في الأكشاك هذا الأسبوع

قتل النقابات يقتل حزب العدالة والتنمية.. وسر “الكذب” في الأرقام بين النقابات والسلطات

إعداد: عبد الحميد العوني                                          

   قالت مصادر خاصة إن الفارق المهول في أعداد المضربين بين الحكومة والنقابات يكشف سببا مباشرا يتمثل في عدم رغبة السلطات في اقتطاع أجر يوم الإضراب من القواعد، وقد تكون بداية “تمرد حقيقي” يعصف بالسلم الاجتماعي، وجاءت أرقام المضربين في حدود 22 في المائة حسب الوزير مصطفى الخلفي، فيما قالت النقابات أنها وصلت إلى نسبة 82,83 في المائة في الوزارات، و94 في المائة في الجماعات المحلية، أي بفارق 60 في المائة إلى 72 في المائة، وهي فوارق خيالية تؤكد “كذب” أحد الطرفين، فالسلطات تحت ضغط عدم الاقتطاع لا تريد رفع النسبة، والنقابات ترفع النسب إلى الحدود القصوى، دون أن يعلق أي جانب على الآخر أو يعلقا على الأرقام.

   وتجري في الخلفية حرب تدفع فيها النقابات إلى تقاعد بن كيران وحزبه، فيما يريد بن كيران دفع النقابات إلى التقاعد كما علقت “جون أفريك” في دجنبر الماضي، ويشتد الخلاف بين الطرفين حول صناديق التقاعد.

   وتفرض الدولة توازنا سلبيا بين النقابات ورئاسة الحكومة يزيد من الغضب، وتتكرر جولاته في أيام سوداء تنقص من شعبية الحزب الإسلامي والنقابات “الخبزية” دفعة واحدة.

   ويتأكد في الجولة الأخيرة التي يناضل فيها النقابيون في التراويح والأسحار ومنع بن كيران من التجمعات إلى صبيحة يوم 7 أكتوبر أن حرب الاستنزاف بين النقابات الكبرى والحزب الإسلامي دخلت منعطفا غير مسبوق، لا يريد الجميع أن ينتهي بصدام النقابات والأحزاب، فالعقدة التاريخية أن لكل حزب نقابة يسيطر عليها ويقودها، وحانت الفرصة للقول أن النقابة تقاتل الحزب وتضعفه، فتضعف حاضنتها “السياسية”.

   وفي هذه الحسابات، يجري قتل مزدوج للنقابات وحزب العدالة والتنمية، من واقع أن قتل النقابات يقتل حزب العدالة والتنمية في عمقه الشعبي، ومن جهة ثانية، يعزل حزب الإسلاميين نفسه بشكل بنيوي، لأن المواجهة تتحول رويدا رويدا إلى “مواجهة اجتماعية”.

 إضعاف النقابات وحزب العدالة والتنمية، يذهب بعيدا عن الحسابات الصحيحة لتوازنات اللعبة

   يقع فصل النقابي و”الحزبي” في مغرب اليوم، بطريقة قسرية، وعن طريق استنزاف الجسمين التمثيليين والمؤطرين للعبة، وما يجري قد يدفع إلى الخراب، لأن المساس ببنيات الحركة الاجتماعية يزيد عن الخط الأحمر، فالدولة لا تقتل بل تؤطر القوى.

   وهذه الحرب “الأهلية” بين التمثيليات ممثلة في الحزب الإسلامي، والنقابات لا تستنزف بنيات الحركة والتحرك، بل تدفع بالطرفين إلى الانتحار، فمن المخيف:

   أ ـ أن تكون خرافة الدولة أو “كذب الدولة” مسموحا به في علاقات عمودية تتصل بالواقع اليومي لأي مجتمع يطمح إلى دولة قوية يحتاجها على الأقل كصورة في نزاع دولي في الصحراء.

   ب ـ أن يؤطر الأمن الاجتماعي على تقديرات متناقضة بين المجتمع الأهلي ودولته، لأن الدولة المدنية لا تقوم على هذه الأخطاء في التصورات والفعل.

