الغش “يا سادة” منكم وفيكم.. وإلينا

   عند اقتراب حمى الامتحانات الإشهادية، وخاصة البكالوريا اشتعلت حمأة المسؤولين عن القطاع، عبر خطاباتهم ورسائلهم التلفزيونية والإذاعية، ومن خلال مذكراتهم وتعليماتهم الفوقية غير الخاضعة لرؤية تربوية وتعليمية استراتيجية، إذ تفتح الوزارة رشاشها الزجري هنا وهناك دون تفعيل لآليات التشاور مع المحور المركزي للعملية التربوية برمتها.

   لقد اعتاد التلاميذ سنويا على رزنامة جديدة من التعليمات الصارمة يصدرها المسؤولون عن التعليم دون التربية، يتم بها ومن خلالها ممارسة الضغط والترهيب على المتعلم من جهة، والأستاذ من جهة أخرى، أما التلميذ – المتعلم وفق التسمية الجديدة المندرجة في إطار تلميع الواجهة في الأدبيات التربوية المغربية، فقد مورست عليه هذه السنة أبشع عوامل الترهيب والتخويف والتعذيب النفسي، والقهر الاجتماعي، الالتزام القهري الذي ينبغي على التلميذ وولي أمره التقيد والخضوع له، وهو ما خلق اضطرابات واختلالات على مستوى العلاقات الأسرية، وهنا يمكن أن نفهم رسالة واحدة ووحيدة في هذا الصدد، مؤداها، على العاقل الناضج، المربي، وولي الأمر تحمل رعونة المراهق، القاصر إن وقع فيما يقض مضجع الآباء، ويجعل عيونهم ساهرة تتوقع الكوابيس وتستشرف خيوط الأمل. هو إذن، تأزيم لمستوى العلاقات الأفقية والعمودية للأسرة المغربية، وعسكرة للفعل التربوي، بعد أن تم إدخاله إلى غرفة الإنعاش منذ عقود.

   وأما المدرس- الأستاذ، فقد أضحى المتهم الأول، قبل التلميذ في دائرة الامتحانات، وقد تجسد ذلك بشكل مريب، في ما أقدمت عليه “وزارة محاربة الغش” بالزج به في بركة المياه الآسنة دون أن تؤمن له أدنى شروط السلامة والأمن.

   كيف لوزارة ترفع اليوم شعارها البائد: “محاربة الغش”، والغش يعشش في خططها واستراتيجيتها ورؤاها المتوسطة والبعيدة عبر كل مراحلنا التعليمية.

   ألا تخجل “وزارة محاربة الغش ومتابعة أولياء الأمور وتهديم الأستاذ” من ترسيخ قيم الغش في امتحاناتنا الإشهادية الابتدائية، وعدم تصفية المترشحين، والقبول بمبدإ تعميم النجاح على الضعيف قبل المتفوق، فيما يسمى بالشبكة المدرسية، ثم الدفع بالمترشحين أنفسهم في الامتحان الإشهادي الإعدادي (التاسعة إعدادي)، مثلما يتم مساعدته على المرور عبر الجذوع المشتركة، والأولى باكلوريا بمعدلات محضة ومقصودة، فيها ما فيها من مؤامرة التحايل والمواربة، مثلما فيها رسائل توريط التلميذ وإسقاطه في فخ العجز والتعجيز من جهة، والحرص على تأمين تجهيله وإفراغه المقصود والمدبر سلفا من لدن وزارتنا “الصارمة” اليوم، التي لايهمها من بين ما يهمها، سوى تلميع واجهة تعليمنا المعطوب، وتربيتنا الفاقدة لهويتها وشرعيتها الثابتة أمام أنظار الجامعات الدولية المحترمة لنفسها.

   على من ترمون “قماماتكم” إذن.. على التلميذ أم على ولي الأمر، أم على الأستاذ، الحلقة الضعيفة في هذا الثالوث الملعون.

   لقد كان على”وزارة محاربة الغش” أن تنطلق من الداخل، من عقر الدار، التي تخفي خبايا إخفاقاتها على مستوى البرامج والمناهج التي أنتجت نماذج مخشبة، وعطلت آلة التفكير لدى الإنسان المغربي، وأفرغت محتواه الجوهري من كل قيم الإنتاج والاستحقاق والإبداع، عوض اللجوء إلى ترسانة الإجراءات الشكلية التجميلية الموسومة بالانتقائية والارتجالية.

   الغش، يا “سادتي” منكم وفيكم، ويصدر إلينا كما تشاؤون ومتى تشاؤون، فكفى، كفى ثم كفى استبلادا واستهتارا.

يحيى عمران

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!