في الأكشاك هذا الأسبوع

المتقاعدون بين “معترك” الضامة و”معركة” الكارطة

   بعد قضائهم سنوات من العمر داخل ردهات ومكاتب الإدارات العمومية والخاصة، يجد المتقاعدون في انتظارهم أجرة أصبحت معاشا قد لا يكفل لهم الحد الأدنى من المعيشة لتغطية نفقات سلّة من الأمراض المزمنة كالسكري وضغط الدم أو هما معا، لأن هزالة المعاش ما عاش بها متقاعد عيشة كريمة تحترم شيبته، فحياته أصبحت كلها عبارة عن وقت ثالث يكاد يتبع المتقاعد كظله، فيحاول أن يوزعه بالتقسيط بين المقهى والمسجد والمنزل الذي ما إن يدخله حتى تضيق به غرفه، وتنهره (مولات الدار) بعد أن ترك بصمات قدميه على الأرض المبللة، ويدفعه أثاث المنزل نحو الباب ليلبي نداء أقرانه الداعي إلى تمضية الوقت جلوسا في تراخ على كراس في الطريق وعلى الرصيف، فتراهم في قيلولة بجفون مفتوحة في غفلة من عصير البنّ المسحوق في أكوابهم على شكل قهوة نصف ونصف، أو قهوة مكسّرة أو قهوة عادية، وأمام كؤوس الشاي المحلّى بغير السكر، كؤوس لا تجف ولو بعد ألف رشفة ورشفة، فيتسابقون للحديث بكلمات وآهات تطل برؤوسها من القصبات الهوائية الملوثة برائحة أعقاب سجائر يخطئها العد، وما بين الرشفة والأخرى تترصد العيون رغم ضعف البصر كل تحركات المارين في سباقهم مع الزمن، وعندما تتعب باقي العيون من افتراس سحنات الناس، ينادون على النادل لإحضار لعبة الورق أو (الكارطة) حتى يدخلوا في مبارزات تدربوا على أسلحتها ولغتها منذ نعومة أظافرهم، فمن القاموس الحربي تسمع (الرونضة والميسّة والترينغة والقاعة والغناء)، ومن الأسلحة سيوف جردت وفرسان تمتطي صهوة جياد زيّنت بأجمل الألوان وجسّدت على لعبة الورق من أربعين ورقة ممسوخة أو منسوخة أربع مرات، تحمل الأعداد من 1 إلى 12 بعد القفز على رقمي 8 و9 ولا أدري لماذا، ويحظى فيها رقم واحد باحترام باقي الأرقام التي تأكل بعضها البعض بناء على الترتيب، وبسرعة يتوافق الجميع على نوع المعركة هل هي (الرونضة أوالتوتي أوالسوطة الغاملة)، وهذه الأخيرة هي سيدة في الأربعين قصيرة القامة وتحمل كالتيمومي رقم 10 يشمئز منها كل من كانت من نصيبه ويتمنّى لو يهديها لمن بجانبه، أما اللغة الإسبانية فحاضرة عند النطق بالأرقام (كاللاص والدوس و. و..) وبالألقاب (كالراي والكابال)، وإذا اقتسموا غنائم الحرب واحتسوا كؤوس الشاي على نخب المنهزمين، هبّوا إلى ركن آخر يتسابقون إلى رقعة الطامة أو (الضامة) حيث خطوط التماس الأمامية والخلفية متراصّة على ضفتي الواد الافتراضي، والبيدق الذي يصل إلى معترك الخصم يصبح (ضامة) متحررة من قوانين اللعبة بإمكانها أن تطير فوق المربعات فتطيح بالبيادق مثنى وثلاث ورباع، آنذاك، تظفر هيئة الحرب في الميدان بإبريق شاي آخر، ويفتح دفتر التحملات من جديد في وجه المتقاعد أو مت قاعدا.

بين بريق السيوف ووقع سنابك الخيل أضع علامة استفهام متنبرة؟

 

عبد الله ملول

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!