   ج ـ أن السلم الاجتماعي الطويل الأمد يحتاج إلى “صدقية ومصداقية” في الأداء الاجتماعي وعمل المؤسسات المؤطرة للدولة.

   د ـ أن قدرة المجتمع على التعبئة تماثل قدرة الدولة على نفس الفعل التعبوي، وتلك إشارة غير صحيحة في بناء أمن بعيد المدى لأي دولة.

   إن ما يجري مغامرة، فالنقابات تعارض حكومة بن كيران بسبب تصلبه الشديد لتمرير كل حزمته التقشفية، ويريد أن يدفع ثمنها اجتماعيا، فيما يعلن فشله في محاربة الفساد.

   ومن الأكيد القول في خلاصتين مريرتين:

   الأولى، إن ما يجري من إجراءات تقشفية على أنها إصلاحات، تفقد أي مردود اقتصادي مع تغول الفساد ودوائره في القرار والاستغلال، ومحاربة الفساد ترفع درجتين أو على الأقل 1,5 في المائة من النمو، وهي نسبة لا تشكلها الإجراءات المعتمدة في الإعلام على أنها “إصلاحات” لأن القرارات لا تمس بنيات العمل الاقتصادي المختلفة أو دورته.

   الثانية، أن استنزاف حزب العدالة والتنمية في تنفيذ كل حزمة “التقشفات” تدفع أحزاب الحكومة القادمة إلى تخفيف الإجراءات الموجودة وإعادة صياغتها، بما يظهر أنها تقديرات صحيحة، ويكون الإسلاميون قد دفعوا كل الثمن الاجتماعي، ولا حزب الآن لديه تصور لما بعد (الإصلاحات)، أو مرحلة ما بعد التقشف، وهو ما يجعل الجميع يتخوف.

   وفي هذا الإطار، تسيطر التقديرات (الانتخابية) على سياسات “التصفية النقابية” لنقابة وشعبية حزب العدالة والتنمية، ورغبة حزب رئيس الحكومة في الاستقواء بحسابات الدولة لتمرير جميع الإجراءات المرحلية، فكأن الحزب ينظف الطريق للحكومة القادمة التي  سيرأسها أو سيشارك فيها أو سيعارضها.

   وقرار الإسلاميين قائم على تجاوز حلفائهم المرحليين، وخدمة (الأهداف)، كما لا يقوم بها أحد دون الانتباه إلى انعكاساتها، وما يجري اليوم استنزاف للنقابات لصالح النظام، ويذهب بعيدا في الوصول إلى:

   أ ـ عزل النقابات عن قواعدها الحزبية، وإن ربحت الدولة فصل حزب الاتحاد الاشتراكي عن الكونفدرالية الديمقراطية للشغل في عهد حكومة اليوسفي، فإنها تربح حاليا عزل الصف اليساري داخل النقابات عن الإسلاميين، وهو ما يؤثر في الشارع والقواعد بشكل ممنهج من اليوم وإلى عشية 7 أكتوبر القادم، تاريخ الانتخابات البرلمانية.

   ب ـ فصل “النقابي” عن “السياسي” استمرار لدعوات فصل السياسة عن الدين، كما يرفع شعاراتها دعاة الطريق الثالث الذي احتكره حزب الأصالة والمعاصرة، بعد مؤتمره الأخير.

   ج ـ فصل النقابات عن حركة الشارع، ودفعت هذه الخطط في السابق إلى تفجير الربيع العربي الذي خرج فيه الشارع من دون قادة، ويمكن أن تحصل موجات جديدة في ظل الغليان الصامت لشعوب تحركت وأجهضتها قوى مستفيدة في ثورات مضادة.

