محمد عبد الوهاب: أنا أضعف رجل في العالم أمام المرأة الجميلة

بقلم: رمزي صوفيا                                                        

   قصة محمد عبد الوهاب تصلح لإنتاج وتصوير عدة أفلام، ولو فكر في تفاصيلها بعض الذين عايشوه، لكسبوا من وراء أسراره وغرائب حياته مالا وفيرا، فقد كانت حياته متشعبة ومليئة بالمفارقات العجيبة التي لم تمنعه من السطوع عاليا في سماوات الطرب والألحان الخالدة.

   لقد تعرفت على محمد عبد الوهاب في مطلع شبابي، حيث كنت شابا صغيرا يستمتع بملذات الحياة في مصيف “عاليه” بلبنان، وكان هوس الفن والرغبة الجامحة في دخول محرابه يستوليان على كافة مشاعري، وكان حلمي الكبير هو أن أصبح ذات يوم نجما مشهورا وناجحا، يومها تعرفت في ذاك المكان الاستجمامي الرائع، على الفنان المصري الكبير نجيب الريحاني، الذي كان عراقي الأصل ينحدر من الموصل، وعاش في مصر منذ طفولته وعرف كيف يفرض مواهبه في عالم التمثيل المسرحي ثم السينمائي حتى صار نجما كبيرا يشار له بالبنان، في تلك المرحلة المشرقة من حياته، تعارفنا، وبمجرد علمه بأنني عراقي رحب بي أجمل ترحيب، ولما شرحت له هوسي بالسينما ورغبتي في أن أصبح نجما سينمائيا، وعدني بـأن يقدمني لمحمد عبد الوهاب ويطلب منه مساعدتي في تحقيق أمنيتي، وهكذا كان، فقد كان محمد عبد الوهاب يقيم معه في نفس الفندق، وهو فندق “طانيوس” بمصيف “عاليه” الشهير آنذاك، فجلسنا في الشرفة الكبيرة للفندق ننتظر محمد عبد الوهاب حتى أطل علينا بشخصيته المهيبة، فقدمني له نجيب الريحاني وهو يمسك بيدي وقال له: “هذا شاب عراقي وسيم جدا كما ترى، وهو مولع بالسينما ويتمنى الحصول على فرصته في عالم التمثيل، ورغم صغر سنه فمن الممكن أن يصبح نجما كبيرا بفضل دعمك لموهبته”، فرد عبد الوهاب قائلا، “لا، لا، لسه بدري عليه”، ثم التفت إلي وسألني: “كم عمرك؟” قلت له: “17 سنة”، فابتسم وهو يقول لي: “أكمل دراستك في الأول، ثم تعال إلى مصر وسأساعدك”. وكان جوابه بمثابة خيبة الأمل الأولى في حياتي، لكن موقفه دفعني للمزيد من المثابرة في دراستي حتى أكملتها، فتغير مساري المهني نحو مجال الصحافة وانطلقت في سلسلة استجوابات لكبار نجوم تلك الفترة من ممثلين ومطربين لبنانيين، وعملت في عدة صحف ومجلات معروفة، وذات يوم جاءتني فرصة الذهاب إلى مصر موفدا من مجلة “السينما والعجائب” التي كنت أعمل بها، وذلك