخيرة، ويقول أصحاب مبادرة “التجمع الوطني الصحراوي”، في إحدى الوثائق، “حركتنا هي نسيج من كافة شرائح المجتمع الصحراوي الحقيقي والذين يعرفون سابقا باسم “أهل الساحل” والمنصوص عليهم صراحة في لوائح وبنود وقرارات الأمم المتحدة تحت اسم “السكان المحليين المسجلين في إحصائيات إسبانيا 1974”.. فهذه الشريحة لم تعد مقتنعة بمشروع البوليساريو السياسي، ولم تعد تحس أنها ممثلة فيها كما كان من قبل، فخمسة وعشرون سنة كانت كافية بإحداث قطيعة نهائية”، بل إن الأطراف المجتمعة مع الأحزاب المغربية، والتي التقت عدة سياسيين من بينهم رئيس البرلمان، الطالبي العلمي، وممثلين عن حزب العدالة والتنمية والوزيرة بوعايدة، وإدريس لشكر وعبد الكريم بنعتيق ومحمد اليازغي، كما اجتمعوا بالشكاف ونبيلة منيب ومحمد خالدي.. كان لديهم طلب إيصال رسالة إلى الملك محمد السادس، ولا يعلم أحد أين وصلت الرسالة، وقد جاء فيها: “نحن مواطنين، ولم يبث في أمرنا، حتى هذا الحين، فنحن دفعتنا الأحداث والتجاذبات السياسية إلى التخندق في خنادق.. فوجدنا أنفسنا حطبا جاهزا لقضايا إقليمية ونزاعات دولية دون أن نسأل أو نستشار في أمورنا، لكن مع مرور الزمن وتبدل الأحوال من حالة الحرب إلى وقف إطلاق النار في بداية التسعينات من القرن الماضي، بدأت الأمور تتجلى وأضحت الصورة أكثر إيضاحا خاصة مع أول احتكاك لنا بأهالينا وذوينا جنوب المملكة، عندها بدأت القناعات تتبدل، والثوابت تتصدع فيما كان يلقن لنا من أفكار مغلوطةعن أشقائنا وإخواننا في المغرب..” (المصدر: رسالة مفتوحة إلى الملك محمد السادس)، وإذا كانت الأطراف القادمة من البوليساريو قد عبرت عن رغبتها في الدفاع عن الحكم الذاتي، ووضع حد للتمثيلية الأحادية من جبهة البوليساريو للصحراويين، فإن التحدي الذي يبقى مطروحا، هو ما مدى قدرة هذه الأطراف على تأكيد امتدادها داخل المخيمات وقدرتها على تنظيم مؤتمر منافس للمعارضة، يقول مصدر حزبي.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!