   وتخوض القواعد الحزبية والنقابية حركة غير مسبوقة في مسلسل اللامبالاة قد ينتهي إلى الإحباط الشديد، ولا يمكن إدارة وضع مفتوح للأزمة بأساليب تقليدية تقصد (إضعاف) حزب إلى حدود لا تسمح له برئاسة الحكومة القادمة، ويدفع حزب العدالة والتنمية كل شعبيته لإنجاز ما لم تتوقعه دوائر القرار.

“حرب” حرية التعبير بين الكونفدرالية والحكومة تنتهي بمصادرة حق النقابيين في الرأي السياسي بالبرلمان وحرية بن كيران في التجمعات

   احتجت الكونفدرالية الديمقراطية للشغل على توجيه مجلس المستشارين تنبيها لمستشارها عبد الحق حيسان، وعوض أن تنتقد الكونفدرالية حزب الأصالة والمعاصرة، المنتمي للمعارضة وإدارة بنشماس لمجلس المستشارين، فضلت تحميل المسؤولية للحكومة في سابقة اعتبرتها خطيرة، نظرا لتصوير المستشار جزءا من اجتماع 26 ماي بالهاتف النقال.

   واعتبرت النقابة “الإجراء تعسفيا وغير مسبوق في الحياة السياسية لبلادنا، ولا يستهدف المستشار كإطار وطني، ودافع ولا يزال يدافع، وسيظل يدافع عن الطبقة العاملة وعموم المواطنين وعن الوطن عامة”، حسب تعبيره، و”بنفس الجرأة والقناعة والحماس بعيدا عن المزايدات السياسية التي تحرك العديد من الجهات”.

   ولم يوضح البيان الصادر هذه الجهات، وإن فسرها البعض أن منها حزب الأصالة والمعاصرة المتهم بخدمة أجندة تخترق الحكومة والمؤسسات.

   وعقبت الكونفدرالية ـ لانتقادها المزدوج والمبهم لكل من الحكومة وحزب الأصالة والمعاصرة والجهات التي خلفه ـ على الإجراء بانتقاد النقابات لحكومتين، بتعبير المصدر، فهناك حكومة تعارض الإسلاميين وتمارس من داخل المؤسسات سياستها، وهناك حكومة بن كيران التي تخدم نفس الأجندة من موقعها في سحق المكتسبات العمالية والاجتماعية رغم قدومها في أجواء (الربيع العربي) وحراك 20 فبراير.

   وتعاني النقابات حاليا، ليس من حكومتين بارزتين فقط، بل من “إجراءات متفردة” لكل جهة بما يجعل التنافس حول إرضاء دوائر القرار تسبق كل بحث عن الشعبية أو القرب من (القواعد).

   وتكشف الكونفدرالية في بيانها أن الجهات التي تدعم حزب الأصالة والمعاصرة الذي يرأس الغرفة الثانية والحكومة، طرفان يتحدان لتمرير قانون أنظمة التقاعد، وضرب هذا المكتسب والإجهاز عليه، كما تم الإجهاز على العديد من المكاسب العمالية الشعبية من طرف الحكومة المعادية لحقوق العمال الموظفين والمواطنين عامة (صندوق المقاصة…) يقول نص البلاغ.

   وشددت النقابة في اجتماع فاتح يونيو الجاري بالدار البيضاء على برنامجها النضالي المسطر من طرف النقابات الخمس، والذي يستمر طول شهر رمضان، وما يليه لغاية 7 أكتوبر، وهو برنامج تم الاتفاق على تكييفه مع خصوصيات رمضان الأبرك وإكراهات العطلة، مع ترك حرية التصرف لكل اتحاد محلي وفق خصوصيته، ويظهر أن الخطوة تدمر:

   أ ـ حزب العدالة والتنمية لاعتماده على حركة دعوية وينتمي للخلفية الإسلامية، ورفض سياسات الحكومة في الشهر الفضيل رسالة تقتل “مفاصل” الحركة الدعوية والحزبية للعدالة والتنمية، بطريقة ممنهجة بنفس ما يقوم عليه برنامج بن كيران الممنهج بدوره انطلاقا من رئاسته للحكومة، وضرب ما يدعوه النقابيون، المكتسبات التي جاءت عبر نضالات وحركات الشارع، كادت أن تسقط النظام في مواعيد كثيرة في القرن الماضي.