بهدف إجراء مجموعة من الحوارات الفنية مع نجوم المسرح والسينما والطرب في أم الدنيا، وساعدني في القيام بمهمتي الصعبة هناك، الأستاذ عبد الشافي القشاشي، الذي كان صاحب ورئيس تحرير “مجلة الفن المصرية”، والتي أصبحت بعد ذلك مراسلا لها من بغداد، وبواسطة هذا الرجل الطيب والمثقف الكبير، استطعت الوصول إلى العديد من كبار نجوم الفن بمصر، فأجريت معهم مقابلات مدعمة بالصور حيث كنت أحرص على التقاطها لي معهم لأثبت للقراء بأن تلك اللقاءات قد وقعت بالفعل، خاصة وأنهم كانوا جميعا من فئة النجوم الذين لم يكن من السهل الوصول إليهم، فبالأحرى إجراء حوارات مليئة بما لذ وطاب من أسرار وحكايات عن حياتهم الفنية والعاطفية، وكان على رأس الذين قابلتهم، الموسيقار محمد عبد الوهاب، الذي استقبلني يومها في شقته الكبيرة مع زوجته الأولى وأم أولاده، السيدة إقبال نصار، فالتقطت معهم عدة صور توثيقية، وبعد أن تم نشر تلك المقابلات الفنية التي حملتها معي من مصر على صفحات مجلة “السينما والعجائب” و”مجلة الفن المصرية”، بدأت شهرتي تكبر وصار اسمي يلمع في عالم الصحافة الفنية، ومرت السنوات بسرعة مذهلة فحدث اللقاء الكبير بيني وبين محمد عبد الوهاب، وكان ذلك في باريس، حيث كانت ترافقه زوجته الثانية والأخيرة السيدة، نهلة القدسي، التي اختطفها من زوجها السفير الدبلوماسي الأردني، عبد المنعم الرفاعي بعد وقوعه في حبها لدرجة الجنون، وكنت أقيم في فندق “أنتير كونتنونتال”، وكان عبد الوهاب ينزل في نفس الفندق، حيث خصص له أمير من العائلة السعودية الحاكمة جناحا كبيرا في قمة الفخامة كضيف معزز ومكرم، يومها التقيت برجل الأعمال السعودي محمد بايزيد، الذي كنت قد تعرفت عليه في مدينة جدة، وعندما علم بوجود محمد عبد الوهاب في نفس الفندق الذي كان هو الآخر ينزل به، طلب مني أن أعرفه عليه، ووجه لنا دعوة على العشاء بمطعم “فوكيت” الفخم، فجاء عبد الوهاب مع زوجته، وبمجرد جلوسنا على المائدة، جاءنا النادل بأطباق من السلطات المتنوعة كمقبلات في بداية الوليمة، لكن عبد الوهاب انتفض قائلا لنا: “أوعوا تاكلو من السلطات، لأن أي أكل غير مطبوخ بشكل جيد على النار يكون مليئا بالجراثيم ويؤذي الصحة”، فرفعنا أيدينا عن السلطات رغم جودتها ورغم فخامة المطعم المعروف بنظافته، ولكننا اضطررنا لمسايرة عبد الوهاب، فتعشينا باللحوم والأسماك المشوية على النار.