   ب ـ تمنع بن كيران من التجمعات، ومنعت الداخلية لأسباب أمنية، تجمعات لرئيس الحكومة باعتباره أمينا عاما لحزب العدالة والتنمية، وأعطت النقابات الخمس حجة إضافية لمنع حالة الصدام في التجمعات بين بن كيران والنقابات في حسابات مدروسة تضعف الإسلاميين إلى حدود غير متوقعة، لأن ما يجري حاليا لن يضعف الحزب لحظيا، بل استراتيجيا، وقد يمس في العمق “البنيات المجتمعية” ويحولها إلى ما يتجاوز حسابات المرحلة.

   مجرد تحييد “عامل” بن كيران في الانتخابات البرلمانية وخفض حملة حزب العدالة والتنمية إلى المهلة القانونية للحملة الانتخابية لا غير، يقزم ولا شك، دائرة تأثير الإسلاميين ويختزل حضورهم إلى حدود بعيدة، وهو ما سنشهده في السنوات القادمة.

   ومن عدم التقدير، أن يربط حزب العدالة والتنمية مستقبله بشخص واحد، أو يربط حركته بنفس الشخص، بل زاد الوضع سوءا حين وضع الانتخابات أيضا بيد هذا الشخص، فدار حاضره ويدور مستقبله بشخص بن كيران، وحوصر في مناورته كأي لاعب جيد، يقوم الفريق المنافس بوضع لاعبين أو أكثر لعزله، وفرض رئيس الحكومة على نفسه هذا المصير بقراره خدمة الحكم ولم يأبه للجمهور، وتلك قصة أخرى.

 اليسار النقابي من خمس تشكيلات في مواجهة استفراد نقابة حزب العدالة والتنمية، وتصعيد الحزب في رئاسة الحكومة لإتمام الإجراءات التقشفية قبل أسابيع قليلة من الانتخابات

   لم يتمكن رئيس الحكومة وحزبه من الوصول إلى الغايات المسطرة بفعل إجرائين قاتلين يتمادى بن كيران في مواصلتهما:

   ـ استدعاء النقابات “اليسارية”، ويحاول بن كيران من حسابات الدولة، أن يواصل إضعاف التمثيليات العمالية، فيما يضعف نفسه أيضا، وإن عبر اليسار النقابي عن موقفه من خلال خمس تشكيلات في مواجهة استفراد حزب العدالة والتنمية، فإن تصعيد الحزب في رئاسته للحكومة، أحرق التقديرات المحتملة في تشجيع تحالفاته، بعد التشريعيات، لتشكيل الحكومة القادمة.

   ـ مواصلة الإجراءات التقشفية قبل أسابيع من الانتخابات البرلمانية، لأن بن كيران يلعب أوراقه منتحرا، لا يريد أي شيء أو يريد كل شيء إن فاز في استحقاق 7 أكتوبر.

   وتكشف هذه اللعبة إلى أي حد يمكن لبعض دوائر النظام أن تسوق ما يجري على أنه انتصار، وفي الحقيقة، فإن اللعبة السياسية محصورة ومتبعة ومستنزفة.

   ويمكن الاعتماد على حلفاء تقليديين أو بناء “حلفاء جدد”، لأن الشارع يرفض احتكار البعض لقواعد اللعبة، ويمكن أن يزيد ضعف الأحزاب إلى حدود الهزال، فاليسار يعاني في شخص الاتحاديين، واليمين الديني والمحافظ الاجتماعي (حزب الاستقلال) ينتهيان إلى التمسك بالقيادة، ودعم بقائها، ومن جهة ثانية، لم يتمكن حزب الأصالة والمعاصرة من قيادة الوسط أو العمل على أنه حزب الوسط، منذ إعلان علمانيته وإلى يساريته الطاغية في  خطابه الديمقراطي الاجتماعي، وبين هذه المواقع، تزيد صعوبات التأطير والتنظيم في المشهد الحزبي والنقابي على حد سواء.

أنصار العدالة والتنمية مهووسون بتعزيز تواجدهم في المؤسسات من خلال نقابة الاتحاد الوطني للشغل، وتمكين الحزب من مواصلة مسلسل التطبيع مع القصر

   أعلن الاتحاد المغربي للشغل بوضوح في خطاب 1 ماي الماضي، تمسكه بالملكية الدستورية القائمة على إمارة المؤمنين، وسبقت إمارة المؤمنين الخيار الديمقراطي، في رسالة فهم منها الجميع أن ما ينادي به الحزب، ليس الديمقراطية، بل محاولة الفصل بين الحزب والمؤسسة الحاكمة، لمعاداته “التحكم”.

   وأيا يكن، فالصف النقابي للإسلاميين وصل درجة من التسييس يرد عليه الآخرون بخطوات سياسية نزل فيها النقابيون لمحاصرة رئيس الحكومة في كل الاتجاهات، تماما كما حاصر بن كيران النقابات بتنزيل (كل الإجراءات التقشفية)، وحاليا هناك استراتيجيتان:

   ـ التحكم عن طريق الدولة من خلال الحكومة (العدالة والتنمية).

   ـ التحكم عن طريق الدولة العميقة من خلال الأجهزة الموازية (الأصالة والمعاصرة).

   ووصل الصراع القائم إلى درجة الاستنزاف، لأن النقابات تدير معارك سياسية صافية وتنتج خطابا حزبيا صرفا.

   وبالتأكيد، فإنه لكل ما يجري عواقب وخيمة، لأن النقابات انقسمت مدافعة عن ملكية دستورية غير برلمانية على أساس إمارة المؤمنين، وأخرى ملكية دستورية تنشد الوصول في النهاية إلى ملكية برلمانية، وهو التسييس الذي مرر كل المخططات التقشفية كـ (إصلاحات)، وأضاع المطالب النقابية المهنية أو الخالصة، حيث سيطر غير المنتمين على جل التمثيل النقابي بطريقة كاشفة منذ منتصف ولاية بن كيران.

   ويشكل عام 2014 القطيعة، ومرحلة رئيسية في فصل العمل النقابي عن النقابات ردا على التسييس المتطرف لتمثيليات الطبقة العاملة.

   واليوم، يجتاح التسييس مواقع جديدة من خلال “التحكم” عقيدة ومسارا لأحزاب أو جهات بحد ذاتها، والإضراب حالة من رفض هاجس “التحكم” في مستوى من مستويات الإدارة والحوار “المنقطع” بين دوائر القرار الإداري (الحكومي) والقرار الاجتماعي (غير الحكومي).

   ومواصلة حالة الاستنزاف و”الكذب” أو “البروباغاندا” خطر جسيم على مستقبل العمل السياسي والنقابي على حد سواء، فمن الصعب اختزال كل شعبية الحزب في قواعد النقابة، ومن التشويه أن تملأ نقابة بقواعد حزب معين.

 انحراف المعركة إلى من هو ضد بن كيران أو مع بن كيران انقسام نقابي واجتماعي، وليس سياسيا بالضرورة

   انخراط النقابات في حملة سياسية غير مسبوقة ضد شخص أو حزب لإبطال مفعوله الاجتماعي، سابقة تؤكد أننا أمام حالة إفلاس مركب، لأن الأحزاب المعارضة لم تتمكن من مهمتها، وهناك نقابات لا تجد في الأحزاب من ينقل وجهة نظرها، في الوقت الذي يجد فيه حزب العدالة والتنمية في نقابته ما يمكن أن يقدمه ويمثله اجتماعيا، وكذلك الشأن بالنسبة للتمثيل السياسي لنقابة الاتحاد الوطني للشغل والمتمثل في حزب بن كيران، ويعلن  الاصطفاف النقابي لخمس مركزيات أن تحولا ما حدث، وأن النقابة المسيسة انتهت بلا رجعة، وقد أخذت مكانها النقابات ذات الأجندة المتفق عليها سياسيا.