   وبعد العشاء، جلسنا جميعا لاحتساء الشاي فبادرت عبد الوهاب بسؤال مباغث قائلا له: “لقد اشتهرت بالصدق والصراحة والجرأة في قول ما لا يستطيع غيرك قوله، وعندي لك سؤال يلح علي منذ مدة، فهل تسمح لي بطرحه في هذه الجلسة الممتعة؟”، قال لي بهدوئه المعروف: “طبعا، تفضل”، فسألته: “هل صحيح أنك لا تستطيع مقاومة الجمال وأنك تغازل أية حسناء تلتقيها؟”، أجابني مبتسما وهو يمسك بيد زوجته ويداعبها بكل حب: “اسمع يا رمزي، أنا رجل مكتمل الرجولة، وكل رجل عادي تقع عيناه على الجمال الفتان إلا ويستسلم لسلطانه ولو بالغزل أو بالنظرات، وقد كنت أضعف رجل في العالم أمام المرأة الجميلة، إلى أن وضع القدر في طريق قلبي زوجة رائعة الجمال ومكتملة الأنوثة، هي زوجتي وحبيبة قلبي نهلة، فملكت كل أحاسيسي وملأت قلبي بحبها حتى لم تترك فيه نقطة فراغ واحدة تجعلني أشتهي غيرها من النساء”، ثم نظر إليها وكأنه لم يشعر بأحد معه في تلك اللحظة سواها، وكاد أن يقبلها وهو يقول لي ناظرا لعينيها باشتهاء وحب: “كيف لمن لديه كل هذا الجمال، وهذا القد الفتان، وهذه الأناقة، أن ينظر لامرأة أخرى، فكل جوارحي تنطق باسم نهلة، وعيوني لا ترى سوى جمال نهلة”. فأيقظته من وصلة الغزل لزوجته بسؤال أكثر جرأة: “وهل صحيح أنك عشقت مديحة يسري وكان حبك لها سبب منحك لها دورا كبيرا في فيلمك الذي غنيت فيه “بلاش تبوسني في عيني دي البوسة في العين تفرق”، فقد قيل بأنك غنيت لها هذه الأغنية من فرط عشقك لعيونها”، فضحك عبد الوهاب حتى كاد يستلقي على ظهره وقال لي: “قصة هذه الأغنية تعود للمرحومة والدتي، فقد كنت كلما اقتربت منها وقبلتها بين عينيها تقول لي: “ابتعد عن عيني يا محمد دي البوسة في العين فال نحس يفرق بين الأحباب”، وهكذا قررت أن ألحن وأغني أغنية إكراما لمقولة والدتي، ولما التقيت مديحة يسري وسحرتني عيونها الخجولة، قررت أن أغني في الفيلم الأغنية المذكورة وأنا أنظر في عينيها، ولكن مشهد غنائي لها، كان تمثيلا في تمثيل فقط، لأنني كنت ولا زلت أكن لمديحة كل احترام وتقدير ولا شيء سوى الاحترام، فهي نجمة كبيرة وسيدة طيبة جدا وصديقة غالية”، فقلت له: “ولكنك لم تحك لنا كيف التقيت مع حبيبة عمرك نهلة القدسي؟”، فقال لي: “نهلة كانت سيدة رائعة الجمال، لا أستطيع أن أنسى منظرها إلى اليوم، وقد التقيتها في فندق “فينيسيا” في لبنان، حيث كنت أقيم، فرأيت جمالا رهيبا لم أر مثله في حياتي، وكانت تضع نظارة سوداء على عينيها، فخشيت أن تكون حولاء”، فقلت لها: “ما تشيلي النظارة يا هانم”، فقالت نهلة: “لا.. والله عينى تعبانة”، قلت لنفسي، “لابد من الهجوم، وعرضت عليها أن تشاهد الجناح الذي أقيم فيه، ودخلت معي”، فقلت له “وماذا حدث بعد ذلك؟”، قال لي وهو يبتسم: “لقد انتهزت فرصة مرافقتها لي ونزعت النظارة من فوق عينيها على حين غرة، وإذا بها تدغدغني في صدري وتقول لي: “إيه قلّة الأدب دي؟”، فقلت لها: “متأسف، وتطلعت إلى عينيها وكدت أُجن بجمالها، وتبين لي أن الذي تخفيه كان أجمل شيء فيها”، قلت لها: “عرفت لماذا تضعين النظارة؟ لتخفي كل هذا الجمال، أنت رائعة الجمال، أنت شىء خطير، وجلسنا نتكلم واكتشفنا أن شيئا واحدا يجمعنا، أنا متعب في حياتي العائلية، وهي متعبة في حياتها العائلية أيضا، تعرفنا على التعب المشترك بيننا، وحدث لنا ما لا يمكن وصفه حيث انجرفنا من أول لحظة في حب مجنون جعلها تنسى زوجها، وجعلني أنسى نفسي وكل شيء في حياتي، فكان زواجنا وكأننا مراهقين نخطو أولى خطواتنا في عالم الحب”، وواصلت إحراج الموسيقار بأسئلتي فقلت له: “ولكن ما هي قصة زواجك من سيدة كانت تدعى زينب الحكيم؟”، قال لي بدون أدنى حرج: “إنها كانت أول امرأة في حياتي، وكانت تكبرني بأكثر من عشرين سنة، وقد عشقتني وأنا في بدايات حياتي الفنية وطلبت مني الزواج على أن يبقى زواجنا في السر، فكان لها ما أرادت ولا أنكر أنها ساعدتني ماديا مساعدة كبيرة، فقد كانت امرأة ثرية ثراء فاحشا وعشت معها في قصرها بمنطقة الزمالك، لكن غيرتها الشديدة كانت تخنقني مما جعلني أرسل لها ورقة طلاقها غير آسف على حبها ولا على أموالها”، ثم نظر إلي بصرامة وقال لي ضاحكا: “كفاية أسئلة عاطفية فجوابي الوحيد هو أنني أحب نهلة. نهلة. نهلة ثم نهلة”.

   ودارت الأيام وانتهى مشوار حياة عبد الوهاب، لكن قصة حبه لزوجته ظلت حديث الكبير والصغير، وقد عاشت بعده أكثر من ربع قرن من الزمن قضتها في استحضار ذكرياتها معه حتى توفيت في شهر غشت من السنة الماضية.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!