   وفي إطار الاستنزاف المزدوج لليسار النقابي والإسلاميين، يبدو النظام حكما جيدا وغير قادر في نفس الآن على “نقاء الحوار الاجتماعي”.

   وقد يدفع المغرب ثمنا غاليا لتسييس أو تحزيب الحوار الاجتماعي تحت أي ظرف، فالأولويات تختلف بين قدرة السياسي وإمكانياته، وبين مطالب الاجتماعي ومدى حركيته.

   فالمسألة قاسية، لأن النقابة المواطنة تزيد من تكريس النقابة السياسية أو الحزبية.

النقابة المواطنة لم تنجح في المغرب، وحرك النظام في لحظة ضعف الأحزاب النقابات، لحصار “ظاهرة الإسلاميين”، وتحققت الأهداف كاملة

   في لعبة تمرير الإجراءات التقشفية، اضطرت حسابات النظام أن “تؤدلج” معركة الحكومة عن طريق اليسار والنقابات، ودخلت نقابة (أو. م. تي) القريبة من حزب الأصالة على خط الصراع، مؤطرة مستقبل الأوضاع قبيل الانتخابات البرلمانية.

   ويسود صراع الحكومة والنقابات على أساس تقييم وضع تديره نقابة (الاتحاد الوطني للشغل) التي ترفع تقاريرها لبن كيران، وتعتبر أداته في تقييم القطاعات إلى درجة يثق فيها أكثر من مصادره الأخرى.

    وحول حزب العدالة والتنمية (الترمومتر) العام إلى نقابته التي ترفع تقارير أكثر دقة ومفصلة بالحالات إلى رئيس الحكومة ويستشيرها، بل إن مستشاريها خلقوا الحدث، عندما تأكد أن 70 في المائة من القطاعات قابلة لنقل تفاصيل إلى الحزب.

   وإن كان حال نقابة (الاتحاد الوطني للشغل) هو العمل السياسي والميداني إلى جانب بن كيران، فإنها تدعم الحزب لتبرير مواقفه، واضطرت النقابات المعارضة إلى خوض الصراع الإيديولوجي، وهو ما استفاد منه الآخرون.

   وقبيل الانتخابات، حولت النقابات الخمس المعارضة كل حركتها لإسقاط بن كيران، وهي حملة مفتوحة إلى عشية 7 أكتوبر، وهي أكبر حرب اجتماعية ضد رئيس حكومة منذ الاستقلال وإلى اليوم.

   وفعلا، لم يواجه أحد في منصب حكومي مثل هذا التحدي عندما خول رئيس الحكومة لنفسه أن يتحمل المواجهة بدلا عن المؤسسات السيادية.

   وفي هذه الترتيبات، أقر بن كيران بفشله في محاربة الفساد، وقال إن الفساد يحاربه، ويعرف من يتصل بوزرائه، ولا يستطيع أن يفعل شيئا، وفي هذا اليأس “المدروس”، يريد ولاية ثانية، في إطار الصلاحيات التي أتى بها الدستور، وهي صلاحيات غير كافية، لممارسة سلطته، لكنه لا يريد ملكية برلمانية.

   وفي اختزال سياسات الحكومة في (الانتخابات)، وترك باقي الملفات للملكن يريد بن كيران تسطير منهجه في نظام إمارة المؤمنين، حيث تخضع الملكية الدستورية إلى هذا الأساس في مقابل الملكية البرلمانية، ويسود الاعتقاد أن الصراع اليساري الإسلامي، والمستجد اجتماعيا في النقابات وسياسيا في مختلف الواجهات، قد تحول فعلا إلى انقسام يسري دون التحكم في أبعاده.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!